Towards Eternity
العودة إلى المدونة

التفسير المنطقي لمعجزة الإسراء والمعراج

نُشر في

شاهد على يوتيوب

هل تعلم أن "الإسراء والمعراج" له تفسير منطقي؟ إنها رحلة تتجاوز حدود قوانين الفيزياء ومفهوم الزمن قبل أربعة عشر قرناً، في مثل هذه الليلة خاض نبينا ﷺ رحلة ليلية بدأت من مكة إلى المسجد الأقصى ثم استمرت بالصعود إلى السماوات والسفر إلى أعماق الكون وانتهت بلقاء ربنا وخالقنا الكثير من الناس يحملون في أذهانهم تساؤلات جدية حول هذه المعجزة هل كانت هذه الرحلة ضرورية؟ وهل يمكن لإنسان أن يمر بكل هذه الأحداث؟ وإذا كان ذلك ممكناً فكيف حدثت كل هذا؟ وهل تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس صلوات يومياً كان-معاذ الله- نوعاً من المساومة؟ إن شاء الله، سنزيل اليوم جميع علامات الاستفهام واحدة تلو الأخرى وبتوجيه من الله ورسوله ﷺ أأنتم مستعدون للانطلاق في رحلة إلى أسرار المعراج وما وراء الكون؟ فلنبدأ يمكننا تصور المعراج كما يلي: تخيلوا أن هناك ملكاً يحكم دولة وبطبيعة الحال، هو أيضاً القائد الأعلى لجيشها ولنفترض أن هذا الملك كلّف جندياً بمهمة معينة ولكنها ليست بسيطة بل تتعلق بالدولة وبنظامها العسكري بالكامل إذن ما الذي ينبغي عليه فعله؟ يجب أن يبدأ أولاً بتدريب هذا الجندي من أدنى رتبة عسكرية ثم يرشده عبر جميع الأقسام العسكرية ويطلعه على أنظمتها وصولاً إلى هيئة الأركان العامة لماذا؟ لأن مهمته تشمل جميع هذه الأقسام لذا، ينبغي لهذا الجندي أن يطّلع على جميع أنواع العمليات العسكرية وماذا بعد ذلك؟ سيكلّفه الملك بمهمته وسيكون قد ساعده على فهم النظام العسكري بأكمله وبالمثل، فإن مهمة النبي ﷺ لم تكن مهمة عادية بل كانت رسالة تشمل البشرية جمعاء من زمنه إلى يوم القيامة لأنه أتى بنور يضيء الكون بأسره إنه أعظم معلم للبشرية علمنا أن لا شيء يُخلق عبثاً وأن كل شيء، من أصغر حبة رمل إلى أعظم المجرات هذا الخلق ليس بلا خالق وليس بالصدفة أو العشوائية فلا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وبديع صنعه وبإرادته كما علّمنا النبي عن الجنة والنار والكثير من الأمور منح الله نبيه محمداً ﷺ نعمة فريدة تُسمّى المعراج وهي التي أعانته على إتمام المهمة التي ورثها عن الأنبياء السابقين فإذا كانت رسالته تشمل الكون كله فلا بد أن يراه بأكمله ولهذا، أراه الله سبحانه الكون كله ثم قرّبه إلى حضرته وأمدّه ببعض الأوامر ثم أرسله إلى الدنيا ليواصل مهمته ولو تأملنا في الأمر، لما وجدنا إنساناً قد كُلّف بمهمة أعظم من مهمته وبذلك، فإن الإجابة على السؤال: "هل كانت هذه الرحلة الطويلة ضرورية؟" هي بلا شك: "نعم" ويمكننا أيضاً التفكير في الأمر بهذه الطريقة: افترض أن هناك شخصاً يريد أن يخبرك عن كوكب المريخ هل سيكون أكثر إقناعاً أن تستمع إلى شخص قد وطأت قدماه سطح المريخ أم إلى شخص عادي؟ بالتأكيد الأول فهذا ما ستفضّله وكذلك شهد نبينا ﷺ بنفسه كل ما ورد ذكره في القرآن تقريباً رأى الجنة، والنار، والسموات السبع رأى العرش وكرسي الله وشهد أموراً عظيمة أخرى خلال هذه الرحلة بل وأكثر من ذلك فقد التقى بالله سبحانه وتعالى شخصياً ممثِّلاً للبشرية جمعاء ثم عاد وأخبرنا بجميع ما رآه يتساءل البعض: "حسناً، قد تكون هذه الرحلة ضرورية" "ولكن كيف يمكن لحدث كهذا أن يحدث بالجسد البشري؟" يجب ألا ننسى أبداً هذه الحقيقة: لأن الله هو خالق هذا الكون وواضع قوانينه فهو قادر على تغييرها لمن يشاء من عباده المكرّمين، متى وكيف شاء فمن يقول: "لا يستطيع" فقد نسب النقص إلى الله، معاذ الله وكدليل على نبوّته وهب الله لنبيه ﷺ هذه التجربة العظيمة فقد غيّر القوانين التي وضعها في الكون لأجله يمكننا أن نعتبر هذه المعجزة بمثابة خاتم أو توقيع الله وبالنظر إلى هذا التوقيع، يمكننا أن نكون على يقين تام بأن النبي قد أُرسل من قبل خالق السماوات والأرض وبالأضافة يمكننا أن ندرك إمكانية حدوث ذلك بمجرد تأمل كيفية إيصال إشارة من سطح الأرض إلى قمر صناعي في الفضاء فالذي جعل هذه الإشارة تصل إلى الفضاء قادرٌ بلا شك على أن يُعرج بجسد عبده وحبيبه ﷺ عبر السماوات السبع، ويقرّبه إليه عندما نتأمل في حياة النبي ﷺ وننظر في جميع المصاعب التي واجهها نجد أنه تحمّل كل هذه المشاق بذلك الجسد المبارك في سبيل الله وُضعت على ظهره أحشاء الحيوانات ورُميت عليه الحجارة ومع ذلك، ظل متمسكاً بعبادته ومواصلاً دعوته بنفس الجسد الطاهر وبهذا الجسد، استمر في نشر رسالته لمدة ثلاثة وعشرين عاماً وهكذا، ولتكريم نبيه أحضره الله بجسده إلى حضرته، وكلّمه قد يقول بعضكم: " هناك العديد من التفاصيل في هذه الحادثة" "فقد شهد النبي أموراً كثيرة" "وتحدث مع العديد من الأنبياء، ورأى الملائكة" "ألا يتطلب ذلك وقتاً طويلاً؟" رُوي إنه بعد أن حدث كل ذلك وعاد النبي كان فراشه لا يزال دافئاً كيف يمكن أن تقع هذه الأحداث في مثل هذا الوقت القصير؟ هناك مثال رائع يوضح هذا الأمر ذكره الإمام بديع الزمان النورسي في "رسائل النور" تخيلوا ساعة ضخمة ماذا يوجد في الساعات؟ عقرب الثواني، وعقرب الدقائق، وعقرب الساعات لكن هذه الساعة الضخمة لديها عقارب أكثر أريدكم أن تركزوا على هذه النقطة تخيلوا أن هناك عقرباً عاشراً فهو يصبح أصغر فأصغر الآن، لنفترض أنكم أمسكتم بعقرب الثواني وأنا أمسكت بأصغر عقرب في الساعة عندما تكملون دورة كاملة في دقيقة واحدة سأكون قد أكملت آلاف الدورات "إذن، قد أكملت آلاف الدورات حول هذه الساعة في دقيقة واحدة!" وبالمثل، فأن الله سبحانه وتعالى هو خالق الزمن قادر على تغيير مجراه لنبيه متى شاء، وكيفما شاء فلا يوجد في ذلك أي شيء غير منطقي أو مستحيل بالأضافة، فإن مخلوقات الله والسرعات التي تسير بها في الكون تساعدنا على فهم هذا الأمر أيضاً مثلا، منح الله الضوء سرعة 300,000 كيلومتر في الثانية وأعطى جرماً ضخماً كالأرض سرعة 107,000 كيلومتر في الساعة فلا بد أن يكون من السهل جداً على الله أن يهب عبده سرعة لا يمكن تصورها، في أعماق الزمن ويجعله يسافر عبر عوالم عديدة في لحظات قصيرة ذو قدرة مطلقة ولا يستحيل عليه شيء بعد أن حدث كل هذا، انتهت تجربة المعراج ومن هناك، عبادة عظيمة تُسمّى: "معراج المؤمنين" جاءت إلينا وهي الصلاة، الصلوات الخمس المفروضة وعندما نتأمل في كيفية فرض هذه الصلوات الخمس يبرز سؤال آخر حول المعراج في أذهاننا فوفقاً لرواية الحديث في البداية، فُرضت الصلاة خمسين مرة في اليوم وعندما كان النبي ﷺ في طريق نزوله أخبره موسى عليه السلام بأن يطلب من الله تخفيف هذا العدد قائلاً له إن ذلك سيكون شاقاً على أمته فعاد النبي إلى ربه فتم تخفيف العدد إلى مقدار معين وعندما رآه موسى في طريقه مرة أخرى نصحه بأن يسأل الله أن يخفف العدد أكثر وهذا الذهاب والإياب تكرّر عدة مرات حتى خُفّفت الصلاة في النهاية إلى خمس صلوات يومياً عندما يسمع بعض الناس ذلك، يتساءلون: "معاذ الله هل قام الله سبحانه وتعالى والنبي ﷺ، بمساومة؟" بالطبع لا هذا ليس تفاوضاً أو مساومة لأن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء يرى الماضي والمستقبل في آنٍ واحد كان يعلم منذ البداية أن الصلوات ستُخفَّف إلى خمس صلوات وأن موسى عليه السلام سيتحدث مع نبينا ﷺ حول ذلك فلا يمكننا أن نسمي ذلك مساومة فلماذا حدث هذا الحوار أصلاً؟ لأن الله أرادنا أن نتعلم دروساً عظيمة منه عندما ننظر إلى حياة النبي ﷺ نجد أن الله عز وجل قد عظّم شأنه وكرّمه تكريماً عظيماً وكانت طلباته ذات مكانة خاصة عند الله فقد غيّر الله قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة فقط لأن النبي ﷺ كان ينظر إلى السماء دون طلب ذلك صراحة وهذا مذكور في سورة البقرة فلماذا نستغرب أن يخفّف الله الصلوات اليومية من خمسين إلى خمس إكراماً لنبيه؟ ومع ذلك، رغم أننا نصلي خمس مرات في اليوم إلا أننا نحصل على أجر خمسين صلاة يومياً وهذا ما أخبر الله به نبيه في المعراج تأملوا في رحمة الله وكرمه سبحانه وتعالى!

فالدرس الذي يجب أن نستخلصه من كل هذا هو أنه إذا كنتُ أريد رضا الله فعليَّ أن أتّبع النبي محمد ﷺ وإذا اتّبعتُه وسرتُ على سُنّته فسأنال محبة الله عز وجل لأنه أحبُّ عباد الله إلى الله وقد اجتمعت فيه أجمل الصفات وأكمل الأخلاق سورة آل عمران، الآية 31، تلخّص كل هذا بوضوح: فلنستمع إليها ولندع هذه الآية تترك بصمتها في قلوبنا الليلة وإن شاء الله، تقرّبنا إلى الله ورسوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي" "يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ" "وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" صدق الله العظيم