# رسائل النبي إلى قيصر والملوك! - ردود فعل صادمة - تصوير الذكاء الاصطناعي - يا رسول الله | الحلقة 9

- Language: ar
- Published: 2026-08-26
- Canonical: https://blog.towardseternity.com/ar/blog/epic-conquest-of-khaybar-visualized-by-ai-alis-heroic-fight-o-messenger-ep-9
- Source video: https://www.youtube.com/watch?v=ebeAyx_E7pc
- Channel: Towards Eternity

This is the cleaned transcript of the source video. The speech is unaltered.

---

أربعةً صحابة اختارهم رسولُ الله ﷺ بعنايةٍ خاصة دِحية الكلبي، وحاطب بن أبي بلتعة وعمرو بن أُمية، وعبد الله بن حُذافة و كلُّ واحدٍ منهم يتهيأ للانطلاق وفي يده رسالة ولكن إلى مَن كُتبت هذه الرسائل؟ إلى حُكّام القوى الكبرى في ذلك الزمان إمبراطورِ الروم، وملكِ الحبشة، وحاكمِ مصر وكسرى عظيمِ فارس وقد كُتبت كلُّ رسالةٍ مخصوصةً لصاحبها، تدعوه إلى الإسلام بل إنه ﷺ اتخذ خاتماً، وختم به جميع الرسائل هذه السلسلة المرئية تستند إلى مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثقة جميع الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي أُعِدَّت بالتشاور مع علماءَ مسلمين مؤهَّلين وبما يوافق الضوابط الإسلامية كان ذلك في حدود مطلع سنة 629م وقد مضت سبعُ سنواتٍ منذ الهجرة وكانت رسالةُ رسولِ الله ﷺ أن يُبلِّغ الإسلام إلى العالم أجمع لأنه لم يكن نبيّاً مبعوثاً إلى قريش ولا إلى جزيرة العرب وحدها بل بُعث إلى الناس كافة فكُتبت الرسائل، واختير الصحابةُ سفراءَ لتبليغها وانطلقوا يحملونها وأرسل رسولُ الله ﷺ دِحيةَ الكلبيَّ إلى هرقل عظيمِ الروم "مرحباً بك في القصر" فلما وصل، استقبله الوالي ثم أُدخل على الإمبراطور هرقل فتسلّم الإمبراطور الرسالة، وأمر أن تُقرأ على الملأ "أسمِعني ما فيها" وبينما كان يُصغي، أخذ يتذكّر ما ورد في كتبهم المقدسة فقد بشّرت بقدوم نبيٍّ يأتي في آخر الزمان وذكرت صفاته والآن قد جاء كتابٌ من رجلٍ يزعم أنه نبي أفيمكن أن يكون هذا هو النبيّ الذي كانوا ينتظرونه؟ لقد جعله ذلك يغوص في تفكيرٍ عميق "استرح " "فلعلك أعيتك مشقةُ السفر" ثم قام بأمرين مهمَّين أولاً، كتب رسالةً إلى صديقه المقرّب ، الأسقف ضغاطر وكان يثق برأيه، فشرح له الأمر وطلب منه المشورة وثانياً، أمر رجاله قائلاً: "اذهبوا، فالتمسوا هاهنا أحداً من قوم ذلك الرجل" "الذي يزعم أنه نبي" وبعد فترة ، أرسل ضغاطر جوابَه ولكن، ماذا كتب؟ سنصل إلى ذلك بعد قليل ولكن، لننظر أولاً إلى حديث الإمبراطور مع اسمٍ مألوف، أبو سفيان لقد كان أبو سفيان في تلك الناحية للتجارة فلما رآه الجنود في السوق جاؤوا به إلى الإمبراطور مع أصحابه ثم أُخذوا إلى كنيسة إيلياء وبعد ذلك، استدعاهم هرقل إلى مجلسه "مولاي" وكان قد أحاط نفسه بكبار رجال الروم وقادتهم الدينيين فسأل الإمبراطور: "أيكم أقرب نسباً" "بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟" "أنا أقربُهم إليه نسباً" "أدنوه مني، واجعلوا أصحابه عند ظهره" "إني سائل هذا عن هذا الرجل" "فإن كَذَبَني فكذِّبوه" وبذلك لم يستطع أبو سفيان أن يكذب ثم بدأ هرقل يوجّه إليه الأسئلة "كيف نسبه فيكم؟" "هو فينا ذو نسب" "هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟" "لا" "ومَن يتبعه؟" "أشرافُ الناس أم ضعفاؤهم؟" "بل يتبعه الضعفاء والمساكين" "أيزيد أتباعه أم ينقصون؟" "هم في ازدياد" ولم يكن أبو سفيان يدرك الحكمة من وراء هذه الأسئلة غير أن لكلِّ سؤال منها غاية "هل قاتلتموه من قبل؟" "نعم" "فكيف كان قتالكم إياه؟" "الحرب بيننا سجال ينال منا وننال منه" "ماذا يأمركم؟" "يأمرنا أن نعبدَ الله وحده، ولا نشرك به شيئاً" "وينهانا عن عبادة ما كان يعبد آباؤنا" "ويأمرنا بالصلاة، وبالصدق" "وبالعفاف، وبصِلَة الرحم" "هذه كلُّها صفاتُ نبي" "فإن كان ما تقول حقّاً فسيملك قريباً موضعَ قدميَّ هاتين" "قد كنت أعلم أن نبيّاً سيظهر" "ولكني لم أكن أظن أنه يكون منكم" وهذا هو ما سيقع تماماً فقد تيقّن هرقل حينئذٍ أن النبيَّ الذي بشّرت به التوراة والإنجيل هو محمدٌ رسولُ الله ﷺ فلما فرغ من كلامه، ارتفعت الأصوات في المجلس وأخذ كبارُ القوم يتحدّث بعضُهم إلى بعض وكثر اللَّغَطُ وارتفعت الأصوات فأُخرج أبو سفيان وأصحابُه سريعاً إلى الخارج "لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة" "إنَّه يخافه ملك بني الأصفر" وسيُسلم هرقل بعد ذلك ولكنه، خوفاً على مُلكه من الاضطراب سيكتم إيمانه ولكن، ماذا جرى للرسالة التي أرسلها إلى صديقه الأسقف ضغاطر؟ لقد جاءه الجواب فكتب ضغاطر في رسالته أن رسولَ الله ﷺ نبيٌّ حقّاً ثم طلب الإمبراطور من دِحية أن يذهب إلى ضغاطر ويدعوه إلى الإسلام وكان جوابه وما جرى له بعد ذلك أمراً صادماً حقّاً "ارجع إلى نبيك، فأقرئه مني السلام" "وأخبره أني أشهد أن لا إله إلا الله" "وأن محمداً رسولُ الله" "وأشهد أن عيسى عبدُ الله" ثم دخل ضغاطر حجرته، فنزع ثيابه السوداء ولبس ثيابَه البيضَ الرسمية أخذ عصاه، ووقف أمام الناس الذين اجتمعوا في الكنيسة وقد حان الآن وقت إعلان الحق "يا معشرَ الروم!" "لقد جاءنا كتابٌ من نبيٍّ يُسمّى أحمد" "وقد دعانا فيه إلى الإيمان بالله العليِّ الأعلى" "وأشهد أن لا إله إلا الله" "وأن أحمد عبدُه ورسولُه" فلما سمع الجمع ذلك، استشاطوا غضباً "هذا لا يعقل !" "لقد تركتَ دينَ آبائك وأجدادك؟" فاندفعوا إلى ضغاطر، وضربوه حتى استُشهِد رحمه الله عليه ومن الحكّام الذين أُرسلت إليهم الرسائل أيضاً: النجاشيُّ ملكُ الحبشة وقد حملها إليه عمرو بن أُمية ولعلّكم تذكرون أنه لما هاجر المسلمون تلك الهجرة الشاقة إلى الحبشة كان النجاشي قد استقبلهم ببالغ الإحسان "أنتم آمنون بأرضي" فأخذ الكتاب الذي بعث به رسولُ الله ﷺ فوضعه على عينيه تعظيماً له وقبّله، ورفعه إلى جبهته ثم أمر أحد رجاله أن يقرأه جهراً فلما سمع الكتاب، نزل عن عرشه وجلس متواضعاً على الأرض، ونطق بالشهادتين "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمداً رسولُ الله" "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسولُ الله" "لو قدرتُ أن آتيه، لأتيتُه" وكان للمبعوث، عمرو بن أُمية، طلبٌ آخر "نريدك أن تُرسل المسلمين" "الذين يقيمون في الحبشة إلى المدينة" ولم يُقدَّر للنجاشي أن يرى رسولَ الله ﷺ لكنه آوى سنواتٍ طويلةً أناساً قد رأوه وها هو الآن يبعثهم إلى المدينة ليلتقوا به من جديد وأما حاكمُ الفرس ، كسرى أبرويز فقد وصلته هو الآخر رسالةٌ من رسولِ الله ﷺ وقدِم عبدُ الله بنُ حُذافة إلى فارس وسلَّم كسرى بنفسه دعوةَ النبي ﷺ إلى الإسلام فأمر كسرى كاتبَه أن يقرأها "بسم الله الرحمن الرحيم" " من محمدٍ رسولِ الله إلى كسرى عظيمِ فارس سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله" فما إن سمع كسرى ذلك حتى اشتد غضبُه ولم يدعه يُتمّ قراءة الكتاب "انظروا لهذا!" "هذا الرجل الذي ليس إلا واحداً من رعيتي، من عبيدي" "يجترئ أن يكتب كتاباً ويبدأ باسمه قبل اسمي!" ثم قام بتمزيق رسالة رسول الله فلما سمع رسول الله بذلك الخبر رفع يديه ودعا الله أن يمزّقهم تمزيقاً أي ان يمزقه الله هو ومُلكه فاستجاب الله دعاء رسولِه ﷺ، ولم يطل الأمر حتى طُعن كسرى أبرويز فقُتل على يد ابنه شيرويه فمزّق الله مُلكه كما مزّق الكتاب وكان رسول الله ﷺ قد أخبر حتى بالشهر واليوم اللذين سيُقتل فيهما فوقع الأمر كما أخبر تماماً وبالنسبة لمُلكه، فقد مزّقه سعدُ بنُ أبي وقاص في خلافة عمرَ رضي الله عنه وكان المبعوثُ الذي ذهب إلى مصر هو حاطبُ بنُ أبي بلتعة فانطلق يحمل كتابَ النبي ﷺ إلى حاكمها المقوقس ولما كان المقوقس يومئذٍ في الإسكندرية لقيه حاطب هناك، وقدّم إليه الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم" "من محمدٍ عبدِ الله ورسولِه إلى المقوقس" "عظيمِ القبط" "سلامٌ على من اتّبع الهدى" "أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام" "أسلِم تسلَم، يؤتك الله أجرك مرتين" "فإن تولّيت، فإن عليك إثمَ القبط" "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ" "تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ" "أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ" "وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا" "وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ" "فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" فلما فُرغ من قراءة الكتاب أكرم المقوقسُ حاطبَ بنَ أبي بلتعة وأحسن وفادته لكنه لم يُبدِ رأياً في تلك اللحظة ثم استدعاه في تلك الليلة إلى مجلسه وبعد حديثٍ طويلٍ مفصّل، قال المقوقس: "إني قد علمتُ أن نبيًّا قد بقي" "وكنتُ أظن أنه يخرج بالشام" "لأن الأنبياء قبله كانوا يخرجون منها" "غير أني وجدت أيضاً في الكتب" "أن النبي الخاتم سيخرج من أرض العرب" "من أرضٍ ذات شدةٍ وفقر" "وقد وجدنا صفته مكتوبةً في كتاب الله" "وهذا هو الزمن الذي ينبغي أن يظهر فيه" "ولكن القبط لن يطيعوني إن دعوتهم إلى اتباعه" "ولا أطيق أن أترك مُلكي" "وسيملك هذه النبي بلاداً كثيرة، ومن بعده" "سيأتي أصحابه حتى يبلغوا ساحات مدينتنا ويستقروا فيها" "وسيظهرون في آخر الأمر على أهل هذه البلاد" لكنه غفل عن حقيقة أن ثواب الآخرة أبقى وأفضل وفي سورة القصص، يذكّرنا الله بأن كلَّ ما أوتي الأنسان في هذه الدنيا هو عطاءٌ منه ، فيقول تعالى: "وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ" "فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا" "وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ" "أَفَلَا تَعْقِلُونَ" وهكذا، كانت الرسائل قد أُرسلت إلى الملوك واستمر الكفاح من أجل نشر رسالة الإسلام في آفاقٍ جديدة غير أن الظروف المناسبة لهذه التحرّكات الشجاعة لم تكن لتُنال بسهولة فقد كان وراءها صلحٌ احتاج إلى صبرٍ عظيم: صلحُ الحديبية الذي عُقد مع مشركي مكة وكان ذلك قبل إرسال الرسائل بنحو ثمانية إلى عشرة أشهر وقد بدأ الأمر برؤيا ففي تلك الليلة رأى رسولُ الله ﷺ رؤيا سيكون لها أثرٌ عميق جداً رأى في منامه أنه يزور الكعبة مع أصحابه وأنهم في أمانٍ تام، وقد دخلوا مكة جميعاً فلما أصبح، وأخبر النبي ﷺ أصحابَه برؤياه، غمرتهم فرحةٌ لا توصف "اسمعوا!" "أما سمعتم الخبر؟" "لقد رأى رسولُ الله ﷺ رؤيا!" "رأى في منامه أننا نعتمر في مكة!" "آمنين!" ، لماذا كان لمجرد رؤيا هذا الأثر الكبير؟ لأن رؤيا الأنبياء تعد وحياً ولذلك عُدَّت هذه الرؤيا أمراً سيتحقق لا محالة وصار الجميع يتشوقون إلى العودة إلى مكة فبعد ستِّ سنواتٍ طويلة من الفراق سيتمكنون أخيراً من العودة إلى مكة وزيارة بيت الله وبدأت الاستعدادات على الفور وفي يوم اثنين، خرج من المدينة ألفٌ وأربعمائةٍ من المسلمين في شوقٍ عظيم وأخذوا معهم سبعين بدنةً للهدي ولم يحملوا إلا السيوف التي يحملها المسافرون للحماية فلم يكن قصدهم حرباً، وإنما أرادوا العمرة فكان لا بد أن يبدو من بعيدٍ أنهم لا يريدون القتال تخيّلوا فقط، لقد كانوا متجهين إلى القوم أنفسهم الذين حاربوهم لستَّ سنواتٍ كاملة، من غير استعدادٍ لمعركة يا لها من شجاعةٍ عظيمة!

وكما هي سائر الفضائل الكريمة فقد كانت شجاعتهم نابعةً من إيمانهم فلما بلغوا ذي الحليفة، صلّوا الظهر ثم بعد الصلاة لبس رسولُ الله ﷺ ثوبين أبيضين ونوى العمرة، وأحرم ثم بعدها بدأ يلبّي "لبّيك اللهم لبّيك" وردّد الصحابة معه التلبيةَ بالحماسة نفسها وكانوا يقتربون من مكة شيئاً فشيئاً وقد بلغت حماستهم ذروتها وفي أثناء ذلك، بلغ الخبر قريشاً فلما سمعوا أن ألفاً وأربعمائةٍ من المسلمين في طريقهم إلى مكة، اضطربوا وفزعوا "أما سمعتم؟ المسلمون قادمون نحو مكة!" "ألفٌ وأربعمائة!" - "كيف يكون هذا؟" - "ليسوا مسلحين ، ولا نفهم لماذا جاؤوا" "إذن فلا بد أن نتحرك فوراً!" "مهما يكون السبب ، لن نسمح بهذا" وقد أدرك المشركون أن الأمر ليس حرباً بل هو أمرٌ آخر ومع ذلك، فقد قرروا ألا يسمحوا للمسلمين بدخول مكة فجهّزوا كتيبةً من الفرسان قوامها مائتا رجل، بقيادة خالد بن الوليد فلما علم رسولُ الله ﷺ بما أعدّته قريش غيّر طريقه فقد كان يعتزم دخول مكة من طريقٍ آخر لكن هناك شيئاً واحد اوقفه : ناقته القصواء هل تذكرون كيف في نهاية الهجرة إلى المدينة بركت في موضعٍ من الأرض وامتنعت من المسير والآن، لما اقتربوا من حدود مكة، بركت مرةً أخرى ومهما حاولوا أن ينهضوها، لم يفلحوا فضاق الأمر ببعض الصحابة، وقالوا: "خَلَأَتِ القصواء" فقال رسولُ الله ﷺ: "ما خلأتِ القصواء" "وما ذاك لها بخُلُق" "ولكن حبسها حابسُ الفيل" يعني فيل أبرهة الذي كان يريد الوصول إلى الكعبة ففي تدبيرِ الله لعباده حكمة وفيما يصرفه عنهم خير حتى لو لم نعلم ثم نزلوا عند بئرٍ في منطقة تدعى الحديبية لقد كانت أوطانهم، وذكرياتهم وبيوتهم، وأحبّتهم، قريبةً منهم الآن ولكن سؤالاً واحداً كان يشغل بال الجميع: "متى سيؤذن لنا بدخول مكة؟" "لا أدري، الله و رسوله ﷺ أعلم" فلما علم المشركون بما جرى نزلوا هم أيضاً قريباً من المسلمين وهنا بدأت الرسل تتردد بين الفريقين فكان أولُ رسولٍ من المسلمين إلى قريش قد أخبرهم أنهم ما جاءوا إلا للعمرة وأن رسولَ الله ﷺ يريد عقد صلحٍ معهم فرفض المشركون هذا العرض غير أن بُديلَ بنَ ورقاءَ، وكان رجلاً من خزاعة رأى أن هذا العرض معقول، فجاء إلى رسولِ الله ﷺ فقال: "يا محمد، إن قريشاً ستقاتلك" "وستمنعك من زيارة الكعبة" فأخبره رسولُ الله ﷺ أنهم ما جاءوا إلا لأداء العمرة ثم قال: "إن قريشاً قد أكلتهم الحرب" "فإن شاءوا، صالحناهم" "ولكن، ليخلّوا بيني وبين بيت الله" "فنؤدي عمرتنا، وننحر هَدْينا" وظلت الرسل تتردد بين الطرفين، لكنهم لم يصلوا إلى اتفاق وأخيراً، قرر رسولُ الله ﷺ أن يبعث عثمانَ بنَ عفان رسولاً فقد كان عثمانُ رضي الله عنه ذا مكانةٍ في مكة وكان له فيها أيضاً أقارب فكان أنسبَ الناس لهذه المهمة "جئتُ لأبيّن لكم مقصدَ رسولِ الله" "ولأدعوكم إلى السِّلم وإلى الإسلام" "اذهب، وأخبر مَن أرسلك" "أنه لن يدخل مكة، ولن يطوف بالكعبة" "وأما أنت، فإن شئتَ أن تطوف، فطف" ولم يكن عثمانُ قد رأى الكعبة منذ ثلاثَ عشرة سنة ففي السنة السادسة من البعثة هاجر إلى الحبشة ثم بعد الهجرة لحق برسول الله ﷺ إلى المدينة ومع ذلك، فقد كان جوابُه واضحاً: "لا والله، لا أطوف" "حتى يطوف رسولُ الله ﷺ" فأغضب هذا الجوابُ المشركين غضباً شديداً فقرّروا أن يحتجزوا عثمانَ في مكة مضت ثلاثة أيامٍ على رحيل عثمان ومع ذلك، لم يصل منهم خبرٌ عنه ثم بدأت شائعةٌ تنتشر بين المسلمين: "لقد قُتل عثمان!" ولم يكن في وسعهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي ولم يبقَ أمام رسولِ الله ﷺ إلا خيارٌ واحد: أن يأخذ بثأر عثمان فجمع الصحابة ليأخذ منهم البيعة وكانوا سيُبايعونه على القتال مهما كان الثمن ومع أنهم لم يكونوا قد أعدّوا أنفسهم لقتال فتقدّموا واحداً بعد واحد يضعون أيديهم في يد النبي ﷺ ويبايعونه "نبايعك على ألا نفرّ، وعلى القتال حتى الموت" وسيُعرف هذا الموقف البطولي في تاريخ الإسلام ببيعة الرضوان ولم يبقَ إلا رجلٌ واحدٌ لم يُبايع وهو عثمانُ رضي الله عنه الذي كان مصيرُه لا يزال مجهولاً فرفع رسولُ الله ﷺ يده اليمنى وقال: "هذه يدي" ثم رفع يده اليسرى وقال: "وهذه يد عثمان" ثم ضرب بإحداهما على الأخرى ثم التفت إلى المسلمين وقال: "اشهدوا أن هذه البيعة عن عثمان" فزاد ذلك الصحابة حماسةً على حماستهم "لا بد أن نُطلق عثمان!" "وإلا هجم أصحابُ محمدٍ على مكة!" فلما بلغ قريشاً أن المسلمين قد بايعوا على الأخذ بثأر عثمان أصابهم الخوف، فأطلقوه سريعاً وكانت عودته سبباً في فرحةٍ عظيمةٍ للمسلمين جميعاً ولا سيما رسولَ الله ﷺ فلما رأوه حياً سالماً، سكنت القلوب واطمأنت النفوس وأمام هذا الموقف الحازم، اضطر المشركون إلى التراجع فقرّروا أن يبعثوا سهيلَ بنَ عمرو إلى رسولِ الله ﷺ للصلح فلما رآه رسولُ الله ﷺ قال: "قد سَهُل" "لكم من أمركم، أراد القوم الصلح" "حين بعثوا هذا الرجل" لم تعد قريش تفكّر الآن إلا في الاتفاق فجاء سهيلٌ إلى النبي ﷺ وقال: "يا محمد، جئتُ من عند قريشٍ لأُعاهدك" وكان هذا أيضاً ما يريده رسولُ الله ﷺ، فقبل العرض ثم دُعي عليٌّ رضي الله عنه ليكتب شروط الصلح فقال له رسولُ الله ﷺ: "يا علي، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم" فاعترض سهيلٌ على الفور، وقال: "أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو" "ولكن اكتب ما نعرفه ونكتبه في عهودنا" "باسمك اللهم" "فاكتبها" فقال رسول الله ﷺ: "اكتب: باسمك اللهم" فكُتبت كذلك ثم أكمل رسولُ الله ﷺ و قال: " هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله" "وسهيلُ بنُ عمرو" فاعترض سهيل مرةً أخرى "والله، لو كنا نعلم أنك رسولُ الله" "ما صددناك عن البيت" "ولا قاتلناك" "ولكن اكتب: محمد بن عبد الله" فقبل رسولُ الله ﷺ بذلك أيضاً وقال: "يا علي، امحُها، واكتب: محمد بن عبد الله" فتجمّد عليٌّ وكان سائرُ الصحابة أيضاً في غاية الاضطراب لما يرونه فقال عليٌّ: "والله، لا أمحوها أبداً" "ما كنتُ لأمحو: رسولَ الله" فسأل رسولُ الله ﷺ عن موضعها فلما أراه عليٌّ مكانها، محا رسولُ الله ﷺ بيده لفظَ "رسولُ الله" وأمر عليّاً أن يكتب: "محمد بن عبد الله" ولم تكن الأمور تسير كما يرجون لكن الصحابة تلقَّوا الصدمةَ الكبرى عند أول بندٍ من بنود الصلح "يرجع المسلمون هذا العام من غير أن يدخلوا مكة" "ويعتمرون من العام المقبل" "ولا يدخلونها إلا بسيوفٍ في أغمادها" "ولا يقيمون فيها إلا ثلاثة أيام" فلما وافق رسولُ الله ﷺ على ذلك اشتد الأسى في النفوس ولم يفهم أحدٌ كيف يُقبل بهذا ثم كُتب البند الثاني: "أن تضع الحربُ أوزارها بين الطرفين عشر سنين" والثالث: "من خرج من المدينة عن دينه ورجع إلى مكة" "فلا يُردّ إلى المسلمين" "ومن خرج من مكة مسلماً" "فإنه يُردّ إلى قريش" وكان هذا شديداً جداً على المسلمين فقال الصحابة: "سبحان الله!" "كيف نردّ أخانا إلى المشركين" "بعد أن جاءنا وهو مسلم؟" فقال رسولُ الله ﷺ وكان يريد الصلح مع كلِّ ما فيه: "نعم، من ذهب منا إليهم، فأبعده الله" "وأما من جاءنا منهم ثم رددناه" "فإن الله جاعلٌ له" "فرجاً ومخرجاً" والبند الرابع: "أن من أحبَّ من قبائل العرب أن يدخل في حلف محمدٍ دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في حلف قريشٍ دخل فيه" واستمر الصلح على شروطٍ أخرى من هذا القبيل وفوق هذه الشروط الثقيلة وقع أمرٌ زادهم همًّا على همّهم فقد كُتب الصلح، لكنه لم يُوقَّع بعد وفي تلك اللحظة، جاء إلى المسلمين رجلٌ يركض وهو مقيد وكان أبا جندل، ابنَ سهيلٍ رسولِ قريش وقد كان أبوه يحبسه منذ أربع سنين لمجرد أنه دخل في الإسلام وقد تمكّن من الفرار بطريقةٍ ما، وبعد مشقةٍ شديدة وصل إلى المسلمين وجاء إلى رسولِ الله ﷺ يلتمس الحماية من ظلم أبيه وتعذيبه وكان يصيح: "يا معشر المسلمين، أغيثوني!" فلما رأى سهيلٌ هذا المشهد احمرّ وجهُه من شدة الغضب وقال: "يا محمد!" "هذا أولُ ما أقاضيك عليه من أمر الصلح" "أريد أن يُرَدَّ إليَّ ابني" لم يُرِدْ رسولُ الله ﷺ أن يُعيد أبا جندل وحاول أن يُقنع سهيلاً وذكّره بأن الصلح لم يكن قد وُقِّع بعدُ وطلب منه ألّا يُجري ذلك الشرط على ابنه لكن سهيلاً رفض بإصرار "والله، لا أُوقِّع على الصلح حتى أستردَّ ابني" وفي تلك اللحظة، صاح أبو جندل بصوتٍ يعتصر القلب: "يا معشر المسلمين!" "أَتَرُدُّونني إلى المشركين بعد أن جئتكم مسلماً؟" "أما ترون ما قد لقيتُ؟" فنظر النبي ﷺ إلى أبي جندل، وقال له بصوتٍ حزين: "يا أبا جندل أصبر و أحتسب" " أصبر و أحتسب" "فإن الله جاعل لك و من معك من المستضعفين فرجا و مخرجا" "إنا قد عقدنا بيننا و بين القوم صلحا" وأعطيناهم علي ذلك و أعطونا عهد الله وبهذه الكلمات التي فيها التسلية والتثبيت ردَّ أبا جندل إلى أبيه وكان في الحقيقة يبشّره بفرجٍ قريب وبمخرجٍ لأبي جندل ولسائر المسلمين المظلومين في مكة مخرجٍ من شأنه أن يجعل المشركين يندمون على هذا الشرط بعينه وهنا بدأت تظهر أولى ثمار صلح الحديبية ففي الظاهر، بدت الشروط وكأنها كلها على غير مصلحة المسلمين غير أن رسولَ الله ﷺ كان يرى منذ ذلك الحين الفتوح العظيمة التي ستأتي بعد هذا الصلح أما الصحابة، فقد امتلأت قلوبهم أسًى شديداً ولم يفهموا لماذا قُبلت هذه الشروط الثقيلة فحتى ذلك اليوم، كان رسولُ الله ﷺ كثيراً ما يشاور أصحابه ويستمع إلى آرائهم لكن العجيب أنه لم يستشر أحداً في ذلك اليوم مع أن أحداً لم يكن موافقاً له كان يعلم أن هذا تدبيرَ الله وكان يجب ان يكون بهذه الطريقة وحان الآن وقتُ التحلل من الإحرام والرجوع إلى المدينة فأمر رسولُ الله ﷺ أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم وأن ينحروا هديهم وكان الصحابة في العادة يتسابقون إلى امتثال أمره لكن الأمر هذه المرة كان على العكس تماماً فعلى الرغم من أن النبي كرّر الأمر ثلاث مرات، لم يقم أحد ولم يدرِ رسولُ الله ﷺ ماذا يصنع فدخل على أم المؤمنين أمِّ سلمة رضي الله عنها، وأخبرها بما جرى فأشارت عليه أمُّ سلمة رضي الله عنها برأي فقالت: "يا رسول الله" "إن أردتَ أن يفعلوا أمرك فاخرج ولا تكلم أحداً" "ثم انحر هديك وادعُ حالقك فيحلق رأسك" "فإذا رأى الصحابة ذلك، فإنهم سيفعلون مثلَك" فأخذ رسولُ الله ﷺ بهذا الرأي فنحر هديه، وحلق رأسه فلما رأى الصحابة ذلك، فعلوا مثلَه وبعد قليل، هبَّت ريحٌ فحملت شعورهم المحلوقة نحو الكعبة وهنا شعر الصحابة أن الله الذي يجري الرياح بكل تدبير كان يواسيهم بذلك فعدّوا ذلك علامةً على أن عمرتهم قد قُبلت والحق أن تردد الصحابة لم يكن عن معصيةٍ بالطبع فما السبب إذن؟ لقد كانوا ينتظرون، ويرجون أن ينزل وحيٌ فيغيّر قرارَ النبي فقد رأوا من قبل كيف كان الله يعاتب أو يصوّب رسوله في القرآن فما أمسكوا إلا لأنهم ظنوا أن وحياً جديداً قد ينزل لكن ما إن تحلل النبي ﷺ من إحرامه حتى شرعوا هم أيضاً في التحلل وحان الآن وقتُ الرجوع إلى المدينة لقد خرجوا في سفرهم بفرحٍ عظيم لكنهم كانوا يعودون في حزن وقد امتلأت نفوسهم توتراً وألماً شديداً وكانوا في أمسِّ الحاجة إلى شيءٍ يرفع معنوياتهم وهنا أنزل ربُّهم البشرى التي طال انتظارهم لها ومحا عنهم كلَّ حيرةٍ ويأس وفجأة، بدأت أمارات الوحي تظهر على رسولِ الله ﷺ ونزلت سورة الفتح كاملةً دفعةً واحدة "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا" "لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ" "لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" "مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ" "فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا" "فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا" فسأل عمر: "يا رسولَ الله، أوَفَتْحٌ هو؟" فقال: "نعم، والذي نفسي بيده، إنه لفتح" فأدخلت هذه الكلمات الطمأنينةَ إلى قلوب الصحابة لكنهم لم يكونوا يدركون كيف سيتحول هذا إلى فتحٍ إلا مع الأيام ولم يكن أمامهم الآن إلا أن ينتظروا ليروا وبعد سفرٍ طويل، عادوا إلى المدينة وكان رسولُ الله ﷺ قد عقد مع أهل مكة عهداً على ألّا يقع قتالٌ عشر سنين وقد بدا صلح الحديبية في أول الأمر كأنه هزيمةٌ للإسلام لكن الحقيقة أنه كان على العكس تماماً إذ كان يمهّد لنتائج لم تخطر على بال أحد نتائج لم تكن قريش ترجوها وما هي إلا مدة يسيرة حتى ندمت قريش على هذا الصلح وأرادت أن تُسقط أحدَ شروطه فشيئاً فشيئاً، كان كلُّ شيءٍ يقع تماماً وفق تدبير الله أعداء غير متوقعين، وفتوحات غير متوقعة فأيُّ الفتحين ترون أعظم؟ الفتح بالسيف أم الفتح بالقلم؟ ومع أن الذي يكون بالسيف أشقُّ وأصعب فإن الذي يكون بالقلم أعظمُ أثراً وكان رسولُ الله ﷺ يعلم ذلك ولهذا قَبِل ذلك الصلح وكانت الحديبية من أعظم الفتوح في التاريخ التي انتُصِر فيها بالقلم وفي وقتٍ قصير، كانت البذور الحقيقية لهذا الفتح ستبدأ في النمو وكان أولها أبو بصير الذي فرَّ من مكة إلى المدينة لكنه لم يكن يدري أن هذا الفرار سيكون مخرجاً، لا له وحده بل لعشراتٍ من المسلمين أيضاً وكان أبو بصير من ثقيف وكان رجلاً شجاعاً أسلم في سنٍّ مبكرة فلما لم يعد يحتمل قسوة الحال في مكة وجد سبيلاً للفرار، وخرج إلى المدينة ليلحق بإخوانه لكن المشركين لم يكن في نيتهم أن يتركوه يذهب فبعد ثلاثة أيام، بعثت قريش رجلين ليستردّا أبا بصير فقدما إلى رسولِ الله ﷺ وقالا: "نذكّرك بالعهد الذي بيننا وبينك" ثم طلبا أن يُسلَّم إليهما وبسبب هذا العهد كان لا بد لرسولِ الله ﷺ أن يردَّ أبا بصير فقال له: "يا أبا بصير، إنك تعلم أنّا قد صالحنا قريشاً" "وأعطيناهم عهدَ الله" "وديننا لا يجيز لنا أن ننقض عهداً" "وسيجعل الله لك" "ولمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا" فقال أبو بصير: "يا رسول الله" "أَتَرُدُّني إلى المشركين" "ليفتنوني عن ديني ويعذبوني؟" تخيّلوا مقدار هذا الاضطرار لكن لم يكن هناك ما يمكن فعله فماذا قال رسولُ الله ﷺ؟ "اذهب، فإن الله سيجعل لك ولمن معك فرجاً ومخرجاً" ثم سلّمه إلى الرجلين اللذين جاءا فأخذه الرجلان ليرجعا به إلى مكة لكن أبا بصير لم يكن ينوي أبداً أن يستسلم أو يرجع إلى مكة فلما بلغوا ذا الحليفة، نزلوا ليستريحوا وكان أبو بصير يترقب باستمرار أيَّ فرصةٍ للفرار فقرر أولاً أن يستميلهم بالكلام اللين فأخذ يتحدث معهم ثم قال لأحدهما: "أرى سيفَك هذا صارماً" "نعم، هو سيفٌ صارم" ثم قال أبو بصير بكل هدوء: "أتأذن لي أن أنظر إليه؟" فقال: "نعم،تفضل" وهنا وجد أبو بصير الفرصةَ المثالية فما إن أخذ السيف حتى شدّ على الرجل فقتله فلما رأى الرجل الآخر ذلك، فرَّ راجعاً إلى المدينة بأقصى ما يستطيع فدخل على رسولِ الله ﷺ وقال: "قُتل صاحبي، وكدتُ أُقتل أنا أيضاً!" وبينما هو هناك، أقبل أبو بصير كذلك فقال: "يا رسولَ الله" "لقد وفيتَ بذمتك إذ سلّمتني إليهم" "ثم أنجاني الله منهم الآن" فقال النبي ﷺ: "ويل أُمِّه!

مِسْعر حربٍ" "لو كان له أحد" لم يكن أبو بصير يستطيع الإقامة في المدينة بسبب شروط الصلح فخرج ونزل في وادي العيص على طريق مكة إلى الشام فصار ذلك الموضع مأواه الجديد فلما بلغ ذلك الخبرَ المسلمون الذين كانوا محبوسين في مكة أخذوا يفرّون واحداً بعد واحد ويتجمعون حول أبي بصير وكان أولَ من لحق به أبو جندل أتذكرونه؟ انه ابنَ سهيل بن عمرو فبعد أن عُقد صلح الحديبية جاء إلى رسولِ الله ﷺ، لكنه أُعيد إلى المشركين والآن، كان قد وجد طريقاً للفرار مرةً ثانية فلما علم بمكان أبي بصير، ذهب وانضم إليه وفي وقتٍ قصير، بلغ عددهم سبعين ثم لما انضم إليهم آخرون من القبائل القريبة، صاروا ثلاثمائة وهكذا، اجتمع حول أبي بصير جمعٌ قوي لقد كانت قريش تسجنهم وتعذبهم في أرضها أما الآن، فإن أبا بصير وأصحابه سيذيقوا المشركين عاقبةَ افعالهم وكانت القوافل التجارية التي تبعثها قريش إلى الشام في غاية الأهمية بالنسبة إليهم وكان معسكر أبي بصير وأصحابه قائماً على ذلك الطريق بعينه فأخذوا يقطعون طريق التجارة ويغيرون على قوافل قريش لقد جنت قريش هذا البلاء على نفسها بيديها حتى بلغوا حالاً لم يعودوا معها قادرين على احتمال رجال أبي بصير فلولا أنهم اشترطوا في صلح الحديبية أن "من جاءكم منا رددتموه إلينا" لما تكوّنت مثل هذه الجماعة أصلاً وهنا بدأت تظهر الثمار الأولى لذلك الصلح الذي بدا في ظاهره كأنه كلُّه على غير مصلحة المسلمين وأما أهل المدينة، فلم يكن أحدٌ منهم يريد الرجوع إلى مكة فمنذ أن عُقد الصلح لم يقع قتالٌ بينهم وبين مكة وساد الهدوء زمناً لكن قريشاً لم تكن العدوَّ الوحيد بل كان اليهود أيضاً يشكّلون خطراً عظيماً فبعد أن أُجلوا من المدينة، اجتمعوا في خيبر وكما تذكرون، فقد كانوا هم الذين حرّضوا قبائل العرب وجمعوهم على المدينة وكان اليهود يحرّض بعضهم بعضاً على مهاجمة المدينة ويلقون الخطب لتشجيع الناس على ذلك وقد بلغ رسولَ الله ﷺ خبرُ تحركاتٍ في خيبر فأرسل بعض أصحابه يستطلعون الأمر فإذا باليهود يعدّون للحرب وكانت خيبر تصبح يوماً بعد يوم خطراً يوشك أن يتعذر دفعه ولذلك كان لا بد من إنهاء هذا التهديد نهائياً ولو كانت قريش لا تزال تمثل خطراً مباشراً على المسلمين لكان التعامل مع هذا الوضع أشدَّ صعوبة وهكذا، بحكمته البالغة، أرى اللهُ رسولَه تلك الرؤيا ووجّهه إلى العمرة ثم كانت العاقبة أن عُقد صلح الحديبية فانخفض عدد الأعداء من اثنين إلى واحد وأصبح المسلمون قادرين على المسير إلى خيبر فقرر رسولُ الله ﷺ أن يخرج وأمر أصحابه أن يستعدوا على الفور فاجتمع جيش المسلمين سريعاً وبلغ عددهم ألفاً وستمائة، فيهم مائتا فارس وهؤلاء هم الذين خرجوا من المدينة مع النبي ﷺ ثم لحق بهم بعد ذلك أربعمائةٌ من قبيلة دوس وكان فيهم أبو هريرة رضي الله عنه وكان ذلك في السنة السابعة من الهجرة وكان لواءُ جيش المسلمين مع عليٍّ رضي الله عنه وكان عمرُ رضي الله عنه على ميمنة الجيش ثم بلغوا موضعاً يُقال له الرجيع، فنزلوا به وكان هذا موضعاً استراتيجياً بين خيبر وديار غطفان وكان لاختيار رسولِ الله ﷺ لذلك المكان سبب فقد كان يهود خيبر قد طلبوا من غطفان المساعدة، فوافقوا ووعدوهم أنهم إذا دعت الحاجة جاؤوا فقاتلوا المسلمين من داخل حصون خيبر وكان النبي ﷺ قد علم بذلك ولمنع هذه المعونة، عرض على غطفان أمراً إن امتنعوا عن نصرة اليهود كان لهم تمر خيبر سنةً كاملة بعد الفتح لكنهم رفضوا فلما أنزل رسولُ الله ﷺ جيشه هناك، حال بذلك بين اليهود وبين ما قد يأتيهم من مددٍ من غطفان ثم تقدّم رسولُ الله ﷺ بجيشه من الرجيع نحو خيبر فلما وصل، كان الليل قد أقبل ولم يكن من هديه ﷺ أن يغير ليلاً فانتظر حتى الصباح فلما أصبح الصبح، خرج اليهود من حصونهم إلى مزارعهم وهم لا يشعرون بشيء فلما رأوا جيش المسلمين أمامهم مباشرةً دُهشوا دهشةً عظيمة وصاحوا: "محمدٌ والخميس!" ثم فرّوا مذعورين إلى حصونهم يحتمون بها وما كان أكثرهم يظنّ أصلاً أن النبي ﷺ سيحاصرهم فحصونهم كانت منيعة ورجالهم كثيرون، وسلاحهم وفير وكانوا يظنون أن رسولَ الله ﷺ لن يجرؤ على حصار مكانٍ بهذه القوة والتحصين لكن الأمور لم تجرِ كما تخيّلوا أبداً فعرض عليهم رسولُ الله ﷺ أولاً الإسلام فإن أبوا، فعليهم أن يدفعوا الجزية للمسلمين وأعلن لهم أنه إن لم يقع الصلح بإحدى هاتين الطريقتين فليس إلا الحرب فعاد يهود خيبر إلى داخل حصونهم يتشاورون ولكنهم بعد وقتٍ قصير أخذوا يرمون المسلمين بالسهام فقد رفضوا العرض واجتمع جميعُ المقاتلين من اليهود في حصن النطاة، وهو أقوى حصونهم ونقلوا أموالهم ونساءهم وذرياتهم إلى حصونٍ أخرى وكان جيشٌ من اليهود قوامه عشرة آلاف يمطر بسهامه جيش المسلمين وجُرح في ذلك اليوم نحو خمسين من المجاهدين وكان النبي ﷺ والمجاهدون يصعدون كلَّ صباح إلى المرتفع القريب من حصن النطاة فيقاتلون اليهود حتى المساء ثم يعودون في المساء إلى الرجيع وفي أثناء ذلك، أصيب رسولُ الله ﷺ بصداعٍ شديد وبسبب ذلك، لم يستطع أن يقود الجيش يومين فدفع الراية أولاً إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه وأرسله لقتال اليهود لكن الفتح لم يقع وفي اليوم التالي، أعطاها لعمرَ رضي الله عنه لكن النصر لم يُكتب على يديه أيضاً فزاد ذلك اليهود جرأةً ففتحوا أبوابهم، وخرجوا يقاتلون وجهاً لوجه واستمر القتال على هذا النحو حتى المساء ومهما بذل المسلمون من جهد لم يستطيعوا أن يحققوا نتيجةً حاسمة وفي يومٍ من أيام الحصار، قال رسولُ الله ﷺ: "لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحب اللهَ ورسولَه" "ويحبه اللهُ ورسولُه" "يفتح الله على يديه" فانتشرت بين الصحابة موجةٌ من الترقب وصار كلُّ واحدٍ منهم يتساءل: "مَن سينال هذا الشرف؟" فمن ذا الذي لا يتمنى هذا الثناء العظيم؟ وبات عشراتُ الصحابة تلك الليلة وهم يرجون ذلك وكان عمرُ رضي الله عنه يقول بعد ذلك: "ما أحببتُ الإمارةَ إلا يومئذ" فلما صلّى الناس الفجر أمر رسولُ الله ﷺ أن تُؤتى له بالراية وتعلّقت الأبصار بالراية التي في يده وترقّب الجميع فقال رسولُ الله ﷺ: "أين عليّ؟" وهنا بان من سيكون الفاتح غير أن عليّاً كان يومئذٍ أرمدَ العين حتى إنه لم يكن يستطيع أن يفتح عينيه فقال الصحابة: "يا رسولَ الله، يشتكي عينيه" ومع ذلك، قال رسولُ الله ﷺ: "ادعوه، فليأتِ" فلما بلغ عليّاً الخبر جاء إلى النبي ﷺ بمعاونة بعض الصحابة فلما دعا له رسولُ الله ﷺ، برئت عيناه في الحال فما اشتكى عليٌّ من عينيه بعد ذلك أبداً ودعا له رسولُ الله ﷺ أيضاً فقال: "اللهم اكفِه الحرَّ والبرد" فكان عليٌّ رضي الله عنه يقول بعد ذلك: "فما وجدتُ بعد ذلك حرّاً ولا برداً" وكان يُرى كثيراً لابساً ثياب الشتاء في الصيف وثياب الصيف في الشتاء ثم دفع رسولُ الله ﷺ الراية إلى عليٍّ وألبسه درعاً ثم أمره فقال: "قاتِلْ حتى يفتح الله عليك" "ولا تلتفت" فأخذ عليٌّ الراية وتقدّم ثم بعد أن سار قليلاً، سأل النبي ﷺ: "يا رسولَ الله، على ماذا أقاتلهم؟" فكان الجواب واضحاً: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" "وأن محمداً رسولُ الله" "وانفذ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم" "ثم ادعهم إلى الإسلام" "فإن أجابوك، فأخبرهم بما عليهم" "فوالله، لأن يهدي الله بك رجلاً" "خيرٌ لك من حُمر النعم" أي: خيرٌ لك من أنفس الأموال وأغلاها وقد دلّت هذه الكلمات أيضاً على الغاية الحقيقية للفتوحات الإسلامية فلم يكن المقصد إلا تبليغ رسالة الإسلام وإنقاذ الناس في الآخرة ثم بدأ عليٌّ يتقدّم في بسالة أمام المجاهدين فلما بلغ أسوار حصن النطاة، غرز الراية في الأرض ثم حدّثهم عن الإسلام، ودعاهم إلى أن يُسلموا "يا أهلَ الكتاب!" "ادخلوا الإسلام تسلموا" لكن اليهود لم يقبلوا بل خرجوا من حصونهم للقتال وفي تلك اللحظة، ارتفع نداءٌ عظيم "قد علمتْ خيبرُ أني مرحبُ شاكي السلاحِ بطلٌ مجرَّبُ!" فالتفت الجميع إلى مصدر الصوت فإذا هم يرون رجلاً مهيباً ، عليه درعان، وفي يده سيفان وكان ذلك مرحب، الذي كان يُعرف بأنه أشجع يهود خيبر وقد بلغه أن أخاه قد قُتل فخرج من الحصن مع رجاله وكان يريد أن يُلقي الرعب في قلوب المسلمين، ويطلب المبارزة ثم ارتفع صوتٌ آخر "أنا الذي سمّتني أمي حيدره!" "كليثِ غاباتٍ كريهِ المنظره!" "أوفيهم بالصاعِ" "كيلَ السندره!" وكان هذا عليّاً رضي الله عنه حاملَ لواء جيش المسلمين فتواجه الرجلان وكان عليٌّ يقاتل بسيف رسولِ الله ﷺ ثم لم يلبث أن ضربه ضربةً شديدةً عظيمة فشقّت ترسَ مرحب، وخوذتَه المضاعفة ثم نفذت الضربة بعد ذلك حتى قتلته في الحال فلما رأى اليهود مصرعَ أشجع فرسانهم على هذا الوجه المروّع امتلأت قلوبهم رعباً وهنا تحديداً سيتغيّر مجرى الأحداث فلما رأى رسولُ الله ﷺ هذا المشهد بشّر المجاهدين "أبشروا، فقد سهل الآن فتحُ خيبر" اندفع المسلمون على عدوهم بشجاعةٍ عظيمة وقاتل الصحابة حتى بلغوا أبواب الحصن وفي تلك اللحظة، ضرب أحدُ جنود اليهود ترسَ عليٍّ بسيفه فأسقطه من يده فنظر عليٌّ حوله، فرأى باب الحصن ويقول من شهد ذلك اليوم إن عليّاً اقتلع الباب العظيم وجعله ترساً يتّقي به فلما رأى اليهود رجالهم يتساقطون واحداً تلو الآخر أخذوا يفرّون مذعورين، لا يلوون على شيء وهكذا تحققت كلماتُ رسولِ الله ﷺ فقد فتح الله للمسلمين على يد عليٍّ رضي الله عنه والأعجب من ذلك أن هذا الرعب، حين استولى على جيش اليهود الذي كان قوامه عشرة آلاف لم يكونوا قد فقدوا بعدُ حتى مائة رجل فبينما كان الصحابة يتشوقون إلى الشهادة كان اليهود يحاولون الفرار من الموت هلعاً وهذا بسبب تعلقهم الشديد بالدنيا وقد خاطبهم الله في القرآن على لسان رسوله فقال: "قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً" "مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" "وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ" "وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ" "وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا" "يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ" "وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ" "وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" وأثناء مطاردة الجنود الفارّين دخل عليٌّ والمجاهدون حصنَ النطاة لكنهم لم يجدوا فيه أحداً إلا الأطفال فلم يمسوهم بسوء أما الجنود من اليهود، فقد كانوا قد تركوا حصن النطاة ثم اتجه المجاهدون بعد ذلك إلى حصن ناعم، ففتحوه أيضاً ثم استسلم بعده حصنُ الصعب بن معاذ كذلك فلما رأى اليهود حصونهم تتساقط واحداً بعد واحد في أثناء ذلك الحصار الطويل لم يبقَ لهم إلا أن يطلبوا الصلح والحق يقال أنه كان قد فات أوانُ مثل هذا الطلب ومع ذلك، قبله رسولُ الله ﷺ فحُقنت دماؤهم وأُذن لهم أن يخرجوا من خيبر مع أهليهم وكان لكلِّ عائلة ان تحمل من متاعها ما يسع حِملَ بعيرٍ واحد وبينما كانوا يتهيّأون للخروج جاؤوا إلى رسولِ الله ﷺ بعرض "يا أبا القاسم!" "إن قومك ليسوا بأهلِ هذه الأرض" "ونحن أعلمُ بها" "فلنبقى علي ان يكون لكم نصف ثمرها" ولم يكن في وسع رسولِ الله ﷺ والصحابة أن يقيموا في خيبر كما أن القيام على تلك الأرض لم يكن ممكناً لهم ولهذا قبل النبي ﷺ عرضهم وأذن لليهود أن يبقوا في خيبر على أن يكون نصفُ الثمر للمسلمين كلَّ عام غير أن النبي ﷺ كان يملك أن ينهي هذا الاتفاق متى شاء إذ لم يكن يُدرى ما الذي قد يصدر عنهم في المستقبل وكان هذا الشرطُ وُضع لئلا يجرؤوا على الغدر أو الفساد وكان رسولُ الله ﷺ يبعث كلَّ سنةٍ عبد الله بن رواحة عند أوان الحصاد فكان يقسم الثمر نصفين ثم يقول: "خذوا أيَّ النصفين شئتم" فلما رأوا هذا العدل، قال اليهود: "بهذا قامت السماواتُ والأرض" ومع ذلك، لم يثبتوا على هذا العهد إلا نحو اثنتي عشرة سنة ففي خلافة عمرَ رضي الله عنه أفسدوا ونقضوا العهد فأُجلوا بعد ذلك من خيبر وفُتحت خيبر، وتمّ الصلح وبعدها ذهب رسولُ الله ﷺ ليستريح مع أصحابه غير أن امرأةً من اليهود تُدعى زينب دبّرت مكيدةً خبيثة فقد أرادت أن تحاول تسميم رسولِ الله ﷺ فشوت شاةً، وجعلت في جميع أجزائها سُمّاً شديداً ثم جاءت بها إليهم فجلس الصحابة جميعاً يأكلون وأخذ رسولُ الله ﷺ قطعةً من ذراع الشاة وقال: "بسم الله " ثم وضعها في فمه فما إن ذاقها حتى لفظها من فوره، وقال: "ارفعوا أيديكم!

فإن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة!" فسحب الصحابة أيديهم من الطعام سريعاً لكن واحداً منهم كان قد ابتلع لقمةً من اللحم فتغيّر لون بشر بن البراء، ثم استُشهد فأُمسكت المرأة التي فعلت ذلك وجيء بها إلى النبي ﷺ فسألها رسولُ الله ﷺ: لِمَ فعلتِ ذلك؟ فقالت: "قلتُ في نفسي" "إن كان نبيّاً حقّاً، فسيُطلعه الله" "وإن لم يكن نبيّاً، قتله هذا السمّ" "فاسترحنا منه" وكان رسولُ الله ﷺ يعفو دائماً عمّن أساء إليه في حقّه الشخصي ففي إحدى الروايات أنه عفا عنها وفي روايةٍ أخرى أنها قُتلت وقد بيّن العلماء ما جرى بهذا الوجه: أن رسولَ الله ﷺ عفا عنها فيما تعلّق بما صنعت به هو لكن لما كان بشرٌ قد استُشهد بسبب ذلك ترك الأمر إلى أوليائه فاختاروا أن يستوفوا حقَّهم في القصاص فأُقيم عليها القتل وبينما كان النبي ﷺ لا يزال في خيبر وقع أمرٌ أدخل السرور العظيم على قلبه فقد قدم المسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب ولعلك تذكرون أن رسولَ الله ﷺ كان قد طلب من النجاشي أن يردّهم إليه فَرِحَ رسولُ الله ﷺ بذلك فرحاً شديداً، حتى قال: "لا أدري بأيِّهما أنا أشدُّ فرحاً" "بفتحِ خيبر، أم بقدومِ جعفر؟" وبفتح خيبر امتلأت المدينةُ خيراً وبركةً أما في مكة، فكان الأمر على النقيض تماماً فقد وقع فيها قحطٌ شديد، وكان أهلها يوماً بعد يومٍ يزدادون فقراً على فقرهم وهؤلاء هم القوم الذين عذّبوا الصحابة لسنين طويلة وأخرجوهم من ديارهم وأبلغوهم من الجوع مبلغاً والآن، صاروا هم في هذه الحال من الضيق وقد قال تعالى في القرآن عن رسوله: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" وكان قلبُ رسولِ الله ﷺ ممتلئاً رحمةً إلى حدٍّ أنه لم يطق ما نزل بقريش، فأرسل إلى مكة طعاماً كثيراً ومؤوناتٍ وافرة فرحم حتى أعداءه ومع أن بعض المشركين لم يرضَ بقبول هذه المعونة فإن أبا سفيان أخذ تلك المؤن ووزّعها على الفقراء وقال: "هذا بعث ابنُ أخي" "جزاه الله خيراً" وكان من جملة ما أُهدي إليهم تمرُ المدينة لأبي سفيان وقد غرست معونةُ النبي ﷺ لذوي قرابته بذورَ الإيمان في قلوبهم ومع الأيام، ستنبت تلك البذور وتترسخ مضى عامٌ كامل على صلح الحديبية وجاء أخيراً ذلك اليوم الذي طال انتظاره لقد حان وقتُ عمرة القضاء ولعلكم تذكرون أن الصحابة قد رُدّوا من قبل من غير أن يدخلوا مكة ومن غير أن تقع أعينهم على الكعبة فالعمرة التي لم يستطيعوا أداءها يومئذٍ، سيؤدونها الآن فبعد سبع سنواتٍ طويلة سيلتقون أخيراً بوطنهم، ويطوفون بالكعبة فأمر رسولُ الله ﷺ أصحابَه أن يستعدوا للعمرة فلما تمّ الاستعداد، خرج رسولُ الله ﷺ إلى مكة ومعه ألفان من الصحابة وسبعون بدنةً للهدي فلما بلغ رسولُ الله ﷺ ذا الحليفة على بُعد نحو عشرة كيلومترات من المدينة أحرم، ثم أحرم الصحابة من بعده وأصبح الجميع يلبسون البياض ثم ارتفعت أصواتهم جميعاً بالتلبية بصوتٍ واحد "لبّيك اللهم لبّيك" "لبّيك لا" "شريك لك لبّيك" وكان سادةُ قريش قد خرجوا من مكة وصعدوا إلى الجبال لكيلا يروا فرح النبي ﷺ وأصحابه فقد كانوا لا يطيقون أن يروا الكعبةَ مركزاً للإسلام ودخل رسولُ الله ﷺ مكة على ناقته القصواء والصحابة من خلفه وكان بعضُ رجال المشركين، ومعهم النساء والصبيان ينظرون إليهم من دار الندوة فلما دخل رسولُ الله ﷺ المسجد الحرام كشف عن كتفه الأيمن ثم قال لأصحابه: "رحم الله امرأً" "أراهم اليوم من نفسه قوةً" وكان المشركون ينظرون إلى الصحابة من ورائهم وقد أدهشتهم هيئتهم القوية وذلك لأن شائعاتٍ كانت قد انتشرت بأن المسلمين قد وهنت قواهم وأصابتهم حُمّى المدينة بعد هجرتهم إليها وهكذا جاء جوابُ رسولِ الله ﷺ وقد أُدّيت مناسك العمرة كلها ثم حلق رسولُ الله ﷺ رأسه، وتحلّل من إحرامه وفعل الصحابة مثل ذلك وهكذا تحققت الرؤيا التي رآها النبي ﷺ قبل عامٍ كامل كما هي وقد نُصبت لرسولِ الله ﷺ في هذه العمرة خيمة وأقام الصحابة حوله في الخيام ثلاثة أيام وكانوا عند أوقات الصلاة يجتمعون عند الكعبة ويُصلّون جماعةً وفي أثناء ذلك، كانوا يزورون أقاربهم ويحدثونهم عن الإسلام بأقوالهم وأفعالهم وكانوا يقدّمون للناس جميعاً مثالاً يُحتذى في السلوك والمعاملة وفي هذه الأيام الثلاثة كانوا يحاولون فتح مكة من داخلها وقد بدأت الكراهية والغضب والأحكام المسبقة التي كانت في قلوب كثيرٍ من قريش تجاه أصدقائهم القدامى تتلاشى شيئاً فشيئاً فقد وُضعت السيوفُ المادية في أغمادها وخرج سيفُ القرآن المعنوي ومنذ بدأ الصلح كان ذلك السيف هو الذي ينهض بأمر الجهاد وبدا أنه يؤتي ثماره فقد عادت قريش مرةً أخرى تراجع كلَّ ما كانت تؤمن به وتراجع عنادها تجاه الإسلام ومضت ثلاثةُ أيامٍ لا تُنسى ثم جاء وقت الرحيل فبأمر رسولِ الله ﷺ تهيّأ الجميع للعودة وجمعوا متاعهم، وانطلقوا نحو المدينة ومن العسير أن يتصوّر المرء مقدار ألم ذلك الفراق ولم يكونوا هم وحدهم الذين تجرّعوا مرارة الفراق فقد مضت سنةٌ أو سنتان منذ نزل أبو بصير في وادي العيص وفي هذه المدة، كان الأذى الذي ألحقته جماعتُه بأهل مكة قد أنهك المشركين حقّاً فأدركوا أنهم لن يستطيعوا إيقاف المسلمين بهذه الطريقة ثم إن أحداً من أهل المدينة لم يأتِ إلى مكة قائلاً: "لقد تركتُ الإسلام" فلم يجنوا من هذا الشرط شيئاً لقد كانوا يومئذٍ واثقين من أنفسهم أشدَّ الثقة ولكن تدبير الله كان فوق كل خططهم ولم تعد قريش تدري ماذا تصنع فأرسلوا رسولاً بكتابٍ إلى رسولِ الله ﷺ وكان فيه: "نُنشدك اللهَ والرَّحِم" "أن تُرسل إلى أبي بصير وأصحابه" "أن من أتاك منَّا إلى المدينة من الآن فصاعداً" "فهو آمنٌ مطمئن، ولن يُرَدَّ" فقبل رسولُ الله ﷺ هذا الطلب وأرسل كتاباً إلى أبي بصير يدعوه فيه هو وإخوانه إلى المدينة لكن أبا بصير كان يومئذٍ مريضاً مرضاً شديداً فلما وصل إليه كتابُ النبي ﷺ كان في سكرات الموت ففاضت عيناه بالدموع وأخذ الكتاب بيديه الضعيفتين وجعل يمسح به وجهه وعينيه وقد امتلأ شوقاً إلى لقاء رسولِ الله ﷺ لكنه مات قبل أن يُتمّ قراءة الكتاب فكان موعدُ لقائه برسولِ الله ﷺ في الجنة لقد خرج من مكة فراراً بدينه ثم أدّى ما عليه في هذه الدنيا وانطلق إلى داره الحقيقية: الآخرة فصلّى عليه أبو جندل وسائر المسلمين، ودفنوه ثم بنوا هناك مسجداً حتى لا يُنسى قبره ثم ذهب أبو جندل وأصحابه إلى المدينة، إلى رسول الله ﷺ فماذا قالت الآية عن صلح الحديبية؟ "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً" وكان كذلك حقّاً غير أن هذا لم يكن إلا البداية فقد كانت قريش ستفقد رجالها واحداً بعد واحد وسيدخل في صفوف الإسلام أقواهم ومن لم يكن أحدٌ يتوقّع إسلامه وكانت الحديبية مفتاحَ فتحٍ عظيم وستصبح تلك الأسماء مفاتيحَ لفتوحاتٍ كثيرةٍ قادمة وأخيراً، كان ذلك اليوم المبارك يقترب فهل أنتم مستعدون لتشاهدوا واحدٍ من أعظم انتصارات الإسلام؟ فتح مكة، بما فيه من مشاهد مؤثرة كثيرة، تنتظرنا في الحلقة القادمة فترقّبوا "الله أكبر"
