اطرد الشيطان من قلبك بـ ١١ آية | حسّن صلاتك - الحلقة ٢
نُشر في
ماذا لو كان هناك سبب يجعل بعض الأمور لا تسير كما نريد؟ قد نكون نفتقد شيئاً ما هناك عقبات في حياتنا نريد أن نتقدّم، ونريد أن نستمتع بالحياة لكننا نتأثر بأخبار غير متوقّعة فتنخفض معنوياتنا، وتضيق صدورنا تطول الليالي، ولا نستطيع النوم ولهذا أنزل الله سورتين قصيرتين لكنّهما عظيمتا الأثر في القرآن سورة الفلق، وسورة الناس درع لنا، وملجأ، وحصن حماية فالحياة ليست فقط ما نراه بأعيننا فهناك أشياء كثيرة لا نراها لكن علينا ان نُحصّن أنفسنا منها كالسحر، والعين، والحسد، وشرّ ما يكون في الليل والوسوسة، والناس الذين يتصرّفون كالشياطين لدينا مئات الأعداء وفي معاني هاتين السورتين جمال عظيم حتى إننا بعد نهاية المقطع سنقول: كيف كنت أعيش دون أن أتلو وأفهم هاتين السورتين؟ وفي نهاية المقطع سنتلو السورتين بمعانيهما التي تعلّمناها وستبدأ أشياء كثيرة في التغيّر إن شاء الله الابتلاءات التي كانت على وشك أن تصيبنا ستُصرف عنّا إن شاء الله هل سمعت أن السحر قد أُلقي على نبيّنا عليه الصلاة والسلام؟ رجل يهودي يُدعى لبيد صنع سحراً بلفّ شعر النبي ﷺ حول مشط ثم ألقاه في بئر وكانت فتنة للنبي فأصابه مرض شديد واشتدّ عليه الضعف يوماً بعد يوم ثمّ أخبره الله بالسحر عن طريق الوحي فذهب الصحابة فوراً ونظروا في البئر وحقاً، وجدوا في قاع البئر مشطاً ملفوفاً عليه شعر وعقب هذه الحادثة نزلت سورتا الفلق والناس وكان قد عُقد على المشط إحدى عشرة عقدة وفي هاتين السورتين إحدى عشرة آية في المجموع فكان رسول الله يقرأ آية عند كل عقدة وكلّما قرأ آية، انحلّت عقدة وشعر بالتحسن حتى إذا قرأ آخر آية، انحلّت العقدة الأخيرة فزال عنه المرض والسحر تماماً فكانت هاتان السورتان في غاية القوة وإلى ذلك اليوم كان النبي ﷺ يتعوّذ بأدعية أخرى لكن بعد نزول هاتين السورتين بدأ يقرأهما دوماً ففي كل ليلة قبل أن ينام كان النبي ﷺ يقرأ السورتين مع سورة الإخلاص ثم ينفث في يديه ويمسح بهما ما استطاع ان يصل إليه من جسده فلنبدأ الآن حديثنا مع سورة الفلق ما هي الآية الأولى؟ "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ" أي أتعوذ بالله رب الفجر ما أجمل هذا التعبير!
ربّ الصبح والفجر ولكن لماذا الفجر؟ لأن كلّ ليل له صباح، صحيح؟ إنه تذكير بالأمل وهو رمز لحالات حياتنا التي لا تسير على ما يرام وتجعل صدورنا ضيقة، فكلّ ليل له صباح وهذه الآية تذكّرنا بذلك تأمّل أمراً كان يزعجك منذ عشر سنين الآن إمّا أنه زال تماماً، أو لم يعد يؤثر فيك كثيراً أي إن صباح ذلك الليل قد جاء وأحياناً نشعر أن كل شيء ينهار من حولنا ولا نتحمل لكن هذا الليل أيضاً له صباح بهذا الأمل يمكننا أن نصبر على الشدائد تذكّر نبيّ الله يونس عليه السلام كان في بطن الحوت والعاصفة تهبّ، وهو في وسط البحر هل هناك وضع أسوأ من ذلك؟ لقد اعترف بخطئه وقال: " لا إله إلا أنت سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" وشعر بصدق أن لا منقذ له إلا الله ودعا بدعاء من أعماق قلبه فأنجاه الله وأوصله إلى برّ الأمان وتذكّر نبيّ الله إبراهيم عليه السلام لقد أُلقي به في نار عظيمة بمنجنيق هائل ومن الخارج، بدا الأمر وكأنه لا أمل لكن الله لم يجعل النار تحرقه وأحياناً نقول: "وضعي سيء جداً" "لن أخرج من هذا أبداً، لا أمل لي" لكن الذي خلقك من عدم، والذي له القدرة المطلقة وهو يدبّر أمر هذا الكون كله أيعجز أن يجعل لك مخرجاً؟ كم سنة ستعيش في هذه الدنيا؟ لن تعيش ألف سنة وبعد مئة عام، أنت وكلّ من تحبّ أو من اختلفت معهم، ستكونون تحت الثرى ستنتهي الحياة الدنيا زائلة فكيف تبقى مشاكلك إلى الأبد؟ ذلك الألم الذي قلت عنه "لن يزول أبداً"، قد زال جاء الصباح، وأتى الأمل وهذه الآية تذكّرنا بذلك تماماً تقول: "يا رب، ماذا أفعل؟" فيقول لك: "قُل" تسأله: "ماذا أقول؟" فيقول: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ" فالشمس ستشرق وستشقّ الظلام وسيزول كلّ ظلام وسيأتي النور وبهذا الأمل، ستثبت أمام البلاء الآية التالية: "مِن شَرِّ مَا خَلَقَ" فماذا تعني؟ أي من شرّ ما خلقه الله ولكن لحظة!
ذلك البلاء لم يأتِ من نفسه الله خلقه فإن لم تستطع أن تتحكم به، فماذا عليك أن تفعل؟ ابحث عمّن يملك السيطرة عليه ويقدر أن يصرفه الآية تخاطبك قائلة: لا تبحث في المكان الخطأ أو البعيد فالذي خلقه، وهو القادر على صرفه، هو الله نحن نتحدث عنه سبحان و تعالى الذي أنعم عليك منذ ولادتك بملايين النعم والهبات طوال حياتك؟ نعم، هذا يعني أنّ رحمته شاملة لك فإذا قدّر الله هذا الأمر فلا بدّ أن هناك خيراً وراءه لابد ان يطمئنك هذا فالله يعلم حالك، وبلا شك سيكون في ذلك خير لك وهو سبحانه يهديك إليه اذن إلى من نلجأ للحماية من هذه الشرور؟ إلى الله، الذي يخلقها ويتحكّم بها قد نحتاج إلى أسباب كثيرة لنكون سعداء لكن سبباً واحداً مفقوداً يكفي لأن نحزن تأمّل مثلاً السيارة تحتاج إلى مئات الأجزاء لتعمل: المقود، المحرّك العادم، وآلاف الأجزاء الصغيرة لكن إن فُقد جزء واحد فقط، فلن تتحرّك وهكذا هي حياتنا أيضاً نعيش ونتقدّم، ولكن أحياناً شيء واحد مفقود يكفي لكي يزيل كل سعادتنا وهذا وحده كافٍ ليُظهر مدى حاجتنا إلى التحصّن فعندما تنقطع صلتك بالله تبدأ الأمور بالاضطراب شيئاً فشيئاً دعنا نحصي الأشياء التي ينبغي أن نستعيذ منها الزلازل، الفيضانات، الكوارث، الأمراض، فقْد الأحبة السحر، الجنّ، الحوادث، الفشل، الاكتئاب الكثير من الأشياء مثلاً، الناس الذين آذوك أحياناً شخص كنت تسميه "أخاً" يقلب حياتك رأساً على عقب وهذا قد يحدث وأحياناً ما يبدو خيراً يكون في حقيقته شرّاً فلذلك حين نقرأ هذه الآية نسأل الله الحماية من هذه الأمور أيضاً فلنتذكّر : "مِن شَرِّ مَا خَلَقَ" علي أن أستعيذ مِن ماذا؟ من شرّ ما خلقه الله وهناك أمر آخر ينبغي أن نستعيذ منه: العين أو الحسد ما هي العين؟ أن ينظر إليك أحدهم بحسد فتصدر منه طاقة سلبية يُعتقد أنها تُحدث خللاً في حياتك والعين تعمل بقوّة في حالتين الأولى: عندما تُعجب بشيء بشكل كبير لكن لا تربطه بالله فمثلاً، بدل أن تقول "ما أجمل ما خلق الله" تقول فقط "إنه جميل جدّاً" وخاصة الأمهات قد يُصبن أبناءهن بالعين من غير قصد الكلمات المليئة بالإعجاب دون قول "ما شاء الله" قد يكون لها أثر قوي أما الحالة الثانية فهي أخطر وهي الحسد هذا النوع من النظرات قد يجلب ضرراً بالغاً للآخر نعوذ بالله لكن كيف أعرف أنني أُصبت بالعين؟ إذا بدأت الأمور كلها تسوء في حياتك وكل ما تحاول الحفاظ عليه يفشل وخاصة إن حدث ذلك بعد نجاح كبير فهذه علامة علي الحسد ولكن لماذا نتحدث عن هذا؟ لأن سورتَي الناس والفلق هما أقوى سورتان للحماية من الحسد ففي سورة القلم، الآية الحادية والخمسين يقول الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: "وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ" فالسؤال الآن: مع كل هذه الأشياء حولنا كيف نحمي أنفسنا من العين؟ أولاً، أن نقرأ سورتي الناس والفلق كل يوم وكل ليلة ثانياً، ألّا نخبر الجميع بنجاحاتنا ثالثاً، أن نحذر من نشر ما يخصّنا في وسائل التواصل فنحن لا نعلم من سيرى ذلك أو ماذا سيشعر عندما يراه فمثلاً، لديك أسرة سعيدة وتنشر صورة مع طفلك لكن من يراها قد يكون محروماً من مثل هذا المشهد وربما لا يكون حاسداً بطبعه لكن إن شعر بالحزن عند رؤيتها فقد يُحدث ذلك أثر العين ذلك الشخص لا يقول "أريد أن أؤذيهم" لكنه لا يدرك أنه يفعل ذلك لذلك علينا أن نلجأ إلى الله للحماية ثم تأتي الآية التالية: "وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ" أي: ومن شرّ الليل إذا أظلم فهنا نستعيذ من ماذا؟ من شرّ الليل إذا أقبل بظلامه لماذا ذكر الله الظلمة؟ لأن الظلمة ترمز إلى المجهول: العقارب، والثعابين، والمخاطر الأخرى في النهار ترى ما حولك أما إذا أظلم الليل...
يصبح إدراك الخطر أصعب ومن الناحية النفسية، الليل يعني الوحدة إنه الوقت الذي تكون فيه مع نفسك تفكّر بعمق وتنغمس في مشاعرك وفي الليل يصبح الإنسان أكثر ضعفاً نفسياً وعاطفياً ولذلك نسأل الله الحماية من شرّ الليل "وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ" أي من شرّ الساحرات اللاتي ينفثن في العقد أي من أهل السحر فنسأل الله أن يحمينا من شرّهم أيها الإخوة والأخوات، لا تستهينوا بأمر السحر وخاصة فيما يتعلق بالزواج مثلاً، يريد أحد أن يتزوّج من فتاة لكن فجأة تتزوج من غيره فيشتد الحسد والغيرة حتى يصل إلى أن يصنع سحراً ليفرّق بين الزوجين وهناك أنواع كثيرة من السحر فلا تقل "لن يحدث لي شيء" فقد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم وكان لذلك أثر ولذلك نحن في حاجة ماسّة إلى سورتي الفلق والناس "وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ" أي من شرّ الشخص الحاسد حين يحسد والحاسد ليس فقط من لا يفرح بما عندك بل هو من يتمنّى زواله عنك فحين يُنعم الله على شخص يقول قلب الحاسد: "لماذا أُعطي هو هذا؟" وهذا أكثر من مجرّد كراهية بل هو اعتراض خفيّ على القدر الذي كتبه الله لنا لأن الذي منح تلك النعمة هو الله تعالى وهذا التفكير، وإن لم يُنطق به كأنه يقول: "الله لم يُحسن التقدير في العطاء" نعوذ بالله ولهذا فالحسد مرض خطير في القلب ولا ينبغي أن نبحث عن الحاسدين في الخارج فقط فقد يكون داخلنا نحن أيضاً فمثلاً، تريد شيئاً لكن والدك لا يهتم ثم ترى ذلك الشيء نفسه مع شخص لا تحبه وقد اشتراه له والده، ويبدو رائعاً في تلك اللحظة أنت في اختبار فالإنسان قد لا يملك منع شعوره الداخلي لكن إن لم ترضَ بهذا الشعور ولم تقم بتحويله إلى عمل فلا إثم عليك فما المقصود بتحويل الشعور إلى فعل؟ أي محاولة إيذاء الشخص الآخر بأي شكل أو ان تشعر بالسعادة إن حدث له اي مكروه في الإسلام، لا يُحاسَب المرء على الشعور أو الخاطر ما لم يتحوّل إلى عمل والحلّ في ثلاث دعوات الأول، أن تدعو لنفسك أن يُزيل الله عنك هذا الشعور الثاني، أن تدعو لمن تشعر تجاهه بالسوء والثالث، وهو الأقوى أن تسأل الله أن يمنح ذلك الشخص خيراً فالدعاء له بالخير يُطهّر الغيرة والحسد من قلبك فأول جريمة قتل بين هابيل وقابيل كانت بسبب الحسد والسبب الذي جعل إبليس يعصي الله ويصبح شيطاناً هو الحسد الذي امتلأ به تجاه نبيّ الله آدم وكثير من النزاعات والمكائد والخلافات التي نراها في العالم خلفها الحسد كما يجب ألا ننسى أن الحسد يحرق الحاسد أولاً فعندما نحسد شخصاً فإننا في الحقيقة نؤذي أنفسنا أكثر نفقد راحتنا الداخلية قبل كل شيء ويظل عقلنا منشغلاً بتلك الأمور على الدوام ذات يوم قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فتمنّى الصحابة أن يعرفوا لماذا هذا الرجل من أهل الجنة فذهب أحد الصحابة ونزل ضيفاً في بيت ذلك الرجل ومكث عنده ثلاثة أيام يراقبه عن قرب يتأمل: ما نوع العبادة التي يقوم بها هذا الرجل لتكون سبباً في دخوله الجنة؟ لكنه لم يجد شيئاً مميزاً في عبادته وفي النهاية أخبره بسبب مجيئه وسأله مباشرة فقال الرجل من أهل الجنة: "اننا أبات لا أحمل في قلبي شيئاً من الحقد" "على أحد من المسلمين" ولا أحسد اي أحد على ما آتاه الله من نعمة أو من خير" فأحياناً الغيرة قد تقود الإنسان إلى النار لكن ترك الحسد والرضا بما قسم الله قد يكون طريقاً إلى الجنة يا له من فاصل دقيق وهنا تنتهي سورة الفلق فلنتذكّر معانيها "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفجر و الصباح" "مِن شَرِّ مَا كل ما خلق من الشرور "وَمِن شَرِّ الظلمة و الظلام" "وَمِن شَرِّ الساحرات اللاتي ينفثن فِي الْعُقَدِ" "وَمِن شَرِّ الحَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ" والآن ننتقل إلى سورة الناس ما معنى "الناس"؟ أي البشر وهنا ايضاً نرى طلب الحماية واللجوء إلى الله ونلمس هذا من أول آية فيها دعوني أسألكم سؤالاً مَن الذي يغرق أكثر؟ مَن يعرف السباحة أم مَن لا يعرفها؟ يُقال إن الذين يعرفون السباحة يغرقون أكثر لأن من لا يعرف السباحة لا يدخل الماء العميق أصلاً فهو حذر ويقول: "لن أقترب، العمق ثلاثة أمتار" "لا أقدر عليه" أما الذي يعرف السباحة فيثق بنفسه فيدخل المياه العميقة ويظن أن كل شيء سيكون على ما يرام لكنه يغفل عن الأخطار الأخرى في البحر فالمشكلة هنا هي الإفراط في الثقة بالنفس "لن يحدث لي شيء" "لا تقلقوا، أستطيع مواجهة أي أمر" مثل هذه العبارات و الشخص الذي يتكلم هكذا يشبه الملاكم الذي يُسقط حذره وفي تلك اللحظة يضرب ضربة عنيفة أيها الإخوة والأخوات، علينا أن نفكر هكذا: قد أضعف أمام الشيطان، وقد يخدعني إنه يعرف نقاط ضعفي ولهذا أحتاج أن أستعيذ بالله منه الآن بعض الناس يأخذون الحيطة يبقون متيقظين ويشاهدون دروساً عن سورتي الفلق والناس وبهذا يحاولون تحصين أنفسهم لكن البعض ما زال يقول: "لن يحدث لي شيء" وهؤلاء يكونون عرضة للشيطان لأن حذرهم منخفض "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3)" أي: أستعيذ برب البشر، وملِكهم وإلههم ثلاثة أسماء ذُكرت: الرب، والملِك، والإله لمن نلجأ و نطلب العون ؟ إلى ربنا، وملِكنا الحق، وإلهنا الواحد وما الذي نتعلمه من ذلك؟ أن هناك أشياء في الدنيا تخيفنا فما هي؟ قد تكون شخصاً، أو مرضاً، أو الموت ربما تفكر: "ماذا سأفعل إن ظلمني هذا الشخص؟" لكن كل ما نخشاه ضعيف أمام قدرة الله اللامتناهية ليس له قوة حقيقية أي أن عليك أن تلجأ إلى الله فالذي تخاف منه هو مخلوق ضعيف يرتجف أمام الله تأمّل الملك الجبّار "نمرود" كان يؤذي الناس ويظلمهم والجميع يخاف منه فماذا فعل الله؟ أرسل جنديّاً صغيراً من جنوده، ذبابة تجاوزت الحراس، وتجاوزت القصر ثم دخلت أنفه ثم وصلت إلى دماغه فبدأ يفقد السيطرة على نفسه ذلك الملِك الذي كان يدّعي الألوهية صار عاجزاً يضرب رأسه بالجدران من شدة الألم ويوماً بعد يوم أكل العذاب جسده الذي كان يظن نفسه حاكم العالم هزمه مخلوق أصغر من ظفر الإنسان الذي كان يُدعى "الملِك العظيم" هزمه الله بإرسال ذبابة وكذلك فرعون فكان يؤذي الناس فلما وصل موسى عليه السلام وقومه إلى البحر خلفهم فرعون وجنده وأمامهم البحر فإلى من لجأ موسى عليه السلام؟ إلى الله، طلباً للحماية فضرب البحر بعصاه فوقعت معجزة انشقّ البحر إلى قسمين وسار موسى وقومه بين جدارين من الماء ثم حاول فرعون أن يتبعهم لكن الماء انطبق عليهم فغرق فرعون وجنوده فماذا نريد أن نفهم من هذا؟ أن نطلب العون ونلجأ إلى مَن؟ إلى ربك، وملِكك، وإلهك لانه لا سلطان أعظم منه ولماذا نلجأ إليه؟ لأن مفاتيح كل شيء بيده وكل الأمور تحت أمره ولا يحدث شيء إلا بإذنه حتى ورقة الشجر لا تسقط إلا بعلمه فكر الله ذو القدرة اللامتناهية ما الذي يمكن ان يعجزه؟ لا شيء الناس والمخلوقات كلها محدودة القدرة أما الله فله السلطان الكامل إن لم يشأ الله شيئاً، فلن يقع وأنا الآن أستعيذ بربي صاحب القدرة التي لا تنفد مِن شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ما معناها؟ أي: من شر الشيطان الذي يوسوس ثم يختفي الذي يلقي الشر في صدور الناس أيها الإخوة والأخوات، ممّ نستعيذ هنا؟ من الوساوس، أي الأفكار التي يهمس بها الشيطان في نفوسنا فنحن نطلب من الله أن يحمينا منها وهنا فرق دقيق جداً فالآية قالت: "الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ" ولم تقل: "في قلوب الناس" فما معنى ذلك؟ أن الشيطان يُلقي الوسوسة في الصدر ويحاول أن يُغريك بالذنب يجعل الأمر يبدو جميلاً أو يقول لك: "لا تصلِّ" أو يحاول أن يزرع فيك أفكاراً تُضعف الأمل والصبر تلك الوسوسة تبقى في الصدر لكنها لم تصل إلى قلبك بعد ولا تصل إلى القلب إلا إذا اخترت ذلك بنفسك إذا عملت بها وقلت في نفسك مثلاً: "لن أصلّي، لن أصلّي" "أنا متعب من الوضوء" "لا أريد الصلاة، عندي مشاكل" حينها تتحول الوسوسة التي كانت في الصدر إلى القلب فماذا يعني "وسوسة" إذن؟ هي وساوس الشيطان حسنا ..
الصوت الذي يأمر بالشر والخواطر التي تمنع من الخير وتُبعدك عن الطاعات كما في الرسوم المتحركة عندما يُصوّر ملاك على الكتف الأيمن وشيطان على الكتف الأيسر الأمر شبيه بذلك الشيطان يوسوس لنا مرات عديدة لكن النقطة المهمة هنا وأخطر ما في الأمر أن كلمات الشيطان قد تبدو وكأنها أفكارك أنت الأحاديث الداخلية، الصور، الكلمات السيئة أحياناً والأفكار التي لديك ليست دائماً من نفسك فمثلاً، تخيّل رجلاً يدعى أحمد كان يفكر بإقامة علاقة بفتاة وفي يوم من الأيام التقى بفتاة في المتجر طلبت منه المساعدة تبادلا الحديث، وأصبح بينهما ألفة بسيطة فقال أحمد في نفسه: "أنا لست مستعداً للزواج الآن" "ربما بعد ست أو سبع سنوات" "في هذه الفترة يجب أن أتعرف عليها أكثر" "وأعرّفها بالإسلام" "ويبدو أنها فتاة طيبة أصلاً" شعر أحمد أن هذه أفكاره الشخصية لكن تمهّل هذه الفكرة خارج حدود الإسلام انها حرام فهذه وسوسة من الشيطان وعندما تميّز هذا الفرق فقد حللت نصف الابتلاء الذي تواجهه فكيف تفرّق؟ هل هي مِن الشيطان أم مِن نفسي؟ إن كانت الفكرة خارج حدود الحلال أو انها تُضعف إيمانك وتُشعرك باليأس فهي من وساوس الشيطان ويجب أن ننتبه لأن الوساوس قد تبدو بريئة في ظاهرها وفي كتب التفسير، ورد أن للشيطان خطة محددة المرحلة الأولى لي و لك وللجميع أن يحاول أن يُوقع الإنسان في الكفر والشرك فهدفه الأول هو الكفر والشرك فإن فشل في ذلك يحاول أن يجرّه إلى الكبائر وهذه هي الخطة الثانية فإن لم ينجح يُلهيه بالصغائر وهي الخطة الثالثة فإن لم يتمكن حتى من ذلك يشغله بالأعمال الفارغة التي لا فائدة منها وإن لم يستطع إشغاله بها يُبعده عن الأعمال ذات الأجر العظيم ويوجهه إلى أعمال ذات أجر أقل أي أن الشيطان لديه أساليب ووساوس متعددة لخداع الناس وبغير الاستعاذة بالله، يستحيل مقاومة مكره لكننا كثيراً ما نتصرف بلا حذر فنظن قائلين: "لن يحدث لي شيء" ثم يأتي يوم نقول فيه: "كنت أصلّي خمس صلوات" "فلماذا توقفت؟" لأنك خفّضت حذرك وكان عدوّك يراقبك، ينتظر لحظة ضعفك فلما حان الوقت، أخذ ما يريده منك وأصبحت في هذا الحال ثم تأتي الآية: "مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ" ما معناها؟ أي: من شياطين الجنّ والإنس وقد قال العالِم الشهير بديع الزمان سعيد النورسي وهو يثبت وجود الشيطان بأن من أكبر الأدلة على وجوده وجود شياطين الإنس فقال: "هل هناك شيطان؟" "نعم، فهناك أناس بيننا يتصرفون مثل الشياطين" "ولو تجرّدوا من أجسادهم البشرية وصاروا غير مرئيين" "لما اختلفوا عن الشياطين في اعمالهم" أولئك الذين يظلمون ويُغوون غيرهم إلى المعصية وينشرون الحرام بين الناس وقد يقع الإنسان في معصية بسبب شهوته و بسبب نفسه الضعيفة الأمارة بالسوء هذا أمر آخر لكن هناك مَن همّهم الدائم هو الفساد ودعوة غيرهم إلى المنكر فهؤلاء شياطين في أجسام بشر ولهذا، عندما نتدبّر قوله تعالى: "في سورة الناس" علينا أن نفهم أنه لا يقتصر على شياطين الجنّ بل يشمل أيضاً شياطين الإنس لأن من يُصرّ على الشرّ والمعصية باستمرار قد يصبح أشر من الشيطان نفسه الشيطان يوسوس فقط أما الإنسان، وربما صديقك فقد يأخذ بيدك ويقودك إلى الحرام وليس فقط بالهمس قد يقترب منك بكلمات مثل: "لماذا ليس لديك صديقة؟ لماذا ليس لديك حبيب؟" "ألست وسيماً؟ ألا تفكر في ذلك؟" "أحد أصدقاء شريكي رآك وأُعجب بك كثيراً" "يمكنكما الخروج معاً" قد يبدو الأمر بريئاً لكن، معاذ الله، أحياناً الشيطان يوسوس للناس من حولنا ويستعملهم الشيطان كأداة للتأثير علينا ولهذا نعلينا ان نستعيذ بالله من شرّ وساوس الجنّ والبشر ليحمينا الله منها فلنتذكّر جميع الآيات: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ البشر جميعاً (1) مَلِكِ البشر (2) إِلَٰهِ البشر (3)" "مِن شَرِّ الشيطان الْوَسْوَاسِ (4)" "الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ البشر جميعاً(5)" "مِنَ الجن ومن البشر (6)" نعم، هكذا تكتمل سورتي الفلق والناس وهناك قول مأثور: "التكرار يعلم الإتقان" فالابتلاءات والمصاعب والمحن التي نمرّ بها هي إنذار من الله تعالى وتذكير لنا بأننا لا نستطيع العيش بدونه ومن خلال هذه الابتلاءات يدعونا الله إلى اللجوء إليه وبسور كهاتين، ومعانيهما العميقة يهدينا الله لطريقه المستقيم والآن علمنا أن الليالي قد تظلم وأن الفتن قد تأتي في الخفاء لكن لدينا ربّ، وملِك، وإله لدينا سورة الفَلَق تشقّ كل ظلمة وسورة الناس تسكت كل وسوسة بعد هذا المقطع، اجعل عادة واحدة فقط تتغيّر في حياتك قبل أن تنام، اقرأ سورتي الفلق والناس كما فعل صلى الله عليه وسلم لكن هذه المرة، اقرأهما بفهم واطلب الحماية، واستسلم لله تذكّر أن كل ليلة تمرّ دون أن تتلو هاتين السورتين تعني أنك خفّضت حذرك أما كل ليلة تتلوهما فيها فقد لبست درعاً من الحماية وحينها لن تجعلك الظلمة عاجزاً لأنك تعلّمت كيف تستعيذ بربّ الفَلَق أول مقطع من هذه السلسلة كان عن سورة الفاتحة الحمد لله، هذا كان مقطعاً عميقاً ومُلهماً لكثير من الناس وفي المقطع القادم من هذه السلسلة سنستمر في الغوس اكتر و سوف نتحدث عن دعاء الاستفتاح "سبحانك اللهم..." وبنهاية هذه السلسلة إن شاء الله سنكون قد فهمنا كل الآيات التي نقرأها وسنصلّي بإخلاص وخشوع حقيقي إن شاء الله ونسير على طريق الجنة الأبدية
ربّ الصبح والفجر ولكن لماذا الفجر؟ لأن كلّ ليل له صباح، صحيح؟ إنه تذكير بالأمل وهو رمز لحالات حياتنا التي لا تسير على ما يرام وتجعل صدورنا ضيقة، فكلّ ليل له صباح وهذه الآية تذكّرنا بذلك تأمّل أمراً كان يزعجك منذ عشر سنين الآن إمّا أنه زال تماماً، أو لم يعد يؤثر فيك كثيراً أي إن صباح ذلك الليل قد جاء وأحياناً نشعر أن كل شيء ينهار من حولنا ولا نتحمل لكن هذا الليل أيضاً له صباح بهذا الأمل يمكننا أن نصبر على الشدائد تذكّر نبيّ الله يونس عليه السلام كان في بطن الحوت والعاصفة تهبّ، وهو في وسط البحر هل هناك وضع أسوأ من ذلك؟ لقد اعترف بخطئه وقال: " لا إله إلا أنت سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" وشعر بصدق أن لا منقذ له إلا الله ودعا بدعاء من أعماق قلبه فأنجاه الله وأوصله إلى برّ الأمان وتذكّر نبيّ الله إبراهيم عليه السلام لقد أُلقي به في نار عظيمة بمنجنيق هائل ومن الخارج، بدا الأمر وكأنه لا أمل لكن الله لم يجعل النار تحرقه وأحياناً نقول: "وضعي سيء جداً" "لن أخرج من هذا أبداً، لا أمل لي" لكن الذي خلقك من عدم، والذي له القدرة المطلقة وهو يدبّر أمر هذا الكون كله أيعجز أن يجعل لك مخرجاً؟ كم سنة ستعيش في هذه الدنيا؟ لن تعيش ألف سنة وبعد مئة عام، أنت وكلّ من تحبّ أو من اختلفت معهم، ستكونون تحت الثرى ستنتهي الحياة الدنيا زائلة فكيف تبقى مشاكلك إلى الأبد؟ ذلك الألم الذي قلت عنه "لن يزول أبداً"، قد زال جاء الصباح، وأتى الأمل وهذه الآية تذكّرنا بذلك تماماً تقول: "يا رب، ماذا أفعل؟" فيقول لك: "قُل" تسأله: "ماذا أقول؟" فيقول: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ" فالشمس ستشرق وستشقّ الظلام وسيزول كلّ ظلام وسيأتي النور وبهذا الأمل، ستثبت أمام البلاء الآية التالية: "مِن شَرِّ مَا خَلَقَ" فماذا تعني؟ أي من شرّ ما خلقه الله ولكن لحظة!
ذلك البلاء لم يأتِ من نفسه الله خلقه فإن لم تستطع أن تتحكم به، فماذا عليك أن تفعل؟ ابحث عمّن يملك السيطرة عليه ويقدر أن يصرفه الآية تخاطبك قائلة: لا تبحث في المكان الخطأ أو البعيد فالذي خلقه، وهو القادر على صرفه، هو الله نحن نتحدث عنه سبحان و تعالى الذي أنعم عليك منذ ولادتك بملايين النعم والهبات طوال حياتك؟ نعم، هذا يعني أنّ رحمته شاملة لك فإذا قدّر الله هذا الأمر فلا بدّ أن هناك خيراً وراءه لابد ان يطمئنك هذا فالله يعلم حالك، وبلا شك سيكون في ذلك خير لك وهو سبحانه يهديك إليه اذن إلى من نلجأ للحماية من هذه الشرور؟ إلى الله، الذي يخلقها ويتحكّم بها قد نحتاج إلى أسباب كثيرة لنكون سعداء لكن سبباً واحداً مفقوداً يكفي لأن نحزن تأمّل مثلاً السيارة تحتاج إلى مئات الأجزاء لتعمل: المقود، المحرّك العادم، وآلاف الأجزاء الصغيرة لكن إن فُقد جزء واحد فقط، فلن تتحرّك وهكذا هي حياتنا أيضاً نعيش ونتقدّم، ولكن أحياناً شيء واحد مفقود يكفي لكي يزيل كل سعادتنا وهذا وحده كافٍ ليُظهر مدى حاجتنا إلى التحصّن فعندما تنقطع صلتك بالله تبدأ الأمور بالاضطراب شيئاً فشيئاً دعنا نحصي الأشياء التي ينبغي أن نستعيذ منها الزلازل، الفيضانات، الكوارث، الأمراض، فقْد الأحبة السحر، الجنّ، الحوادث، الفشل، الاكتئاب الكثير من الأشياء مثلاً، الناس الذين آذوك أحياناً شخص كنت تسميه "أخاً" يقلب حياتك رأساً على عقب وهذا قد يحدث وأحياناً ما يبدو خيراً يكون في حقيقته شرّاً فلذلك حين نقرأ هذه الآية نسأل الله الحماية من هذه الأمور أيضاً فلنتذكّر : "مِن شَرِّ مَا خَلَقَ" علي أن أستعيذ مِن ماذا؟ من شرّ ما خلقه الله وهناك أمر آخر ينبغي أن نستعيذ منه: العين أو الحسد ما هي العين؟ أن ينظر إليك أحدهم بحسد فتصدر منه طاقة سلبية يُعتقد أنها تُحدث خللاً في حياتك والعين تعمل بقوّة في حالتين الأولى: عندما تُعجب بشيء بشكل كبير لكن لا تربطه بالله فمثلاً، بدل أن تقول "ما أجمل ما خلق الله" تقول فقط "إنه جميل جدّاً" وخاصة الأمهات قد يُصبن أبناءهن بالعين من غير قصد الكلمات المليئة بالإعجاب دون قول "ما شاء الله" قد يكون لها أثر قوي أما الحالة الثانية فهي أخطر وهي الحسد هذا النوع من النظرات قد يجلب ضرراً بالغاً للآخر نعوذ بالله لكن كيف أعرف أنني أُصبت بالعين؟ إذا بدأت الأمور كلها تسوء في حياتك وكل ما تحاول الحفاظ عليه يفشل وخاصة إن حدث ذلك بعد نجاح كبير فهذه علامة علي الحسد ولكن لماذا نتحدث عن هذا؟ لأن سورتَي الناس والفلق هما أقوى سورتان للحماية من الحسد ففي سورة القلم، الآية الحادية والخمسين يقول الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: "وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ" فالسؤال الآن: مع كل هذه الأشياء حولنا كيف نحمي أنفسنا من العين؟ أولاً، أن نقرأ سورتي الناس والفلق كل يوم وكل ليلة ثانياً، ألّا نخبر الجميع بنجاحاتنا ثالثاً، أن نحذر من نشر ما يخصّنا في وسائل التواصل فنحن لا نعلم من سيرى ذلك أو ماذا سيشعر عندما يراه فمثلاً، لديك أسرة سعيدة وتنشر صورة مع طفلك لكن من يراها قد يكون محروماً من مثل هذا المشهد وربما لا يكون حاسداً بطبعه لكن إن شعر بالحزن عند رؤيتها فقد يُحدث ذلك أثر العين ذلك الشخص لا يقول "أريد أن أؤذيهم" لكنه لا يدرك أنه يفعل ذلك لذلك علينا أن نلجأ إلى الله للحماية ثم تأتي الآية التالية: "وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ" أي: ومن شرّ الليل إذا أظلم فهنا نستعيذ من ماذا؟ من شرّ الليل إذا أقبل بظلامه لماذا ذكر الله الظلمة؟ لأن الظلمة ترمز إلى المجهول: العقارب، والثعابين، والمخاطر الأخرى في النهار ترى ما حولك أما إذا أظلم الليل...
يصبح إدراك الخطر أصعب ومن الناحية النفسية، الليل يعني الوحدة إنه الوقت الذي تكون فيه مع نفسك تفكّر بعمق وتنغمس في مشاعرك وفي الليل يصبح الإنسان أكثر ضعفاً نفسياً وعاطفياً ولذلك نسأل الله الحماية من شرّ الليل "وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ" أي من شرّ الساحرات اللاتي ينفثن في العقد أي من أهل السحر فنسأل الله أن يحمينا من شرّهم أيها الإخوة والأخوات، لا تستهينوا بأمر السحر وخاصة فيما يتعلق بالزواج مثلاً، يريد أحد أن يتزوّج من فتاة لكن فجأة تتزوج من غيره فيشتد الحسد والغيرة حتى يصل إلى أن يصنع سحراً ليفرّق بين الزوجين وهناك أنواع كثيرة من السحر فلا تقل "لن يحدث لي شيء" فقد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم وكان لذلك أثر ولذلك نحن في حاجة ماسّة إلى سورتي الفلق والناس "وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ" أي من شرّ الشخص الحاسد حين يحسد والحاسد ليس فقط من لا يفرح بما عندك بل هو من يتمنّى زواله عنك فحين يُنعم الله على شخص يقول قلب الحاسد: "لماذا أُعطي هو هذا؟" وهذا أكثر من مجرّد كراهية بل هو اعتراض خفيّ على القدر الذي كتبه الله لنا لأن الذي منح تلك النعمة هو الله تعالى وهذا التفكير، وإن لم يُنطق به كأنه يقول: "الله لم يُحسن التقدير في العطاء" نعوذ بالله ولهذا فالحسد مرض خطير في القلب ولا ينبغي أن نبحث عن الحاسدين في الخارج فقط فقد يكون داخلنا نحن أيضاً فمثلاً، تريد شيئاً لكن والدك لا يهتم ثم ترى ذلك الشيء نفسه مع شخص لا تحبه وقد اشتراه له والده، ويبدو رائعاً في تلك اللحظة أنت في اختبار فالإنسان قد لا يملك منع شعوره الداخلي لكن إن لم ترضَ بهذا الشعور ولم تقم بتحويله إلى عمل فلا إثم عليك فما المقصود بتحويل الشعور إلى فعل؟ أي محاولة إيذاء الشخص الآخر بأي شكل أو ان تشعر بالسعادة إن حدث له اي مكروه في الإسلام، لا يُحاسَب المرء على الشعور أو الخاطر ما لم يتحوّل إلى عمل والحلّ في ثلاث دعوات الأول، أن تدعو لنفسك أن يُزيل الله عنك هذا الشعور الثاني، أن تدعو لمن تشعر تجاهه بالسوء والثالث، وهو الأقوى أن تسأل الله أن يمنح ذلك الشخص خيراً فالدعاء له بالخير يُطهّر الغيرة والحسد من قلبك فأول جريمة قتل بين هابيل وقابيل كانت بسبب الحسد والسبب الذي جعل إبليس يعصي الله ويصبح شيطاناً هو الحسد الذي امتلأ به تجاه نبيّ الله آدم وكثير من النزاعات والمكائد والخلافات التي نراها في العالم خلفها الحسد كما يجب ألا ننسى أن الحسد يحرق الحاسد أولاً فعندما نحسد شخصاً فإننا في الحقيقة نؤذي أنفسنا أكثر نفقد راحتنا الداخلية قبل كل شيء ويظل عقلنا منشغلاً بتلك الأمور على الدوام ذات يوم قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فتمنّى الصحابة أن يعرفوا لماذا هذا الرجل من أهل الجنة فذهب أحد الصحابة ونزل ضيفاً في بيت ذلك الرجل ومكث عنده ثلاثة أيام يراقبه عن قرب يتأمل: ما نوع العبادة التي يقوم بها هذا الرجل لتكون سبباً في دخوله الجنة؟ لكنه لم يجد شيئاً مميزاً في عبادته وفي النهاية أخبره بسبب مجيئه وسأله مباشرة فقال الرجل من أهل الجنة: "اننا أبات لا أحمل في قلبي شيئاً من الحقد" "على أحد من المسلمين" ولا أحسد اي أحد على ما آتاه الله من نعمة أو من خير" فأحياناً الغيرة قد تقود الإنسان إلى النار لكن ترك الحسد والرضا بما قسم الله قد يكون طريقاً إلى الجنة يا له من فاصل دقيق وهنا تنتهي سورة الفلق فلنتذكّر معانيها "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفجر و الصباح" "مِن شَرِّ مَا كل ما خلق من الشرور "وَمِن شَرِّ الظلمة و الظلام" "وَمِن شَرِّ الساحرات اللاتي ينفثن فِي الْعُقَدِ" "وَمِن شَرِّ الحَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ" والآن ننتقل إلى سورة الناس ما معنى "الناس"؟ أي البشر وهنا ايضاً نرى طلب الحماية واللجوء إلى الله ونلمس هذا من أول آية فيها دعوني أسألكم سؤالاً مَن الذي يغرق أكثر؟ مَن يعرف السباحة أم مَن لا يعرفها؟ يُقال إن الذين يعرفون السباحة يغرقون أكثر لأن من لا يعرف السباحة لا يدخل الماء العميق أصلاً فهو حذر ويقول: "لن أقترب، العمق ثلاثة أمتار" "لا أقدر عليه" أما الذي يعرف السباحة فيثق بنفسه فيدخل المياه العميقة ويظن أن كل شيء سيكون على ما يرام لكنه يغفل عن الأخطار الأخرى في البحر فالمشكلة هنا هي الإفراط في الثقة بالنفس "لن يحدث لي شيء" "لا تقلقوا، أستطيع مواجهة أي أمر" مثل هذه العبارات و الشخص الذي يتكلم هكذا يشبه الملاكم الذي يُسقط حذره وفي تلك اللحظة يضرب ضربة عنيفة أيها الإخوة والأخوات، علينا أن نفكر هكذا: قد أضعف أمام الشيطان، وقد يخدعني إنه يعرف نقاط ضعفي ولهذا أحتاج أن أستعيذ بالله منه الآن بعض الناس يأخذون الحيطة يبقون متيقظين ويشاهدون دروساً عن سورتي الفلق والناس وبهذا يحاولون تحصين أنفسهم لكن البعض ما زال يقول: "لن يحدث لي شيء" وهؤلاء يكونون عرضة للشيطان لأن حذرهم منخفض "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3)" أي: أستعيذ برب البشر، وملِكهم وإلههم ثلاثة أسماء ذُكرت: الرب، والملِك، والإله لمن نلجأ و نطلب العون ؟ إلى ربنا، وملِكنا الحق، وإلهنا الواحد وما الذي نتعلمه من ذلك؟ أن هناك أشياء في الدنيا تخيفنا فما هي؟ قد تكون شخصاً، أو مرضاً، أو الموت ربما تفكر: "ماذا سأفعل إن ظلمني هذا الشخص؟" لكن كل ما نخشاه ضعيف أمام قدرة الله اللامتناهية ليس له قوة حقيقية أي أن عليك أن تلجأ إلى الله فالذي تخاف منه هو مخلوق ضعيف يرتجف أمام الله تأمّل الملك الجبّار "نمرود" كان يؤذي الناس ويظلمهم والجميع يخاف منه فماذا فعل الله؟ أرسل جنديّاً صغيراً من جنوده، ذبابة تجاوزت الحراس، وتجاوزت القصر ثم دخلت أنفه ثم وصلت إلى دماغه فبدأ يفقد السيطرة على نفسه ذلك الملِك الذي كان يدّعي الألوهية صار عاجزاً يضرب رأسه بالجدران من شدة الألم ويوماً بعد يوم أكل العذاب جسده الذي كان يظن نفسه حاكم العالم هزمه مخلوق أصغر من ظفر الإنسان الذي كان يُدعى "الملِك العظيم" هزمه الله بإرسال ذبابة وكذلك فرعون فكان يؤذي الناس فلما وصل موسى عليه السلام وقومه إلى البحر خلفهم فرعون وجنده وأمامهم البحر فإلى من لجأ موسى عليه السلام؟ إلى الله، طلباً للحماية فضرب البحر بعصاه فوقعت معجزة انشقّ البحر إلى قسمين وسار موسى وقومه بين جدارين من الماء ثم حاول فرعون أن يتبعهم لكن الماء انطبق عليهم فغرق فرعون وجنوده فماذا نريد أن نفهم من هذا؟ أن نطلب العون ونلجأ إلى مَن؟ إلى ربك، وملِكك، وإلهك لانه لا سلطان أعظم منه ولماذا نلجأ إليه؟ لأن مفاتيح كل شيء بيده وكل الأمور تحت أمره ولا يحدث شيء إلا بإذنه حتى ورقة الشجر لا تسقط إلا بعلمه فكر الله ذو القدرة اللامتناهية ما الذي يمكن ان يعجزه؟ لا شيء الناس والمخلوقات كلها محدودة القدرة أما الله فله السلطان الكامل إن لم يشأ الله شيئاً، فلن يقع وأنا الآن أستعيذ بربي صاحب القدرة التي لا تنفد مِن شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ما معناها؟ أي: من شر الشيطان الذي يوسوس ثم يختفي الذي يلقي الشر في صدور الناس أيها الإخوة والأخوات، ممّ نستعيذ هنا؟ من الوساوس، أي الأفكار التي يهمس بها الشيطان في نفوسنا فنحن نطلب من الله أن يحمينا منها وهنا فرق دقيق جداً فالآية قالت: "الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ" ولم تقل: "في قلوب الناس" فما معنى ذلك؟ أن الشيطان يُلقي الوسوسة في الصدر ويحاول أن يُغريك بالذنب يجعل الأمر يبدو جميلاً أو يقول لك: "لا تصلِّ" أو يحاول أن يزرع فيك أفكاراً تُضعف الأمل والصبر تلك الوسوسة تبقى في الصدر لكنها لم تصل إلى قلبك بعد ولا تصل إلى القلب إلا إذا اخترت ذلك بنفسك إذا عملت بها وقلت في نفسك مثلاً: "لن أصلّي، لن أصلّي" "أنا متعب من الوضوء" "لا أريد الصلاة، عندي مشاكل" حينها تتحول الوسوسة التي كانت في الصدر إلى القلب فماذا يعني "وسوسة" إذن؟ هي وساوس الشيطان حسنا ..
الصوت الذي يأمر بالشر والخواطر التي تمنع من الخير وتُبعدك عن الطاعات كما في الرسوم المتحركة عندما يُصوّر ملاك على الكتف الأيمن وشيطان على الكتف الأيسر الأمر شبيه بذلك الشيطان يوسوس لنا مرات عديدة لكن النقطة المهمة هنا وأخطر ما في الأمر أن كلمات الشيطان قد تبدو وكأنها أفكارك أنت الأحاديث الداخلية، الصور، الكلمات السيئة أحياناً والأفكار التي لديك ليست دائماً من نفسك فمثلاً، تخيّل رجلاً يدعى أحمد كان يفكر بإقامة علاقة بفتاة وفي يوم من الأيام التقى بفتاة في المتجر طلبت منه المساعدة تبادلا الحديث، وأصبح بينهما ألفة بسيطة فقال أحمد في نفسه: "أنا لست مستعداً للزواج الآن" "ربما بعد ست أو سبع سنوات" "في هذه الفترة يجب أن أتعرف عليها أكثر" "وأعرّفها بالإسلام" "ويبدو أنها فتاة طيبة أصلاً" شعر أحمد أن هذه أفكاره الشخصية لكن تمهّل هذه الفكرة خارج حدود الإسلام انها حرام فهذه وسوسة من الشيطان وعندما تميّز هذا الفرق فقد حللت نصف الابتلاء الذي تواجهه فكيف تفرّق؟ هل هي مِن الشيطان أم مِن نفسي؟ إن كانت الفكرة خارج حدود الحلال أو انها تُضعف إيمانك وتُشعرك باليأس فهي من وساوس الشيطان ويجب أن ننتبه لأن الوساوس قد تبدو بريئة في ظاهرها وفي كتب التفسير، ورد أن للشيطان خطة محددة المرحلة الأولى لي و لك وللجميع أن يحاول أن يُوقع الإنسان في الكفر والشرك فهدفه الأول هو الكفر والشرك فإن فشل في ذلك يحاول أن يجرّه إلى الكبائر وهذه هي الخطة الثانية فإن لم ينجح يُلهيه بالصغائر وهي الخطة الثالثة فإن لم يتمكن حتى من ذلك يشغله بالأعمال الفارغة التي لا فائدة منها وإن لم يستطع إشغاله بها يُبعده عن الأعمال ذات الأجر العظيم ويوجهه إلى أعمال ذات أجر أقل أي أن الشيطان لديه أساليب ووساوس متعددة لخداع الناس وبغير الاستعاذة بالله، يستحيل مقاومة مكره لكننا كثيراً ما نتصرف بلا حذر فنظن قائلين: "لن يحدث لي شيء" ثم يأتي يوم نقول فيه: "كنت أصلّي خمس صلوات" "فلماذا توقفت؟" لأنك خفّضت حذرك وكان عدوّك يراقبك، ينتظر لحظة ضعفك فلما حان الوقت، أخذ ما يريده منك وأصبحت في هذا الحال ثم تأتي الآية: "مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ" ما معناها؟ أي: من شياطين الجنّ والإنس وقد قال العالِم الشهير بديع الزمان سعيد النورسي وهو يثبت وجود الشيطان بأن من أكبر الأدلة على وجوده وجود شياطين الإنس فقال: "هل هناك شيطان؟" "نعم، فهناك أناس بيننا يتصرفون مثل الشياطين" "ولو تجرّدوا من أجسادهم البشرية وصاروا غير مرئيين" "لما اختلفوا عن الشياطين في اعمالهم" أولئك الذين يظلمون ويُغوون غيرهم إلى المعصية وينشرون الحرام بين الناس وقد يقع الإنسان في معصية بسبب شهوته و بسبب نفسه الضعيفة الأمارة بالسوء هذا أمر آخر لكن هناك مَن همّهم الدائم هو الفساد ودعوة غيرهم إلى المنكر فهؤلاء شياطين في أجسام بشر ولهذا، عندما نتدبّر قوله تعالى: "في سورة الناس" علينا أن نفهم أنه لا يقتصر على شياطين الجنّ بل يشمل أيضاً شياطين الإنس لأن من يُصرّ على الشرّ والمعصية باستمرار قد يصبح أشر من الشيطان نفسه الشيطان يوسوس فقط أما الإنسان، وربما صديقك فقد يأخذ بيدك ويقودك إلى الحرام وليس فقط بالهمس قد يقترب منك بكلمات مثل: "لماذا ليس لديك صديقة؟ لماذا ليس لديك حبيب؟" "ألست وسيماً؟ ألا تفكر في ذلك؟" "أحد أصدقاء شريكي رآك وأُعجب بك كثيراً" "يمكنكما الخروج معاً" قد يبدو الأمر بريئاً لكن، معاذ الله، أحياناً الشيطان يوسوس للناس من حولنا ويستعملهم الشيطان كأداة للتأثير علينا ولهذا نعلينا ان نستعيذ بالله من شرّ وساوس الجنّ والبشر ليحمينا الله منها فلنتذكّر جميع الآيات: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ البشر جميعاً (1) مَلِكِ البشر (2) إِلَٰهِ البشر (3)" "مِن شَرِّ الشيطان الْوَسْوَاسِ (4)" "الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ البشر جميعاً(5)" "مِنَ الجن ومن البشر (6)" نعم، هكذا تكتمل سورتي الفلق والناس وهناك قول مأثور: "التكرار يعلم الإتقان" فالابتلاءات والمصاعب والمحن التي نمرّ بها هي إنذار من الله تعالى وتذكير لنا بأننا لا نستطيع العيش بدونه ومن خلال هذه الابتلاءات يدعونا الله إلى اللجوء إليه وبسور كهاتين، ومعانيهما العميقة يهدينا الله لطريقه المستقيم والآن علمنا أن الليالي قد تظلم وأن الفتن قد تأتي في الخفاء لكن لدينا ربّ، وملِك، وإله لدينا سورة الفَلَق تشقّ كل ظلمة وسورة الناس تسكت كل وسوسة بعد هذا المقطع، اجعل عادة واحدة فقط تتغيّر في حياتك قبل أن تنام، اقرأ سورتي الفلق والناس كما فعل صلى الله عليه وسلم لكن هذه المرة، اقرأهما بفهم واطلب الحماية، واستسلم لله تذكّر أن كل ليلة تمرّ دون أن تتلو هاتين السورتين تعني أنك خفّضت حذرك أما كل ليلة تتلوهما فيها فقد لبست درعاً من الحماية وحينها لن تجعلك الظلمة عاجزاً لأنك تعلّمت كيف تستعيذ بربّ الفَلَق أول مقطع من هذه السلسلة كان عن سورة الفاتحة الحمد لله، هذا كان مقطعاً عميقاً ومُلهماً لكثير من الناس وفي المقطع القادم من هذه السلسلة سنستمر في الغوس اكتر و سوف نتحدث عن دعاء الاستفتاح "سبحانك اللهم..." وبنهاية هذه السلسلة إن شاء الله سنكون قد فهمنا كل الآيات التي نقرأها وسنصلّي بإخلاص وخشوع حقيقي إن شاء الله ونسير على طريق الجنة الأبدية