# أصعب أيام الإسلام - تصوير الذكاء الاصطناعي - يا رسول الله | الحلقة 2

- Language: ar
- Published: 2026-08-26
- Canonical: https://blog.towardseternity.com/ar/blog/the-hardest-days-of-islam-ai-visualized-o-messenger-ep-2
- Source video: https://www.youtube.com/watch?v=Qnzam5KcopM
- Channel: Towards Eternity

This is the cleaned transcript of the source video. The speech is unaltered.

---

كان خَبّاب حدّاداً ماهراً في ذلك اليوم، كان في مِشغَلِه كعادته لكن ليس ليصنع شيئاً كانت يداه وقدماه موثوقتين بإحكام ولا سبيل للفرار كان مغطّى بالعرق ويُسخَر منه ويُهان مراراً وتكراراً "لقد تركتَ ديننا واخترتَ أن تتبع محمد!" وفي نفس الموقد الذي عمل فيه لسنوات طويلة كانت قطعة من الحديد تُسخَّن الآن وكان سبب إظهارها له واضحاً ومع ازدياد حرارتها شيئاً فشيئاً كانت تلك اللحظة المرعبة تقترب ثم أُخرجت قطعة الحديد المتوهّجة من النار وقُرِّبت من خَبّاب كانوا ينوون ضغط ذلك المعدن المحترق على جلده لتعذيبه ومُنِح فرصة أخيرة لم يكن عليه سوى أن يقول جملة واحدة جمله واحدة فقط كانت كفيلة بإنقاذه من العذاب أن يصف رسولَ الله ﷺ بالكذب، معاذَ الله لم يكن هذا المشهد الوحشي يحدث إلا لأنه قال: "ربي الله" "الله واحد" "لا إله إلا هو" لكن نور الإيمان كان قد ملأ كيانه كله بعمق حتى تغلّب على خوفه من الاحتراق ثبت في مكانه وردّ كل تهديداتهم في وجوههم أما أولئك الطغاة القساة، الذين تحجّرت قلوبهم وأظلمت ضمائرهم تماماً استشاطوا غضباً وبدؤوا يضغطون الحديد المحمّى على رأس خَبّاب هذه السلسلة المرئية تستند إلى مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثقة جميع الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي أعدت بالتشاور مع علماء مسلمين مؤهَّلين وبما يوافق الضوابط الإسلامية كان المشهد مرعباً تعذيباً مؤلماً لا يودّ أحد حتى ان يتخيله ودوّى صراخٌ يمزّق القلوب في الأجواء وبعد فترة من الزمن، أُغشي على خَبّاب من شدّة الألم من جهة، كان هناك رجل ثابت يمتلئ بالشجاعة بفضل إيمانه ومن جهة أخرى، عابدُ أوثانٍ قاسٍ بلا رحمة غارق في كفره لم يكن هدفهم قتل خَبّاب بل إجباره على الارتداد عن دينه وبعد سنوات، كان خَبّاب يرفع ثوبه ويكشف عن ظهره تذكاراً لتلك الأيام وكل ندبة بمثابة ختمٍ على إيمانه يحمل علامات ما تحمّله من الآلام وكان خَبّاب يصف ما مرّ به بهذه الكلمات: "في يوم ما، أمسك بي عبدةُ الأوثان" "تحرّك!" "فأوقدوا ناراً وأجبروني على الاستلقاء على ظهري فيها" "ثم وضع أحدهم قدمه على صدري" "ولم يتركني أرحل حتى خمدت النار" تخيّل ذلك تخيل ما الذي جال في خاطره وهو يسترجع تلك اللحظات لم تكن قريش راضية عن هذا الدين الجديد إطلاقاً لأنه، بحسب هذا الدين، كان خَبّاب الذي كان عبداً آنذاك أفضلَ وأكرم من سيّده الذي كان يعذّبه لأنه أدرك المعنى الحقيقي للحياة كان هذا الدين يُغيّر جميع المفاهيم كيف يمكن أن يكون ذلك ممكناً؟ كيف يمكن للأسود والأبيض، والغني والفقير والشريف والوضيع، والعبد والحرّ أن يُنظر إليهم على أنهم متساوون؟ كيف يُتصوَّر أن يُنادى كل هؤلاء إخوةً؟ هل يمكن لشاب مثل عليّ ورجل ناضج مثل النبي محمد ﷺ ورجل شريف مثل أبي بكر وعبد مثل خَبّاب أن يجلسوا معاً ويتحدّثوا في مجلس واحد؟ إعطاءُ البنات قيمة ومنحُهنّ حقّ الكلام والتعبير عن آرائهنّ والقول بأن الجنّة تحت أقدام الأمهات كانت هذه أفكاراً غريبة تماماً على ذلك المجتمع من أين جاء هذا الدين؟ لقد كان يهدم النظام القائم بأكمله ويقدّم نظاماً جديداً قائماً على العدل والرحمة ولقريش، كان هذا أمراً لا يمكن قبوله أبداً ورغم إيمانهم بالله إلا أنهم ظنوا أنه حتى الله لا يمكنه التدخّل في أنظمتهم لكنهم لم يُخلقوا في هذه الدنيا ليعيشوا و يموتوا فقط وبقوانينهم التي صنعوها بأيديهم كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون ظلم من يشاؤون ولكن كيف لا يُنزِل الله شريعته؟ هل كانوا يظنّون حقاً أنه لن يُنزِل نظاماً يوقف الظلم؟ وبينما كان الناس يقولون ما يشاؤون في الدنيا هل كانوا يعتقدون أن الله سيتركهم هكذا؟ كانت هذه هي العقلية التي حملها الصحابة ومهما بلغ الظلم من قسوة، لم يتراجعوا عن إيمانهم أبداً لم يكن الإيمان بالإسلام قراراً سهلاً لقد تطلّب شجاعة حقيقية ولم يكن خَبّاب بن الأرتّ وحده فقد كان الكثير من الصحابة الآخرين يمرّون بصعوبات لا تُحصى كان بعضهم يُعذَّب تحت شمس الصحراء الحارقة بطرق لا يمكن تصوّرها وكان بعضهم يُحبس في بيته على يد أبيه نفسه ويُتركون جياعاً وكان بعضهم يتعرّضون لضغوط من أمهاتهم حيث يقلن أشياء مثل: "إن لم تترك دينك، فسأمتنع عن الطعام حتى أموت" وكان بعضهم يُقيَّد ويُعذَّب على أيدي أقاربه وكان بعضهم يُمدَّد على الرمال المحترقة، دون طعام ثم تُوضَع فوقه صخورٌ ثقيلة شديدة السخونة وكان بعضهم يُعذَّب حتى لا يعود قادراً على الكلام وحتى يفقد وعيه وبعضهم فَقَدَ بصره من شدّة ما تحمّله من آلام لم يكن هناك شيء لا يفعلونه ليجبروهم على أن يقولوا: "محمد كاذب"، معاذَ الله ومع ذلك كله، لم يتناقص عددهم بل على العكس، كانوا يزدادون يوماً بعد يوم وأمام هذا الثبات العظيم كان الناس يسألون أنفسهم: " أيمكن لعقيدة تجعل أصحابها بهذه الصلابة" "وبهذه القوة، والإقدام، أن تكون باطلة؟" ولم يكن الأمر مقتصراً على أفرادٍ قلائل فسرعان ما قدّم آلافُ الصحابة أمثلة لا تُحصى من التضحية كيف يمكن لهم أن يُظهروا هذا القدر من التفاني؟ نحن نتحدّث عن دينٍ أثّر في أرواحهم تأثيراً عميقاً فهل يمكن أن يكون مجرّد خيال رجل واحد؟ مجرد قصة ألفها؟ هل يمكن لعقيدة لا تقوم بالكامل على الحق أن تمنح الناس كل هذه القوة؟ لكن قريش لم تكن تدرك شيئاً من ذلك بعد وهكذا، بدأت الأيام العصيبة في الأيام الأولى من الإسلام لم يُعلِن النبي ﷺ الدين جهراً لكن الرسالة الإلهية كانت تنتشر بهدوء من أذنٍ إلى أذن كان بعض الناس يحاولون فهمها وبعضهم لم يكن يدري عمّا يجري أصلاً وكان آخرون يرونها كارثةً وتهديداً خطيراً في البداية، تصرّف زعماء قريش وكأنهم لا يهتمّون بالأمر لكن عندما رأوا أن أعداد المسلمين تتزايد بدؤوا بالسخرية من النبي ﷺ وحاولوا تشويه سمعته باتهاماتٍ كاذبة لم يكونوا هم أنفسهم يصدّقونها فالرجل نفسه الذي كانوا يلقّبونه بالأمين صاروا اليوم يصفونه علناً بالكاذب، والكاهن والساحر، معاذَ الله وعادةً، تكون هذه الطريقة فعالة لتحطيم صورة أي إنسان لكن الحقيقة في هذه المرّة كانت واضحة فلم يبقَ أمامهم سوى تعذيب المسلمين وكان هناك أمر واحد لم يدركوه وهو أن الإسلام كان كالشمس ولا قريش، ولا غيرها، يستطيع أن يطفئ نوره يوماً بعد يوم، كان المزيد من قومهم يتركون الظلمات ويتجمّعون حول النور ولحماية المؤمنين الأوائل من الخطر خلال السنوات الثلاث الأولى كانت الدعوة في الإسلام سرّاً، خلف الأبواب المغلقة لكن حتى في السرّ، كانت هناك حاجة إلى مكانٍ تُعلَّم فيه آياتُ الله ويجتمع فيه المسلمون فمن دون هذا المكان كيف يمكن للمؤمنين الجدد أن يتعلّموا دينهم؟ كانوا بحاجة إلى مدرسة، إلى دارٍ يتعلّمون فيها عقيدتهم لكن أين يمكن أن تكون؟ لم يكن من الممكن أن تكون في بيت أبي بكر لأن الجميع كانوا يعرفونه وكان أيُّ شخصٍ يزوره يُلاحَظ فوراً ولم يكن بيت الزبير أو طلحة مناسباً وبالتأكيد ليس بيت عثمان فهذه كلها أسماء معروفة وكان الذهاب إلى بيوتهم قد يعرّض المسلمين لخطرٍ شديد فكان الأمر محفوفاً بالمخاطر فكّر رسول الله ﷺ في خياراتٍ أخرى لكن كل طريقٍ خطر له كان مسدوداً كان الوضع محبطاً للغاية وكان الصحابة يتوقون إلى تعلّم دينهم أكثر كانوا عطاشى لعلم الإيمان، لكن أيديهم كانت مكبّلة ولم يستطيعوا الوصول إلى حلّ وعندما بدا كأن كل أملٍ قد ضاع يُخرج الله موسى من داخل قصر فرعون نفسه فمن كان فرعون هذه الأمة؟ كما قال رسول الله ﷺ، كان أبو جهل ومن داخل أسرته نفسها، أقام الله بطلاً وكان الحلّ على يد هذا الشاب، الذي لم يتجاوز السابعة عشرة الأرقم بن أبي الأرقم كان من المسلمين، وقد تزوّج حديثاً وكان يملك بيتاً من أجمل بيوت مكة كلّها بقاعةٍ فسيحة، وحديقةٍ هادئة، ومساحةٍ واسعة كان بيتاً جميلاً بحق وكان يقع على جبل الصفا، ما جعله بعيداً عن الأنظار ومِن ثَمّ آمناً كان يملك كل ما كان رسول الله ﷺ يبحث عنه كان هذا المكان هو المدرسة التي ظلّ يبحث عنها طويلاً لكن هل سيوافق الأرقم؟ كانت مخاطرةً كبيرة في تلك الأيام، كان أي شخص يفتح بيته لأمرٍ كهذا يصبح هدفاً مباشراً لكل أهل مكة وخاصةً إن كان أحد أقاربه هو أبو جهل فبالنسبة لعبدة الأوثان كان أقرب الناس إليهم دائماً أسهل أهداف التعذيب ومع ما كانوا يفعلونه بالمسلمين خارجاً لم يكن هذا قراراً سهلاً أبداً ومع ذلك، وافق الأرقم عليه والآن، فكّر في الأمر شاب حديث الزواج كان يمكنه أن يقول: "دعني أعيش حياةً هادئة مع زوجتي" لكنه لم يفعل بل تحمّل المخاطرة دون تردّد ومن أجل دينه، فتح بيته ومنذ ذلك اليوم، لم يعد بيتاً عادياً بل أصبح مدرسة المدرسة التي ستُعرَف في التاريخ باسم دار الأرقم في هذا المكان، ستُعرَف حقائق كثيرة وستُتَّخذ قرارات مصيرية فلو قُدِّر ليَثرب أن تصبح المدينة يوماً ما ولو قُدِّر للإسلام أن يصل إلى كل بقاع الأرض فإن أسسه وُضعت في ذلك المكان كل صفةٍ كان النبي ﷺ وصحابته يبحثون عنها كانت موجودة هنا ومن جهةٍ أخرى لم يكن أحدٌ ليتوقّع من شخصٍ من أسرة أبي جهل نفسها أن يقوم بعملٍ كهذا وخاصةً انه في السابعة عشرة وعندما نفكّر في الصحابة، غالباً ما نتخيّل رجالاً كباراً في السن، لكن في الحقيقة، كان كثير من كبار الصحابة شباباً، مثل الأرقم عندما أسلم عليّ رضي الله عنه كان عمره عشر سنوات فقط وكان عبد الله بن عمر في الثالثة عشرة و زيد بن حارثة في الخامسة عشرة و عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام في السادسة عشرة وكان طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف والأرقم بن أبي الأرقم، وسعد بن أبي وقاص في السابعة عشرة وكان مصعب بن عمير ما بين الثامنة عشرة والعشرين و جعفر بن أبي طالب في الثانية والعشرين لم يكونوا شيوخاً كباراً أبداً ولمدة ثلاث سنوات، ظلّ الصحابة يجتمعون في دار الأرقم دون أن تشعر بهم قريش وخلال تلك الفترة، ملؤوا قلوبهم بحقائق الإيمان لكن، هل ستبقى الدعوة إلى الإسلام، سرّاً دائماً؟ بالطبع لا فبحلول ذلك كان الخبر قد انتشر بين قريش إلى حدٍّ ما ولم يعد هناك سببٌ لإخفائه كان لا بدّ أن تُعلَن هذه الحقيقة للجميع و حان وقت الانتقال من الدعوة السرّية إلى الدعوة الجهرية لكن من أين سيبدأ النبي ﷺ؟ وكيف؟ ثم نزل الأمر الإلهي: "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" زاد هذا الوحي الحمل ثِقَلاً على قلبه لم تكن هذه مهمةً سهلة يمكنك أن تتحدّث مع الغرباء في أمورٍ كثيرة لكن إقناع أقرب الناس إليك، فهذا من أصعب الأمور شعر النبي ﷺ بثقل هذه المسؤولية حتى أنه لم يخرج من بيته أياماً وضع رسول الله ﷺ خطّته وحان وقت جمع أقاربه على طعام أُعِدّ الطعام وجاء بنو عبد المطلب إلى البيت كما دُعوا واجتمع قرابة أربعين رجلاً، وكان فيهم أبو لهب ثم جلسوا للطعام فقطع رسول الله ﷺ اللحم وقال: "كُلوا، بسم الله" لكنه لم يمدّ يده إلى الطعام كان ينتظر اللحظة المناسبة للكلام ويفكّر في الكلمات التي سيقولها فلما أكل القوم وشبعوا، دُهشوا مما رأوا "هل ترى ما أراه؟" "نعم، كيف حدث هذا؟" لقد وقعت معجزة من البركة فعلى الرغم من شبعهم، بدا الطعام كانه هو كأن لم يُؤكَل منه أي شيء وكان عليّ رضي الله عنه حاضراً وكان في الثلاثة عشرة حينها، فقال لاحقاً: "كان الطعام يكفي لرجلاً واحداً فقط" كانوا يحاولون فهم ما حدث وفي اللحظة التي همّ فيها رسول الله ﷺ بالكلام قاطعه أبو لهب وقال بغضب "ما رأينا سحراً كهذا من قبل!" كانت معجزةً واضحة تحدث أمام أعينهم لكن قلب أبي لهب وعقله كانا بعيدين عن إدراكها لقد أرسل الله إليهم نبيّاً وكان لا بدّ للناس أن يروا دليلاً وكما هو حال كل نبي كان لا بدّ أن يؤيّده الله بالمعجزات فمثلاً، لو أن الله كسر قانوناً من قوانين الكون المادية من أجل ذلك العبد وحده لكان ذلك دليلاً قاطعاً على أنه مُختار حقاً من الله ولهذا كانت المعجزات ضرورية وطوال حياته نبيّاً، ستحدث معجزات أخرى كثيرة ومع ذلك، لم يرَ أبو لهب في هذه المعجزة إلا سحراً وكانت كلماته تزداد قسوةً وحدّة "ما رأيتُ أحداً جلب على أهله من الشرّ والفساد" "كما جلبتَ أنت!" وأخذ يطلق الكلمات الجارحة ويفعل كل ما يستطيع لإفساد الموقف ونتيجةً لذلك، فإن رسول الله ﷺ لم تتح له فرصة حتى للكلام وقام أقاربه واحداً تلو الآخر وغادروا البيت في صمت تخيّل ذلك بسبب هذا الأمر الإلهي، لم يغادر بيته أياماً وكان مُثقلاً بمشاعر متداخلة، وقد أتمّ استعداداته وفكّر بعناية في كل كلمة كان سيقولها لكن في لحظة واحدة، انهار كل شيء بسبب كلمات أبي لهب وهكذا، انتهى ذلك اليوم الطويل المرهق بنهايةٍ مخيّبة للآمال كان أبو لهب أحد أعمام النبي ﷺ لكنه في السنوات اللاحقة سيصبح من أشدّ أعداء الإسلام حقداً وحتى في أكثر لحظاته تعباً كان ﷺ دائماً قادراً على النهوض من جديد بالعزم نفسه لم يسمح لليأس أن يتسلّل إلى قلبه وفي كل مرة، كان يجمع قواه من جديد ويواصل طريقه أقوى مما كان عليه وفي اليوم التالي مباشرةً، دعا أقاربه مرةً أخرى ومع بدء وصول الضيوف، حضر أبو لهب أيضاً لكن هذه المرة، كان رسول الله ﷺ حذراً جلسوا وتناولوا الطعام ثم جاءت اللحظة المنتظرة وقبل أن ينطق أبو لهب بكلمة واحدة وقف رسول الله ﷺ وبدأ بالكلام ، لنتخيّل أنفسنا هناك وكأننا أحد الجالسين في ذلك المجلس بدأ رسول الله كلامه ...الحمدُ لله "أحمده وأشكره" "وأستعين به وحده" "وأؤمن به وأتوكل عليه" "وأشهدُ أن لا إله إلا الله" "وحده لا شريك له" وبعد أن قال هذه الكلمات، أوضح مقصده فقال: "إنَّ الرائدَ" "لا يَكذِبُ أهلَه" "والله لو كذبتُ الناسَ جميعاً" "ما كذبتُكم" "ولو غررتُ الناسَ جميعاً ما غررتُكم" "إني أدعوكم إلى الله وحده" "وأنا رسولُه" "بعثني إليكم خاصةً وإلى الناس كافة" ثم لخّص رسالته وتابع قائلاً: "والله لتَموتُنّ كما تنامون" "ولتُبعثُنّ كما تستيقظون" "ولتحاسَبُنّ بما تعملون" "وإنها الجنة أبداً" "أو النار أبداً" كانت كل كلمة ينطق بها خارجةً من أعماق القلب وتحدّث عن الجنة والنار، وواصل حديثه على هذا النحو وفي النهاية، دعا جميع أقاربه إلى الإسلام وقال: "إني أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان" "ثقيلتين في الميزان" "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمداً رسول الله" ثم سأل: "فمن منكم يُجيب دعوتي" "ويكون ناصري ومعيني؟" لكن الصمت عمّ المكان لم يرفع أحدٌ رأسه ولم يُسمَع صوت واحد ثم، وعلى الرغم من أن عمره لم يتجاوز ثلاث عشرة سنة اخترق الصمت صوتٌ شجاع كان صوت عليّ "يا رسول الله ﷺ، أنا أنصرك، وإن كنتُ أصغرهم سنّاً" فأعاد رسول الله ﷺ السؤال ثانياً لكن من بين نحو أربعين رجلاً لم يُجِب أحد غيره وكان الجميع ينتظر أن يتقدّم شخص آخر فسأل للمرة الثالثة: "من منكم يُجيب دعوتي ويكون ناصري ومعيني؟" كان يأمل أن يسمع صوتاً آخر لكن في كل مرة لم يرفع يده إلا عليّ لكن تلك اليد الواحدة فقط كانت كافية كانت هي اليد التي احتاجها رسول الله ﷺ لانه إذا تأمّلتَ حياة نبينا ﷺ وجدتَ أنه في كل موقف حرج كان عليّ رضي الله عنه هو من يتقدّم له فهل لم يُجِب أحد غيره من أهل البيت؟ في تلك الليلة، دار حديث طويل لكن كان هناك موقفان رئيسيان بارزان: أبو طالب، و أبو لهب كلاهما كان عمّاً له لكن ردّ فعليهما كانا متناقضين تماماً لم يتغيّر موقف أبي لهب قال: "يا بني عبد المطلب" "إن هذا لشرٌّ لكم" "خذوا على يديه قبل أن يسبقه الناس" "فتمنعوه ممّا يقول" "فإنكم إن أطعتموه ذللتم" "وإن نصرتموه قُتلتم" كان يحاول إفشال الدعوة لكن الذي وقف في وجهه كان أبو طالب وكان غاضباً جداً من كلامه "يا جبان!" "والله!" "ما دمنا أحياء، لننصرنه ولنحمينه!" "يا ابن أخي، إذا أردتَ أن تدعو الناس" "فأخبرنا، وسنستسلّح ونخرج معك!" لكن نصرة أبي طالب لم تُتوَّج بالإيمان، إذ قال: "لم أجد في نفسي رغبةً في ترك دين عبد المطلب" "وسأموت على الدين الذي مات عليه" وهكذا، لم يحصل رسول الله ﷺ على النتيجة المرجوة وغادر الضيوف في صمت كان لا بدّ من طريقٍ آخر لم يسمح لليأس أن ينتصر سواء قَبِل الناس أم لم يقبلوا كانت مهمته واضحة: الإنذار، والدعوة، وبذل كل ما يستطيع لإيصال الرسالة كل ما احتاجه كان فكرةً طريقةً يجمع بها أهل مكة في مكان واحد ويجعلهم يستمعون ظلّ يفكّر ويفكّر، وفي النهاية وجدها يوماً ما، دوّى صوت عالٍ في مكة: "يا صباحاه!

يا صباحاه!" ما هذا الصوت؟ كان صادراً من جبل الصفا أسرع الناس إلى الخارج بدافع الفضول لمعرفة ما يحدث وفي وقت قصير، تجمّع حشد كبير كان فيهم أناس من كل بطون قريش فما الأمر المهم الذي جمع كل هؤلاء؟ وماذا يعني هذا النداء؟ لقد كان نداء استغاثة وإنذار عندما كانوا يسمعونه يعلمون أن أمراً جللاً قد وقع وأن هناك خبراً عاجلاً وحين تجمّعوا، رأوا أن المنادي هو رسول الله ﷺ وكان أبو لهب حاضراً أيضاً وكان الجميع يتساءلون عمّا سيقوله رسول الله ﷺ ثم ألقى خطبته المشهورة الخالدة "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي" "أو خلف هذا الجبل تريد أن تغيرَ عليكم صباحاً أو مساءً" "أكنتم مُصدِّقيَّ؟" قالوا جميعاً: "نعم، ما جرّبنا عليك كذباً" فقال: "فإني نذيرٌ لكم" "بين يدي عذابٍ شديد" "لقد أمرني الله أن أُنذر عشيرتي الأقربين" "من عذاب الآخرة" "وأدعوكم إلى أن تقولوا: الله واحد، لا إله إلا هو" "وأنا عبدُه ورسولُه" "فإن قبلتم ذلك، ضمنتُ لكم الجنة" "واعلموا أيضاً هذا إن لم تقولوا: الله واحد، لا إله إلا هو" "فإني لا أملك لكم نفعاً لا في الدنيا ولا في الآخرة" كان أبو لهب يستشيط غضباً لم يكن يحتمل هذه الدعوة حتى داخل أسرته والآن كان رسول الله ﷺ يخاطب قريشاً كلها وما فعله بعد ذلك كان تجاوزاً أخيراً للحدود حاول مرةً أخرى أن يوقف انتشار رسالة الإسلام انحنى في غضب، والتقط شيئاً ورماه على ابن أخيه وهو يصيح: "تَبّاً لك!" "ألهذا جمعتنا؟" وما رماه في الحقيقة لم يُرمَ على شخصه فقط بل رُمي على دين الله قيلت تلك الكلمات ردّاً على نداءٍ ملؤه الرحمة ودعوةٍ إلى جنّةٍ أبدية أتتصوّر كم كان ذلك مؤلماً للنبي ﷺ؟ عمّه نفسه، الذي كان يرجو منه أعظم النصرة كان يعامله بهذه القسوة ومنذ تلك اللحظة، صار أبو لهب وزوجه يبذلان حياتهما لإيذاء النبي ﷺ وبذلك الفعل، ختم على مصيره بيده ثم نزلت سورة المسد، وتنبّأت بنهايته الأليمة حيث قال تعالى في هذه السورة "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ" "مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ" "سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ" "وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ" "فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ" كانت هذه الآيات واضحةً تماماً في أنه من أهل النار أي إنه لن يؤمن أبداً وفي الحقيقة، لو نظرتَ إلى الأمر ظاهراً لبدا ذلك مخاطرةً كبيرة لأن أبا لهب لو آمن في النهاية لأصبحت الآيات، من حيث الظاهر، مخالفةً للواقع وحتى لو تظاهر بالإيمان فقط لكانت نفس النتيجة سواء آمن بالإسلام حقاً أو أراد أن يثبت بطلانه كان عليه فقط أن يقول: "آمنت" فما الذي حدث؟ بعد نزول هذه السورة، عاش سبع سنين أخرى لكن حقده لم يفتُر قط ومات على الكفر والجحود كان أبو لهب يبغض الإسلام وكان مستعداً لفعل أي شيء لإيذاء هذا الدين فما الذي منعه من استغلال تلك الفرصة الذهبية؟ وأيضاً، لو كانت رسالة رسول الله ﷺ باطلة مختلقة كيف كان له أن يغامر بهذه المغامرة العظيمة؟ كان الجواب بسيطاً الله أراد ذلك فهو الذي يعلم الماضي والمستقبل وكل ما بينهما ولهذا، كمعجزة أخبر بنهاية أبي لهب الشنيعة التي سيجلبها على نفسه قبل أن تقع ورسول الله ﷺ، دون أدنى تردّد بلّغ هذه الرسالة لأنه وثق بمن أنزلها لكن أبا لهب لم يكن ليدرك ذلك أصلاً لم يجب أحد على كلام رسول الله ﷺ لقد سمعوا كلاماً مختلفاً تماماً عمّا اعتادوا سماعه من قبل ومع ذلك، لم يقولوا شيئاً اكتفوا بالهمس فيما بينهم ثم انصرفوا ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الدعوة إلى الإسلام سرّاً لقد بدأت مرحلة الجهر بالدعوة كان ذلك منعطفاً حاسماً كان رسول الله ﷺ يحمل رسالةً تقود إلى السعادة الأبدية لا لقومه وحدهم، بل للعالم كله لكن الثمن لم يكن هيّناً فستواجهه إهاناتٍ لا تُحصى وظلماً، وتعذيباً، وافتراءات وسيتعرّض لألوانٍ من القسوة من نفس القوم الذين يحاول إنقاذهم من النار كان لا بدّ أن يتميّز الماس من الفحم، والذهب من النحاس وفي يوم من الأيام كان رسول الله ﷺ يصلّي أمام الكعبة وكان حوله قومٌ يراقبونه بعيونٍ مليئة بالحقد والغضب ومع تجاهله لسخريتهم وإهاناتهم، ظلّ ماضياً في صلاته لكن تلك النظرات كانت نُذراً لشيءٍ فظيعٍ على وشك الوقوع كان في السجود ربما في إحدى أكثر لحظاته سكينةً لكن المشركين القساة وجدوا الفرصة التي كانوا ينتظرونها وبينما كان رسول الله ﷺ لا يدري بما يُدبَّر له ألقوا سَلَى جزورٍ على كتفيه وتحت الشمس الحارقة، ازداد ذلك المشهد فظاعةً وقسوة كاد لا يستطيع التنفّس وكان أبو جهل يضحك بصوتٍ عالٍ كانت الفكرة فكرته وبهذه الطريقة المقزّزة، حاول أن يذلّ الحق الذي لم يقدر على هزيمته بالحجة ومع أنه بالكاد كان يستطيع التنفّس لكن هذا لم يمنع رسول الله ﷺ من أكمال صلاته بينما من حوله من المشركين يضحكون ويسخرون ما الذي جعله يواصل صلاته؟ ألم يكن رجلاً ذا مكانةٍ عظيمة في قريش قبل بضع سنين؟ ما الذي جعله يتحمّل هذا القدر من الكراهية؟ ومع كل هذه الإهانات، ما الذي جعله ثابتاً لا يتزعزع؟ وبعد قليل، ابنته فاطمة، وكانت طفلةً آنذاك رأت حاله تلك، وجائت فزعة صرخت: "أبتاه، أبتاه!" "أبي الحبيب، أبي الحبيب!" اهتزّ قلبها الصغير من هول المشهد أسرعت إلى أبيها والدموع في عينيها وجاهدت لتزيل ذلك الأذى عن كتفيه وحاولت تنظيفه صاحت غاضبةً في وجوه أولئك القساة وخاطبتهم بكلماتٍ شديدة "إن محمداً ذكر أسماءنا ودعا علينا!" "ماذا لو استجاب الله دعاءه فأهلكنا؟" ولم يكن ذلك آخر ما يمكن لطفلة أن ترى أباها فيه كان يمكن لرسول الله ﷺ أن يعيش حياةً هادئة مريحة فلماذا اختار أن يمرّ بكل هذا الألم؟ نعم، لم يكن الله ليتركه أبداً أو يضيّعه وكل الأسئلة كانت تنتهي إلى جوابٍ واحد صدقُ قضيته وإخلاصه في الدعوة كانت الكعبة تشهد مثل هذه القسوة ومع أنها كانت هناك، على بُعد خطواتٍ قليلة فإن الصحابة لم يكونوا قادرين على العبادة عندها بحرية ومن تجرّأ على الاقتراب كان عليه أن يقبل المخاطر التي قد تناله كانوا يعلمون أن عددهم قليل وكانوا يشعرون بالخطر ومع ذلك، كانوا يريدون أن يصدحوا بالحق أمام الناس جميعاً فالقلب الذي أناره الإيمان لم يكن الصمتُ والسكوت خياراً لديه وخاصةً إذا كان ذلك القلب قلبَ صحابيّ من أصحاب النبي ﷺ وفي أحد الأيام، أقنعوا رسول الله ﷺ أن يقتربوا من الكعبة فجلسوا هناك وكانت جماعة من أعداء الإسلام في المكان نفسه كانت لحظةً خطرة لكن أبا بكر لم يستطع أن يكتم الحقائق العميقة التي نفذت إلى قلبه لم يقدر على مقاومة رغبته في البلاغ والبيان فاتجه إلى الجماعة الأخرى وبدأ يتكلم بصوتٍ عالٍ تحدّث عن عظمة الإيمان بالله وعن أن عبادة الأصنام لا معنى لها ولا نفع فيها أغضبت هذه الكلمات المشركين غضباً شديداً لقد كانت قلوبهم ممتلئة بالحقد والغيظ من قبل وسرعان ما لم يعودوا قادرين على ضبط أنفسهم فبدؤوا ينهالون على النبي ﷺ بالسبّ الشديد لكن ذلك لم يكن كافياً لهم فاندفعوا نحو أبي بكر ليفرّغوا غضبهم فيه أحاطوا به وبدؤوا يضربونه ضربةً بعد ضربة، ضربوه ضرباً مبرّحاً حتى إذا سقط على الأرض ركب عتبة بن ربيعة فوقه وبنعاليه القاسيين صار يركله في رأسه ركلاً عنيفاً ومع ذلك لم يكتفِ بل دون ذرة رحمة أخذ يحكّ وجه أبي بكر بالأرض اختلط الدم بالرمل على وجهه كان على شفير الموت ومن شدة الضرب المروّع أغشي عليه وقد غُمر بالدماء ولم ينجُ من أيديهم إلا بمعونة بعض رجال قبيلته بني تيم ثم حُمل إلى بيته ولم يفق إلا في وقتٍ متأخر من المساء وعلى الرغم من كل ما لاقاه، كانت أول كلماته: "أين رسول الله ﷺ؟" "وكيف حاله؟" كأنما لم يكن هو الذي ناله ذلك الضرب كله في ذلك اليوم وكأن شيئاً لم يحدث له لم يكن منشغلاً إلا بالنبي ﷺ كان يفكّر في الإهانات التي وُجِّهت إلى رسول الله ﷺ وتساءل: هل فعلت قريش به شيئاً؟ كان مغطّى بالدم والجراح ومع ذلك، حين قالوا له: "أنت جائع وعطشان" "ألن تأكل أو تشرب شيئاً؟" لم يكن يريد شيئاً سوى أن يطمئن أن رسول الله ﷺ بخير "لا، لن آكل شيئاً ولن أشرب حتى قطرة ماء" "حتى أسمع خبر رسول الله ﷺ" ومثال آخر من تلك الأيام ..

عبد الله بن مسعود كان بعض الصحابة يشعرون بالحزن ويشكون أمراً ما لم يكن القرآن يُتلى جهاراً أمام قريش ولم يكن أحد، سوى رسول الله ﷺ قد جهر بتلاوة القرآن وكانوا يرون أنه لو قُرئ علناً فلعل عقولهم تتغيّر ولعل هذه الأيام العصيبة تنتهي ولعلهم يرون الحق أخيراً كانوا يريدون ذلك بشدة لكن من يجرؤ على فعل ذلك؟ كان موقف قريش واضحاً لم تكن هناك فرصة لأن ينجو من يتلوه من الاعتداء كان التعرّض للضرب أمراً لا مفرّ منه وبينما كانوا يتحدّثون عن ذلك كله كان ابن مسعود ربما الأضعف بينهم كان في أوائل العشرينات من عمره ومع علمه التام بما سيحدث تقدّم وقال: "أنا أفعلها" لكن أصحابه عارضوه بشدة لأن من تتعرّض له قريش لا بدّ أن يكون ذا عشيرة قوية تحميه لكن عبد الله لم تكن لديه أي عشيرة ومع ذلك، كان مستعداً لفعلها لم يكن يخاف أن يواجه أحداً ثم جاء اليوم التالي لم يستطع أن ينتظر ليصدع بالحق وعلى الرغم من كل شيء ظلّ في قلبه أملٌ أن ينفتح قلب آخر للإسلام لعل شخصاً واحداً آخر يعتنق الحق وحتي لو كان شخصاً واحداً، فليس ذلك قليلاً ومن أجل تلك النفس الواحدة، كان مستعداً للمخاطرة توجّه نحو الكعبة، وبصوتٍ عالٍ تلا: "بسم الله الرحمن الرحيم" ثم بدأ يقرأ سورة الرحمن الرَّحْمَٰنُ" "عَلَّمَ الْقُرْآنَ" "خَلَقَ الْإِنسَانَ" "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" تلك التلاوة، تلك الكلمات كانت شيئاً لم يسمعوا مثله من قبل ومع ذلك، لم تكن تبدو غريبة فقد أدرك سادة قريش أنها القرآن فاندفعوا فوراً نحو عبد الله بن مسعود لم يكن ينبغي للناس أن يسمعوا هذه الكلمات لأنهم إن سمعوها تأثّروا بها فحتى قريش أنفسهم لم يستطيعوا مقاومة أثر هذه الكلمات كيف يشرحون ذلك للناس وهم أنفسهم ما زالوا يتقلّبون في صراعٍ داخل عقولهم؟ أحاط المشركون بابن مسعود ومع توالي الضربات عليه، لم يُرِد أن يتراجع في تلك الكلمات الربانية كانت تُذكر نِعَم الله واحدةً تلو الأخرى ثم جاءت الآية: "فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" "أي من نعم الله هذه تكذبون بها ؟" وفي وسط الضرب، كان ابن مسعود يصدع بالحق كانت تلك اللحظة، وتلك الصورة، مشهداً واضحاً لعجز قريش ظلّ يردّد: "فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" حتى لم يعد قادراً على الكلام وعندما انتهى الأمر كان ردّه على أصحابه الذين حزنوا عليه وقلقوا: قال لهم عبدالله بن مسعود "ما كان أعداءُ اللهِ" "أهونَ عليَّ منهم الآن" ثم أكمل "ولئن شئتم لأعاودنهم" "بمثلها غداً" ومهما فعلت قريش، ففي اليوم التالي كانت تجد المسلمين أشدّ ثباتاً من ذي قبل لم يرتدّ مؤمن واحد عن إيمانه ولم يتخلّ ﷺ عن رسالته أبداً كان أهل قريش، فرادى أو مجتمعين، يسألون أنفسهم: "ما الذي يمكن أن يجعل محمداً يترك دعوته؟" "من يمكنه إيقاف هذا؟" "لما لا تنجح محاولاتنا؟" وبينما كانت هذه الأسئلة تدور في عقولهم، برز اسمٌ واحد اسم اتفقوا عليه جميعاً إن كان هناك أحداً يمكنه أن يغيّر رأيه فهو هذا الرجل الرجل الذي ربّاه كالأب منذ طفولته لأكثر من ثلاثين سنة عمّه، أبو طالب كان أبو طالب من أعظم وجوه مكة قدراً كان شيخاً كبيراً، ومع أنه لم يكن ذا مالٍ كثير إلا أن الناس كانوا يوقّرونه ويستمعون إلى قوله لم يكن قد أسلم، لكن صلته بابن أخيه عميقة نسجتها عقود من المحبة والوفاء والاحترام المتبادل لم تكن هذه أول مرة تأتي فيها قريش لهذا الشأن في المرة السابقة، ردّ عليهم أبو طالب بكلماتٍ لينة هدّأهم وصرفهم بأدب لكن هذه المرة كانوا أشدّ جدّية جاؤوا إليه بمطلبٍ واضح: أن يحمل النبي على ترك دعوته "يا أبا طالب!" "إنك من كبارنا، ومن أشرافنا" "لقد جئناك من قبل وطلبنا منك أن تكفّ ابن أخيك" "إنه يعيب علينا عقولنا، ويطعن في آلهتنا" "فإمّا أن تمنعه، وإمّا أن نقاتلك ونقاتله معاً" هزّت تهديداتهم أبا طالب، وقد كان شيخاً كبيراً هذه المرة كانوا أشدّ صرامةً وإصراراً لقد عاش بين هؤلاء القوم طوال عمره كانوا يوقّرونه، وبُنيت مكانته على سنين طويلة وكان يشعر بانتماءٍ قوي إليهم وكانت فكرة أن يهجره قومه مؤلمة وعلى الجانب الآخر ابن أخيه من كان يحبه أكثر من أبنائه ولم يكن يستطيع أن يتخلى عنه كذلك اضطربت نفسه، وتمزّق بين الجانبين وثقل قلبه وبعد تفكيرٍ عميق، دعا رسول الله ﷺ وقال له: "يا ابن أخي ، لقد جاءني سادة قومك" "إني أستحلفك، ارفق بي وبنفسك" "ولا تضع علينا حملاً لا طاقة لنا به" " كفَّ عن قول ما يغيظ قومك" فأوقفت كلماتُ عمّه النبيَّ ﷺ وأخذ يفكّر لحظةً كان الموقف صعباً للغاية فالعزم الذي أظهره أبو طالب حين دعا رسول الله ﷺ أقاربه إلى الطعام كان قد ضعف الآن وحتى تلك اللحظة، كان أبو طالب هو الوحيد الذي يحميه في قبيلته فهل سيولّيه ظهره هو الآخر؟ وهل سيتركه وحيداً أيضاً؟ ومع ثقل هذه الكلمات علي قلب رسول الله إلا أن رسول الله ﷺ كان يعلم أن له ناصراً واحداً حقّاً الله، ربّ السماوات والأرض فحتى لو تخلّى عنه العالم كله لما غيّر ذلك شيئاً فقد كان يعلم أن كل شيء يحدث بإرادة الله وأنه لا يقع شيء إلا بإذنه هذا هو دين الله، وهو غير متعلّق بشخصٍ بعينه فالله قادر على أن يُعزّز دينه بمن يشاء وكيف يشاء وفي تلك اللحظة بالذات، قال رسول الله ﷺ كلماته الخالدة التي لا تُنسى: "اعلم يا عمّ" "والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري" "على أن أترك هذا الأمر، ما تركته" "حتى يُظهره الله" "أو أهلك دونه" وكانت الدموع تنهمر من عينيه وهو يقول هذه الكلمات فلم يكن من السهل عليه أبداً أن يُترك من قِبل عمّه لكن قراره كان واضحاً نهض واقفاً وحين همّ بالانصراف، كان وضوحه وثباته قد تركا أثراً عميقاً في قلب أبي طالب لقد ألهمته شجاعة رسول الله ﷺ ومدّته بالقوة ليقف هو الآخر فقال: "يا ابن أخي، امضِ لما تريد" "وقل ما شئت" "فوالله لا أُسلمك لشيءٍ أبداً" وهكذا، فشلت محاولات المشركين مرةً أخرى وكيف يمكن أن تنجح؟ فهو لم يكن يخاف الموت أصلاً وكان يردّ تهديداتهم في وجوههم وحين قال: "ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري" لم يكن مجرد قول لقد شهدت السماوات والأرض على صدقه وإخلاصه وإلى جانب ذلك أيضاً كان زعماء قريش يقدّمون لرسول الله ﷺ شتى العروض وكانوا يقولون: "إن كنتَ تريد مالاً، جمعنا لك من أموالنا" "حتى تكون أكثرنا مالاً" "وإن كنتَ تريد شرفاً وسؤدداً" "جعلناك سيّدنا" "ولم نقطع أمراً دونك" "وإن كنتَ تريد ملكاً ملّكناك علينا" لكن مهما عرضوا عليه كان ﷺ يرفض ذلك فلو كان كاذباً كما زعموا فلماذا لم يقبل بهذه العروض؟ وأين المصلحة الشخصية؟ وماذا كان يملك في يده غير المشقّة والعناء؟ كانت الحقيقة واضحة فكلمات القرآن وسلوك رسول الله ﷺ كانا يؤثّران في الكافرين يوماً بعد يوم وكان يقينهم بالطريق الذي يسلكونه يضعف شيئاً فشيئاً ومع ذلك، ظلّوا يرفضون قبول الحق، مهما كان الثمن فما الذي جعلهم يُصرّون على إنكار الحق إلى هذا الحد؟ وما الذي دفعهم إلى السخرية من رسول الله ﷺ ؟ ولماذا كانوا يسدّون آذانهم عند تلاوة القرآن؟ وما الذي جعلهم يغلقون أعينهم بإصرار عن النور؟ كان أصل ذلك كله الكِبر والغرور تأمّل الأمر لو قبلوا هذا الدين، لكان عليهم أن يعترفوا بأن كل ما فعلوه طوال السنين الماضية كان خطأ ولصاحب النفس المتكبّرة، فإن الاعتراف بالخطأ وخاصةً في أمرٍ عظيم كهذا، ليس سهلاً أبداً كما أنهم لم يريدوا أن يصدّقوا أن آباءهم قد أخطأوا حين عبدوا الأصنام مثلهم فلم يكن كِبرهم متعلّقاً بأنفسهم فقط بل كان دفاعاً عن تقاليد أسلافهم أيضاً أتذكر ما قالوه حين جاؤوا إلى أبي طالب؟ "إنه يطعن في آبائنا ويتّهمنا بالسفه" لقد كانوا يذبحون القرابين لأصنامهم لسنوات طويلة ويمسحون بأيديهم ووجوههم عليها تعظيماً كل يوم قبل خروجهم من بيوتهم لم يريدوا أن يعترفوا أن كل ذلك كان بلا جدوى كان الوفاء للحق أقلّ شأناً لديهم من تعظيم آبائهم الراقدين تحت التراب ومع أنهم سيدخلون قبورهم وحدهم اختاروا اتباع أصوات الماضي بدل أن يتبعوا صوت العقل ومن جوانب تكبّرهم أيضاً أنهم لم يروا أن عائلة النبي ﷺ تليق بالنبوة فقد رُوي أنه في مرة بعد حديثٍ رسول الله ﷺ التفت أبو جهل إلى صاحبه وقال: "والله" "إني لأعلم أن ما يقوله حق" ولكن لماذا لم يؤمن به إذن؟ حتى بعد اعترافه ؟ لأنه بعدها بدأ يقارن بين قبيلة رسول الله ﷺ و قبيلته وعدّد مناقب كل قبيلة و محاسنها وشبّه الأمر بفرسي رهان يتسابقان ثم قال: "والآن يقولون إن فينا نبيّاً!" "لا والله، لا أقبل بهذا" وفي موقفٍ آخر قال أميّة بن أبي الصلت لأبي سفيان عن رسول الله ﷺ: "إنه نبيّ حقّاً، فاتّبعه" "ولِمَ لا تتبعه أنت؟" قال: "أخشى أن تعيّرني نساء ثقيف" "فيقلن إن أميّة اتبع شابّاً من بني عبد مناف" كان العربيّ كلما علت مكانته ازداد حرصه على صورته أمام الناس وكان يقول: "ماذا سيقول الناس؟" ويجعل حياته رهينةً لآراء الآخِرين وفي النهاية، كانوا يضحّون بحياتهم الأبدية من أجل حياة قصيرة زائلة وهكذا، لم تُجدِ تهديداتهم لأبي طالب وصبرهم بدأ ينفذ ولم يعد لديهم أي تسامح مع الإسلام وبدافع الغضب والحقد صاروا يؤذون النبي ﷺ كلما سنحت لهم الفرصة فإذا قام للصلاة، أتوه من خلفه وحاولوا خنقه وإذا سجد حاولوا أن يضربوا رأسه بالحجارة وكانوا يلقون القاذورات أمام بابه مراراً وينثرون الشوك في الطرق التي يسلكها يوماً بعد يوم وأينما رأوه أهانوه بأبشع الألفاظ التي تؤلم قلبه الشريف ومع كل ذلك، كان فقط يصبر ويحتسب ولا يتراجع أبداً فلا حقد، ولا إهانة، ولا تهديد كان يمكن أن يصرفه عن طريقه وبالعزم نفسه، ليلاً ونهاراً كان يواصل دعوته إلى الإسلام راجياً أن ينقذ نفساً أخرى لم يكن قلقه على نفسه لكن في تلك الأيام، كان قلقه على أصحابه يزداد فقد كان العيش مسلماً في مكة يزداد صعوبةً يوماً بعد يوم وفي أشدّ أوقات الحر كانت مكة تضجّ بصيحات المسلمين المعذَّبين حتى لا يبقى لهم قوة على الصراخ ولم يعد بيت الأرقم كافياً لحماية المؤمنين كان على رسول الله ﷺ أن يجد طريقاً يمكّن المسلمين من عبادة الله بحريةٍ أكبر كان ذلك في السنة الخامسة من البعثة وفي يومٍ من الأيام، جمع رسول الله ﷺ أصحابه وكان لديه أمرٌ مهم يريد أن يبلّغهم إياه فقال: "تفرّقوا في الأرض" "فإن الله سيجمعكم من جديد" لكن إلى أين يذهبون؟ "يا رسول الله، إلى أين نذهب؟" فأشار رسول الله ﷺ بيده وقال: "إلى هناك" وكان يُشير إلى ما وراء البحر وهذا يعني أنهم سيضطرون إلى السفر إلى تلك الأرض بحراً ولكن أين هي؟ انتشار الإسلام إلى بلاد بعيدة على أيدي قلةٍ من المؤمنين والشدائد التي سيعقبها الفرج ودخول أسماء عظيمة في صفوف الإسلام أسماء ستزلزل قريشاً من أعماقها والضربات المتتالية التي سيتلقّاها الكفار ودعاء النبي ﷺ العظيم الذي سيُستجاب له كل ذلك ينتظرنا في الحلقة القادمة فتابعونا
