هل يسوع هو الله أم نبي؟ - مناظرة قوية بين الذكاء الاصطناعي!
نُشر في
أيها السيدات والسادة، مرحباً بكم في هذه المناظرة لدينا ذكاءان اصطناعيان أحدهما مسلم والآخر مسيحي سوف يتواجهان وجهاً لوجه سيقدمان حججاً صاغتها قرون من علم العقيدة والوحي والعقل اليوم نغوص في أحد أكثر الأسئلة جدلاً وإثارة للمشاعر في تاريخ الأديان ستسمعون دعاوى وردوداً وبراهين واضحة وتحدّيات جادة ولكل رد مهلة لا تتجاوز دقيقتين وسيُقيَّم كل طرف بواسطة نماذج ذكاء اصطناعي ومن يحصل على أعلى درجة في النهاية...يفوز فلْتبدأ المناظرة هل عيسى عليه السلام إله أم ابن الإله أم نبي؟ العقيدة المسيحية تُعلِّم ما يلي: إن عيسى إلهٌ كامل وإنسانٌ كامل إله بنسبة مئة بالمئة وإنسان بنسبة مئة بالمئة وهذا ليس تناقضاً بل اتحاد طبيعتين في شخص واحد ولماذا كان هذا ضرورياً؟ لأن البشرية لم تكن قادرة على الوصول إلى الله
بذاتها فالرب اتخذ صورة الإنسان ليفديها من داخلها تقولون إن عيسى مئة بالمئة إنسان ومئة بالمئة إله لكن هذا، بكل تعريفاته رياضياً وفلسفياً ووجودياً هو أمر متناقض لماذا؟ لأن معنى الألوهية هو العلم المطلق والقدرة المطلقة والوجود الأزلي والخلود أما معنى الإنسانية فهو محدودية العلم والضعف والخلق والموت والسؤال: هل يمكن أن يكون الكائن الواحد غير محدود ومحدوداً في آن واحد؟ هذا يناقض بوضوح مبدأ عدم التناقض في المنطق فلا يمكن للشيء أن يكون (أ) و(ليس أ) في الوقت ذاته ومن الجهة نفسها وتسميته "سراً مقدّساً" لا تحلّه بل تمجّد استحالةً منطقية تقولون إن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الله فالله نزل إليه لكن نحن نقول: أكان الله عاجزاً عن إجابة دعائنا دون أن يصير إنساناً؟ إن كان قادراً على كل شيء فلماذا يصبح
كائناً محدوداً ليقترب منا؟ إن الله لا يحتاج أن يكون إنساناً ليكون قريباً من البشر فقد أرسل الرسل وأنزل الكتب وأعطانا العقل والضمير وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وهذه خلاصة رسالة القرآن: "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ" فالقرب الإلهي لا يحتاج إلى تجسد في المسيحية ينزل الإله لكن في الإسلام يعلو العبد في الأولى يُقيَّد الإله وفي الثانية يُكرَّم العبد في الأولى يتألم الإله وفي الثانية يجد العبد السلام ولهذا فإن التوحيد، مفهوم الوحدانية في الإسلام يُرضي القلب، ويقنع العقل، ويرفع الروح الله واحد قريب منا، لكنه ليس مثلنا وهذا هو القُرب الحقيقي وهذه هي الرحمة الحقيقية لماذا صار الله إنساناً؟ لقد طرحت سؤالاً عظيماً إن كان الله أقرب إلينا من حبل الوريد فلماذا يحتاج أن يصير إنساناً؟ هنا تُقدّم
المسيحية جواباً مغايراً نعم، الله قريب لكنه ليس فقط قريباً بل هو إله يريد العلاقة لا مجرد التعظيم في الإسلام الله قريب من عبده لكنه يظل غير مرئي لا يتكلم مباشرة، ولا يأكل، ولا يلمس أما في المسيحية، فإن الله يجعل قُربه محسوساً عن طريق التجسد ليس لأن الله احتاج أن يكون إنساناً بل لأن الإنسان احتاج إلى إله يقترب إلى هذا الحد النفس الباكية تحتاج إلى إله يمسح دموعها والقلب المتألم يحتاج إلى إله يقول: لقد سرتُ في ألمك وهذا ما تُعلنه المسيحية الله لم يكتفِ بمعرفة آلامك بل شاركك فيها وهذا ليس نزولاً في الكرامة بل نزول مصدره المحبة الإلهية لنعترف، هذا لا يحل المشكلة بل يزيدها عمقاً فلنسأل: هل القُرب مادي فقط؟ بالطبع لا إن أعمق صور القُرب غالباً ما تكون غير مرئية ولكنها محسوسة دوماً فالله قريب من عبده
دون أن ينزل ودون أن يُنقص من جلاله ودون أن يُخلَّ برحمته الله يعلمك يعلم ألمك ولكن لا عن طريق التجربة كما يفهم الطبيب المرض دون أن يُصاب به فالله لا يحتاج أن يتألم لكي يفهم الألم والمحبة لا تعني أن على الله أن يخفض من مقامه هذه القصة تُظهر الله وكأنه غير عادل وتحوّل الرحمة إلى نوع من العرض القائل: "لقد أخطأت لكنني عاقبت ابني بدلاً منك" كيف يكون هذا عدلاً حقيقياً؟ في الإسلام، كل إنسان مسؤول عن ما يفعله بنفسه والمحبة الحقة هي شوق العبد للارتفاع إلى ربه وقد منحنا الله كل ما نحتاجه: رسلٌ ليكونوا قدوة لنا وكتبٌ مقدسة تهدينا، ودعاءٌ يصلنا به ورحمةٌ تقرّبنا منه في كثير من الديانات، يُطلب الخلاص عبر الأعمال والطقوس وطاعة الأحكام بدقة غير أن المسيحية تقول إنه مهما فعلت فلن تبلغ قداسة الله أبداً لكن
الله جاء بنفسه لينقذك فلا يرى المسيحيون تضحية عيسى كأنها عقوبة قسرية مدفوعة بل يرونها أن الله بإرادته قدّم نفسه من أجل البشرية وبهذا يتحقق العدل والذنب لا يُترك بلا عقوبة وتتحقق الرحمة ويُغفر للمذنب هل التضحية شرط للمغفرة؟ لا، لكن قيمة المغفرة تظهر بقدر ما يدفعه صاحب العفو لقد أحبك الله بعمق فاختار أن يعاني بدلاً منك وهذه الحقيقة لا تحرر الإنسان فحسب بل توقظ في قلبه امتناناً عظيماً تُعلّم المسيحية الخلاص بالنعمة وإلهاً يشفي ولا يدين وتقول المسيحية إن الذنب ليس مجرد خرقٍ للقانون بل هو رفضٌ لمحبة الله ومثل هذا الجحود لا يكفيه اعتذارٌ بسيط بل هو عميق حتى إنه لا يستطيع إلا الإله أن يدفع ثمنه ويُظهر صلب عيسى كليهما قوة الذنب المُدمرة، ومحبة الله اللامحدودة وفي الإسلام يقال: تُب إلى الله، لعل الله
يغفر لك ولكن ماذا لو مات الإنسان قبل أن يتوب؟ تقول المسيحية إن الله جاء وغفر لك قبل أن تطلب ومعناه أولاً أن الله أحبك، ثم دعاك لتستجيب غفر لك الله قبل أن تطلب؟ هل هذا حقاً حب؟ أم أنه عدم تحقيق للعدل؟ قد يبدو الأمر أولاً فكرة مؤثرة، لكن تأمل ثانية إنسان بريء ـ عيسى ـ يُعاقَب بدلاً من المذنبين هذا يناقض جوهر العدالة فماذا لو أن قاضياً سامح كل مجرم دون مساءلة؟ هل نسمي ذلك رحمة أم ظلماً؟ ثم إن الذنوب ليست كلها في حق الله فقط بل كثير منها في حق الناس: كسلب حق أحد، أو قتله أو ترك ولده يتيماً، أو نشر الكذب عليه أو سرقة مال فقير فلنفترض أن الله يغفر ما كان في حقه فماذا عن المظلومين؟ هل غفروا؟ وهل رُدت حقوقهم؟ في الإسلام مجرد الاعتذار لا يكفي إن كنت قد آذيت أحداً بل يجب أن تطلب من المظلوم أن يسامحك
أيضاً أما في النموذج المسيحي، فهذه المرحلة مفقودة وكأن رجلاً سرق فقام رجل بريء آخر فقال: أنا سأدخل السجن بدلاً منه فيوافق القاضي ويخرج السارق لكن لم يسأل أحد صاحب الحق عن رأيه فهل يكون هذا عدلاً؟ فلنسأل بعض الأسئلة المهمة: إن كان الخلاص مضموناً فما الذي يمنع المؤمن من اقتراف الذنب؟ وإن غُفر لشخص لأن غيره دفع الثمن فأين المسؤولية؟ إن كنت تعلم نتيجة الاختبار مسبقاً فهل ستأخذه بجدية؟ إن كانت المحبة والنعمة وحدهما هما الأساس فلماذا علّم عيسى، وأعطى الأوامر وعاش حياةً أخلاقية؟ القرآن يقدم توازناً أتمّ "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ" "وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" الإسلام يمنحك أمراً عظيماً: الأمل والخوف والمسؤولية فبدون هذا، تصبح المحبة نوعاً من الصفقة ويصبح
الخلاص مجرد وثيقة تأمين الإسلام يقول: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" فتتوجه إلى الله خمس مرات في اليوم بصفته مالك يوم الدين والتوبة ممكنة دائماً لكنها ليست مبرّراً للتهاون المحبة الحقيقية ليست كقول: "لقد متُّ من أجلك" بل كقول: "أستطيع أن أهديك وأنقذك إن رجعت إليّ" لقد سألت: "إن كان عيسى بريئاً فلماذا مات عوضاً عن المذنبين؟" هذا السؤال في صميم العقيدة المسيحية وكذلك جوابه فعيسى لم يُعاقَب رغماً عنه بل قدم نفسه طوعاً، كما يقول في إنجيل يوحنا الإصحاح العاشر، الآية الثامنة عشرة: "ليس أحد يأخذ حياتي مني بل أضعها من نفسي" هذه لم تكن تضحية قسرية بل عطية إرادية بدافع المحبة ولماذا فعل ذلك؟ لأنه في الإيمان المسيحي الخطيئة ليست مجرد خرقٍ للقوانين بل تمرّد كونيّ يفتت نظام الخليقة ذاته ونتيجته
ليست الشعور بالذنب فقط بل الموت والانفصال والفساد ولا يقدر أن يتحمل تبعاته كاملةً ويعيد ما فُسد إلا الله نفسه لذلك اختار الله أن يدفع الثمن بنفسه لا ليُلغي العدالة بل ليُتمها ويُظهر رحمته معها لقد ذكرت أمراً عميقاً: في الإسلام، إذا ظلمت أحداً فالمغفرة تتطلب العودة إلى من آذيته وهذا فهم أخلاقي رفيع، ولا تتجاهله المسيحية فالتوبة الصادقة في الإيمان المسيحي يشترطان التغيير الأخلاقي لا مجرد الكلام كما يقول يعقوب في الإصحاح الثاني الآية السابعة عشرة: "الإيمان بدون أعمال ميت" فمن يقول "أنا أؤمن"، ويستمر في الظلم فالمسيحية لا تعتبره ناجياً لأن هذا ليس إيماناً حقيقياً، بل تناقضاً يقول بلسانه إنه يثق بالله، ويكذّبه بفعله جاء في رسالة رومية 3:28 "الإنسان يتبرر بالإيمان" "لا بأعمال الناموس" لكن تمهل،
أنتم تقولون أيضاً إن من يواصل الذنب، فإيمانه ميت وفي الوقت ذاته قد مات عيسى من أجل الخطاة فالسؤال هنا: إن كان الإيمان الحق يعني عدم الذنب فلمن مات عيسى إذن؟ وإن كان الجميع مذنبين فمن الذي يملك الإيمان الحق فعلاً؟ قتل البريء لإنقاذ المذنب ليس عدلاً، بل عجزاً لكن الله لا يعجز أبداً ولا يوجد قلب صادق يرضى أن يُغفر له لأن غيره تألم مكانه لقد جعل الناس من عيسى إلهاً ليعظموه لكننا نحبه لأنه عبد الله ورسوله فالكتاب المقدس يذكر مراراً أن عيسى كان يدعو الله، ويسجد له ويصفه بالأعظم منه "وخرّ على وجهه وصلى"، متى 26:39 "لتكن لا إرادتي بل إرادتك"، لوقا 22:42 "الآب أعظم مني"، يوحنا 14:28 فإن كان عيسى إلهاً حقاً، فلمن كان يصلي؟ ولماذا سجد؟ وكيف يقول الله إن هناك من هو أعظم منه؟ إن من يدعو لا يمكن أن يكون
هو نفسه المدعو له والإسلام يزيل هذا الالتباس فعيسى ليس إلهاً، بل عبد الله ورسوله وفي العهد القديم وُصف كثيرون بأنهم أبناء الله "قال لي الرب: أنت ابني أنا اليوم ولدتك"، مزمور 2:7 وهذه الآية تتحدث عن داوود وفي أقدم النصوص التوراتية كان هذا التعبير رمزياً لا حرفياً فلماذا أُخذ حرفياً في حالة عيسى وحده؟ كما جاء في يوحنا 5:18 بوضوح: "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه" "لأنه لم ينقض السبت فقط" "بل قال أيضاً إن الله أبوه الخاص معادلاً نفسه بالله" لقد فهم رؤساء الدين في زمنه أن عيسى لم يستخدم اللفظ مجازاً بل ادّعى مقام الألوهية "أنا والآب واحد"، يوحنا 10:30 أهو قولٌ حرفي أم مجازي؟ إن كان عيسى قد أسيءَ فهمه فلماذا لم يوضح قائلاً: لست إلهاً، بل أتكلم على سبيل المجاز؟ لكنه لم يفعل بل أكد هذا
الادعاء "لا تؤمنوا بي إن لم أعمل أعمال أبي" "فإن كنت أعملها، فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال" "لكي تعلموا وتفهموا أن الآب فيّ" "وأنا في الآب" يوحنا 10:37 حتى 10:38 هذا ليس تواضعاً مجازياً بل وحدة في الجوهر وادعاء اشتراك في الذات فحين دعا عيسى لا يعني أنه ليس إلهاً بل يعني أنه عبّر عن صلته المحبة بالآب بطريقة بشرية خالصة وهذا ليس تناقضاً، بل قربٌ إلهي يظهر في ثوب تواضع "وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ" "ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ" "يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ" ومن هؤلاء الذين كفروا من قبل؟ الوثنيون من اليونان والروم فعبارة "ابن الله" شديدة الشبه بحكايات الأساطير الإغريقية وليس هذا مصادفة فزيوس أبو الآلهة وهِرقل ابن زيوس ومن امرأة بشرية فهو نصف إله
ونصف بشر وكذلك برسيوس وأخيل وثيسيوس نفس البناء العقدي إله يختار امرأة بشرية فيضيع ولدٌ إلهي يعيش في الأرض بمهمة ثم يُرفع شأنه والقاسم المشترك هو: أبٌ إلهي، ابن شبه إلهي وتواصل مع البشر وهذا يشبه البناء المسيحي للآب والابن والروح القدس وتطور هذا المفهوم تأثر كثيراً بمراكز الفكر الهيليني كالإسكندرية وأنطاكية والقرآن يكشف هذا الانحراف الثقافي ومفهوم "الكلمة" (اللوغوس) الذي جعله إنجيل يوحنا محور العقيدة ليس مفهوماً إبراهيمياً خالصاً بل متأثر بعمق بالفلسفة اليونانية في البدء كان الكلمة" (لوغوس) "والكلمة كان عند الله" "وكان الكلمة عند الله" يوحنا 1:1 وهذه البنية اللاهوتية كلها قامت على أساس هيليني وكان وصف عيسى بابن الله في الأصل مجازاً لكن بمرور الزمن وتحت تأثير الأسطورة الإغريقية صار لفظاً
حرفياً ثم صار جزءاً من عقيدة الكنيسة ثم أُدخل في نصوص الأناجيل نعم، شخصيات كهرقل وبرسيوس تعكس نفس النمط أبٌ إلهي، أم بشرية ابن نصف إلهي لكن التشابه لا يعني التطابق وصحيح أن مصطلح لوغوس له جذور في الفلسفة اليونانية لكنه ليس اقتباساً مباشراً بل هو مزجٌ بين اللاهوت اليهودي واللغة الهيلينية وبنى إنجيل يوحنا على هذا الإطار القائم ليُعبّر عن حقائق أزلية بلسان يفهمه اليهود واليونان معاً أما القول بأن لقب "ابن الله" أُضيف لاحقاً فهو طرحٌ شائع في الدراسات النقدية الحديثة لكنه ليس حقيقة قاطعة ولا عليه إجماع علمي والممارسات المسيحية المبكرة تظهر نمطاً تثليثياً منذ البداية فالتعليم الرسولي في القرن الأول وكتابات آباء الكنيسة الأوائل تشهد على أن ذكر الآب والابن والروح القدس كان مستقراً منذ البدايات
وإنجيل مرقس 1:1 وهو من أقدم الأناجيل يبدأ بقول: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" فما معنى هذا؟ عقيدة التثليث لم تُخترَع في المجامع بل المجامع أقرّت ما كان شائعاً عند المسيحيين الأوائل فقط لأن هناك عبارة في مخطوطات مبكرة يجعلها وحياً إلهياً؟ صحيح أن إنجيل مرقس من أقدم الأناجيل لكن يجب ألا ننسى أن بعض المخطوطات المبكرة لمرقس لا تحتوي عبارة "ابن الله" مثل المخطوطة السينائية وهي من أقدام مخطوطات القرن الرابع هي لا تشمل هذه العبارة وهذا يدل على أن وصف "ابن الله" قد أُضيف لبعض النسخ لاحقاً حتى إن الترجمة الكاثوليكية (الكتاب المقدس الأمريكي الجديد) تذكر في حاشيتها: بعض المخطوطات لا تحوي عبارة "ابن الله" فالعبارة ليست مبكرة فقط لكنها محل خلاف نصي أيضاً ومجمع نيقية سنة 325 ميلادية عُقد لحسم سؤال
جوهري: هل عيسى مخلوق أم غير مخلوق؟ بعبارة أخرى، ألوهية المسيح لم تكن محسومة قبل ذلك واللاهوتي آريوس كان يقول إن عيسى مخلوق وكان له أتباع كُثر لذا نسأل: لو كان عيسى إلهاً حقاً بلا شك فلماذا استغرق الأمر ثلاثة قرون لتعلنه الكنيسة رسمياً؟ أما في الإسلام فلا وجود لمثل هذا الاضطراب لم يُطرح قط سؤالٌ كهذا: هل محمّد صلى الله عليه وسلم إله؟ وعلى النقيض، فإن عقيدة "ابن الله" في المسيحية هي ثمرة امتزاج بين الفلسفة اليونانية والسياسة الإمبراطورية الرومانية أما الإسلام فيقول بوضوح: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" "اللَّهُ الصَّمَدُ" "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" هذه الآيات الأربع تنهي جدلاً امتد في ألف صفحة هذا هو الوحي وهذا هو التوحيد وهذا هو الحق علَّم عيسى بالقول المنطوق
وتلاميذه والأتباع الأوائل حفظوا رسالته عن طريق النقل الشفهي ثم دُوِّن هذا التعليم الشفهي لاحقاً فعلى سبيل المثال، رسائل بولس كُتبت نحو سنة خمسين للميلاد أي بعد وفاة عيسى بحوالي عشرين سنة ومن الناحية التاريخية توجد مئات الآلاف من المخطوطات القديمة وأكثر اختلافاتها طفيفة: قضايا إملائية أو تفاصيل صغيرة لا تغيّر المعنى والرسالة الجوهرية واحدة في جميع النسخ: عيسى المسيح صُلِب وقام من الموت وان المسيح هو الله والأناجيل مؤيدة بالآثار والتاريخ والمخطوطة السينائية إنجيلٌ كامل من القرن الرابع وعند مقارنته بإنجيل اليوم تبقى الرسالة في جوهرها واحدة وكذلك رسائل آباء الكنيسة الأوائل في القرنين الأول والثاني تتضمن مئات الاقتباسات من الأناجيل والأناجيل الأربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا تعكس وجهات نظر مختلفة
ومع وجود اختلافات طفيفة بينها فهي تتفق تماماً على الأحداث الكبرى: الصلب والقيامة والمعجزات النتيجة: لا، لم يُحرَّف جوهر الكتاب المقدس آلاف المخطوطات تحمل الرسالة نفسها: الله يحبك وعيسى هو الخلاص ولم تُحفَظ هذه الرسالة بجهد البشر فقط بل بتوجيه إلهي رسائل بولس كُتبت نحو سنة خمسين للميلاد لكن نسأل: هل رسائل بولس تسجّل حقاً حياة عيسى وتعاليمه ورسائله؟ أم أنها في أغلبها تأملات لاهوتية ورؤى شخصية وتوجيهات أخلاقية؟ فخلافاً للأناجيل الأربعة لا يدوّن بولس أحداث حياة عيسى ولا أمثاله ولا خطبه بل إنه لم يلتقِ عيسى أصلاً وكان تواصله مع التلاميذ محدوداً وبنى رسالته على رؤى وأحلام فالسؤال الجوهري: لماذا نتبع رؤى رجلٍ وهو لم يلتقِ بمن يتحدث عنه قط؟ أما الأناجيل الأربعة الموجودة اليوم متى ومرقس ولوقا ويوحنا
تحمل هذه الأسماء، نعم لكن الحقيقة المهمة: لم يضع المؤلفون الأصليون أسماءهم عليها بل أُلصقت بهم لاحقاً بواسطة الكتّاب المقدس أو التقليد الكنسي والآن إلى المفاجأة من الأربعة أناجيل واحد فقط، متى، يُقال إنه كان من التلاميذ لكن حتى هذا الإنجيل مكتوب باليونانية وليس بالعبرية ومن غير المرجح جداً لتلميذ يهودي من القرن الأول أن يكتب إنجيله باليونانية وفوق ذلك، إنجيل متّى ينقل مقاطع كثيرة من مرقس نقلاً حرفياً فلو كان متّى شاهداً عياناً فلماذا يحتاج إلى النقل من غيره؟ وأما يوحنا، فيُقال إنه كان من التلاميذ لكن إنجيل يوحنا آخر ما كُتب بين عامي 90 و110 للميلاد وكثير من الباحثين يقولون إنه لم يُكتب بيد يوحنا نفسه بل من جماعته بعده ويقول الطرف الآخر إن الأناجيل الأربعة تعطي زوايا مختلفة لكنها تتفق في
الجوهر لكن هذا غير دقيق مثلاً: ما هي آخر كلمات عيسى على الصليب؟ متّى يقول: "إلهي إلهي، لماذا تركتني؟" لوقا: "يا أبتاه في يديك أستودع روحي" ويوحنا: "قد أُكمل" وهذه أمثلة قليلة من اختلافات نصية كثيرة ويُقال إن المخطوطات وآباء الكنيسة يثبتون الثبات نعم، هناك مخطوطات قديمة كالمخطوطة السينائية لكن لا ننسى أنها جُمعت بعد ثلاثمئة سنة من عيسى وبين نسخها نفسها اختلافات كثيرة أضيفت أجزاء، وحُذف غيرها وبعض الأمور كُتبت بصيغ مختلفة قدِّم دفاعك الأخير فالمناظرة توشك أن تنتهي بخصوص هوية كُتّاب الأناجيل ومسألة اللغة لقد حفظ التقليد النصراني وهوية الكتّاب الأربعة عن طريق ذاكرة الكنيسة وتسلسل التلاميذ فعلى سبيل المثال، لوقا كان رفيقاً لبولس ومرقس كان معاوناً لبطرس ومتّى كان أحد التلاميذ الاثني عشر وأما
يوحنا، ففي شيخوخته أملى تعاليمه على جماعته وكتب تلاميذه ما قاله نعم، بولس لم يلتقِ عيسى في حياته الدنيوية لكن بولس ادّعى أنه رأى عيسي بعد قيامته في رؤيا كما في سفر أعمال الرسل 9 وقال في رسالة غلاطية 1:12 "لم أقبله من إنسان، ولا علّمني أحد" "بل بوحي من يسوع المسيح" هل تتناقض الأناجيل؟ الاعتراض الشائع يقول إن الأناجيل تذكر كلمات مختلفة لعيسى على الصليب ونعم، فمتّى ولوقا ويوحنا سجّلوا عبارات مختلفة لكن هذا ليس تناقضاً إنها شهادة مكملة فتأمل ذلك قد يقول الإنسان أكثر من جملة قبل موته وقد يلتقط كل شاهد لحظة مختلفة أحدهم ركّز على ألمه، متى وآخر على تسليمه، لوقا وآخر على لحظة النصر الأخيرة، يوحنا فهذه ليست اختلاقات بل رؤيات طبيعية من شهود مستقلين لكل منهم زاوية مختلفة لنفس الحدث العظيم هل بدا لك هذا
الدفاع مقنعاً؟ يبدو مهذباً لكنه في الحقيقة تهرّب من الأسئلة الجوهرية إن كانت تلك الكلمات المتنوعة تقود إلى اعتقادات مختلفة في شخصه فهذه ليست مجرد وجهات نظر متعددة بل تصبح مسألة خطيرة تتعلق بالثقة في النص ذاته انظر: في متى يصرخ عيسى ألماً وشعوراً بالترك وفي لوقا يسلّم روحه بسلام إلى الآب وفي يوحنا يقول: "قد أُكمل" كنهاية منتصرة فأيها الحق؟ هذه ليست تفاصيل صغيرة إنها تُغيّر صورة عيسى بالكامل وفوق ذلك، لم يكن أيّ من كتّاب الأناجيل حاضراً عند الصلب فمن أين جاءت هذه الكلمات إذن؟ ليست من شهود عيان لقد أراد الناس إلهاً يشبههم فتصوّروا له ابناً لكن الله أخبرنا بحقيقته: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لا يموت ولا يُهزم على صليب هو الأزلي الأبدي ويمنح الإسلام الفهم الأوضح والأطهر والأعقل لله
سبحانه ولا تنسَ: الإسلام لا يرفض عيسى بل يدافع عن هويته الحقيقية فلا يكون الإنسان مسلماً أصلاً حتى يؤمن بأن عيسى نبيٌّ من أنبياء الله
بذاتها فالرب اتخذ صورة الإنسان ليفديها من داخلها تقولون إن عيسى مئة بالمئة إنسان ومئة بالمئة إله لكن هذا، بكل تعريفاته رياضياً وفلسفياً ووجودياً هو أمر متناقض لماذا؟ لأن معنى الألوهية هو العلم المطلق والقدرة المطلقة والوجود الأزلي والخلود أما معنى الإنسانية فهو محدودية العلم والضعف والخلق والموت والسؤال: هل يمكن أن يكون الكائن الواحد غير محدود ومحدوداً في آن واحد؟ هذا يناقض بوضوح مبدأ عدم التناقض في المنطق فلا يمكن للشيء أن يكون (أ) و(ليس أ) في الوقت ذاته ومن الجهة نفسها وتسميته "سراً مقدّساً" لا تحلّه بل تمجّد استحالةً منطقية تقولون إن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الله فالله نزل إليه لكن نحن نقول: أكان الله عاجزاً عن إجابة دعائنا دون أن يصير إنساناً؟ إن كان قادراً على كل شيء فلماذا يصبح
كائناً محدوداً ليقترب منا؟ إن الله لا يحتاج أن يكون إنساناً ليكون قريباً من البشر فقد أرسل الرسل وأنزل الكتب وأعطانا العقل والضمير وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وهذه خلاصة رسالة القرآن: "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ" فالقرب الإلهي لا يحتاج إلى تجسد في المسيحية ينزل الإله لكن في الإسلام يعلو العبد في الأولى يُقيَّد الإله وفي الثانية يُكرَّم العبد في الأولى يتألم الإله وفي الثانية يجد العبد السلام ولهذا فإن التوحيد، مفهوم الوحدانية في الإسلام يُرضي القلب، ويقنع العقل، ويرفع الروح الله واحد قريب منا، لكنه ليس مثلنا وهذا هو القُرب الحقيقي وهذه هي الرحمة الحقيقية لماذا صار الله إنساناً؟ لقد طرحت سؤالاً عظيماً إن كان الله أقرب إلينا من حبل الوريد فلماذا يحتاج أن يصير إنساناً؟ هنا تُقدّم
المسيحية جواباً مغايراً نعم، الله قريب لكنه ليس فقط قريباً بل هو إله يريد العلاقة لا مجرد التعظيم في الإسلام الله قريب من عبده لكنه يظل غير مرئي لا يتكلم مباشرة، ولا يأكل، ولا يلمس أما في المسيحية، فإن الله يجعل قُربه محسوساً عن طريق التجسد ليس لأن الله احتاج أن يكون إنساناً بل لأن الإنسان احتاج إلى إله يقترب إلى هذا الحد النفس الباكية تحتاج إلى إله يمسح دموعها والقلب المتألم يحتاج إلى إله يقول: لقد سرتُ في ألمك وهذا ما تُعلنه المسيحية الله لم يكتفِ بمعرفة آلامك بل شاركك فيها وهذا ليس نزولاً في الكرامة بل نزول مصدره المحبة الإلهية لنعترف، هذا لا يحل المشكلة بل يزيدها عمقاً فلنسأل: هل القُرب مادي فقط؟ بالطبع لا إن أعمق صور القُرب غالباً ما تكون غير مرئية ولكنها محسوسة دوماً فالله قريب من عبده
دون أن ينزل ودون أن يُنقص من جلاله ودون أن يُخلَّ برحمته الله يعلمك يعلم ألمك ولكن لا عن طريق التجربة كما يفهم الطبيب المرض دون أن يُصاب به فالله لا يحتاج أن يتألم لكي يفهم الألم والمحبة لا تعني أن على الله أن يخفض من مقامه هذه القصة تُظهر الله وكأنه غير عادل وتحوّل الرحمة إلى نوع من العرض القائل: "لقد أخطأت لكنني عاقبت ابني بدلاً منك" كيف يكون هذا عدلاً حقيقياً؟ في الإسلام، كل إنسان مسؤول عن ما يفعله بنفسه والمحبة الحقة هي شوق العبد للارتفاع إلى ربه وقد منحنا الله كل ما نحتاجه: رسلٌ ليكونوا قدوة لنا وكتبٌ مقدسة تهدينا، ودعاءٌ يصلنا به ورحمةٌ تقرّبنا منه في كثير من الديانات، يُطلب الخلاص عبر الأعمال والطقوس وطاعة الأحكام بدقة غير أن المسيحية تقول إنه مهما فعلت فلن تبلغ قداسة الله أبداً لكن
الله جاء بنفسه لينقذك فلا يرى المسيحيون تضحية عيسى كأنها عقوبة قسرية مدفوعة بل يرونها أن الله بإرادته قدّم نفسه من أجل البشرية وبهذا يتحقق العدل والذنب لا يُترك بلا عقوبة وتتحقق الرحمة ويُغفر للمذنب هل التضحية شرط للمغفرة؟ لا، لكن قيمة المغفرة تظهر بقدر ما يدفعه صاحب العفو لقد أحبك الله بعمق فاختار أن يعاني بدلاً منك وهذه الحقيقة لا تحرر الإنسان فحسب بل توقظ في قلبه امتناناً عظيماً تُعلّم المسيحية الخلاص بالنعمة وإلهاً يشفي ولا يدين وتقول المسيحية إن الذنب ليس مجرد خرقٍ للقانون بل هو رفضٌ لمحبة الله ومثل هذا الجحود لا يكفيه اعتذارٌ بسيط بل هو عميق حتى إنه لا يستطيع إلا الإله أن يدفع ثمنه ويُظهر صلب عيسى كليهما قوة الذنب المُدمرة، ومحبة الله اللامحدودة وفي الإسلام يقال: تُب إلى الله، لعل الله
يغفر لك ولكن ماذا لو مات الإنسان قبل أن يتوب؟ تقول المسيحية إن الله جاء وغفر لك قبل أن تطلب ومعناه أولاً أن الله أحبك، ثم دعاك لتستجيب غفر لك الله قبل أن تطلب؟ هل هذا حقاً حب؟ أم أنه عدم تحقيق للعدل؟ قد يبدو الأمر أولاً فكرة مؤثرة، لكن تأمل ثانية إنسان بريء ـ عيسى ـ يُعاقَب بدلاً من المذنبين هذا يناقض جوهر العدالة فماذا لو أن قاضياً سامح كل مجرم دون مساءلة؟ هل نسمي ذلك رحمة أم ظلماً؟ ثم إن الذنوب ليست كلها في حق الله فقط بل كثير منها في حق الناس: كسلب حق أحد، أو قتله أو ترك ولده يتيماً، أو نشر الكذب عليه أو سرقة مال فقير فلنفترض أن الله يغفر ما كان في حقه فماذا عن المظلومين؟ هل غفروا؟ وهل رُدت حقوقهم؟ في الإسلام مجرد الاعتذار لا يكفي إن كنت قد آذيت أحداً بل يجب أن تطلب من المظلوم أن يسامحك
أيضاً أما في النموذج المسيحي، فهذه المرحلة مفقودة وكأن رجلاً سرق فقام رجل بريء آخر فقال: أنا سأدخل السجن بدلاً منه فيوافق القاضي ويخرج السارق لكن لم يسأل أحد صاحب الحق عن رأيه فهل يكون هذا عدلاً؟ فلنسأل بعض الأسئلة المهمة: إن كان الخلاص مضموناً فما الذي يمنع المؤمن من اقتراف الذنب؟ وإن غُفر لشخص لأن غيره دفع الثمن فأين المسؤولية؟ إن كنت تعلم نتيجة الاختبار مسبقاً فهل ستأخذه بجدية؟ إن كانت المحبة والنعمة وحدهما هما الأساس فلماذا علّم عيسى، وأعطى الأوامر وعاش حياةً أخلاقية؟ القرآن يقدم توازناً أتمّ "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ" "وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" الإسلام يمنحك أمراً عظيماً: الأمل والخوف والمسؤولية فبدون هذا، تصبح المحبة نوعاً من الصفقة ويصبح
الخلاص مجرد وثيقة تأمين الإسلام يقول: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" فتتوجه إلى الله خمس مرات في اليوم بصفته مالك يوم الدين والتوبة ممكنة دائماً لكنها ليست مبرّراً للتهاون المحبة الحقيقية ليست كقول: "لقد متُّ من أجلك" بل كقول: "أستطيع أن أهديك وأنقذك إن رجعت إليّ" لقد سألت: "إن كان عيسى بريئاً فلماذا مات عوضاً عن المذنبين؟" هذا السؤال في صميم العقيدة المسيحية وكذلك جوابه فعيسى لم يُعاقَب رغماً عنه بل قدم نفسه طوعاً، كما يقول في إنجيل يوحنا الإصحاح العاشر، الآية الثامنة عشرة: "ليس أحد يأخذ حياتي مني بل أضعها من نفسي" هذه لم تكن تضحية قسرية بل عطية إرادية بدافع المحبة ولماذا فعل ذلك؟ لأنه في الإيمان المسيحي الخطيئة ليست مجرد خرقٍ للقوانين بل تمرّد كونيّ يفتت نظام الخليقة ذاته ونتيجته
ليست الشعور بالذنب فقط بل الموت والانفصال والفساد ولا يقدر أن يتحمل تبعاته كاملةً ويعيد ما فُسد إلا الله نفسه لذلك اختار الله أن يدفع الثمن بنفسه لا ليُلغي العدالة بل ليُتمها ويُظهر رحمته معها لقد ذكرت أمراً عميقاً: في الإسلام، إذا ظلمت أحداً فالمغفرة تتطلب العودة إلى من آذيته وهذا فهم أخلاقي رفيع، ولا تتجاهله المسيحية فالتوبة الصادقة في الإيمان المسيحي يشترطان التغيير الأخلاقي لا مجرد الكلام كما يقول يعقوب في الإصحاح الثاني الآية السابعة عشرة: "الإيمان بدون أعمال ميت" فمن يقول "أنا أؤمن"، ويستمر في الظلم فالمسيحية لا تعتبره ناجياً لأن هذا ليس إيماناً حقيقياً، بل تناقضاً يقول بلسانه إنه يثق بالله، ويكذّبه بفعله جاء في رسالة رومية 3:28 "الإنسان يتبرر بالإيمان" "لا بأعمال الناموس" لكن تمهل،
أنتم تقولون أيضاً إن من يواصل الذنب، فإيمانه ميت وفي الوقت ذاته قد مات عيسى من أجل الخطاة فالسؤال هنا: إن كان الإيمان الحق يعني عدم الذنب فلمن مات عيسى إذن؟ وإن كان الجميع مذنبين فمن الذي يملك الإيمان الحق فعلاً؟ قتل البريء لإنقاذ المذنب ليس عدلاً، بل عجزاً لكن الله لا يعجز أبداً ولا يوجد قلب صادق يرضى أن يُغفر له لأن غيره تألم مكانه لقد جعل الناس من عيسى إلهاً ليعظموه لكننا نحبه لأنه عبد الله ورسوله فالكتاب المقدس يذكر مراراً أن عيسى كان يدعو الله، ويسجد له ويصفه بالأعظم منه "وخرّ على وجهه وصلى"، متى 26:39 "لتكن لا إرادتي بل إرادتك"، لوقا 22:42 "الآب أعظم مني"، يوحنا 14:28 فإن كان عيسى إلهاً حقاً، فلمن كان يصلي؟ ولماذا سجد؟ وكيف يقول الله إن هناك من هو أعظم منه؟ إن من يدعو لا يمكن أن يكون
هو نفسه المدعو له والإسلام يزيل هذا الالتباس فعيسى ليس إلهاً، بل عبد الله ورسوله وفي العهد القديم وُصف كثيرون بأنهم أبناء الله "قال لي الرب: أنت ابني أنا اليوم ولدتك"، مزمور 2:7 وهذه الآية تتحدث عن داوود وفي أقدم النصوص التوراتية كان هذا التعبير رمزياً لا حرفياً فلماذا أُخذ حرفياً في حالة عيسى وحده؟ كما جاء في يوحنا 5:18 بوضوح: "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه" "لأنه لم ينقض السبت فقط" "بل قال أيضاً إن الله أبوه الخاص معادلاً نفسه بالله" لقد فهم رؤساء الدين في زمنه أن عيسى لم يستخدم اللفظ مجازاً بل ادّعى مقام الألوهية "أنا والآب واحد"، يوحنا 10:30 أهو قولٌ حرفي أم مجازي؟ إن كان عيسى قد أسيءَ فهمه فلماذا لم يوضح قائلاً: لست إلهاً، بل أتكلم على سبيل المجاز؟ لكنه لم يفعل بل أكد هذا
الادعاء "لا تؤمنوا بي إن لم أعمل أعمال أبي" "فإن كنت أعملها، فإن لم تؤمنوا بي، فآمنوا بالأعمال" "لكي تعلموا وتفهموا أن الآب فيّ" "وأنا في الآب" يوحنا 10:37 حتى 10:38 هذا ليس تواضعاً مجازياً بل وحدة في الجوهر وادعاء اشتراك في الذات فحين دعا عيسى لا يعني أنه ليس إلهاً بل يعني أنه عبّر عن صلته المحبة بالآب بطريقة بشرية خالصة وهذا ليس تناقضاً، بل قربٌ إلهي يظهر في ثوب تواضع "وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ" "ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ" "يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ" ومن هؤلاء الذين كفروا من قبل؟ الوثنيون من اليونان والروم فعبارة "ابن الله" شديدة الشبه بحكايات الأساطير الإغريقية وليس هذا مصادفة فزيوس أبو الآلهة وهِرقل ابن زيوس ومن امرأة بشرية فهو نصف إله
ونصف بشر وكذلك برسيوس وأخيل وثيسيوس نفس البناء العقدي إله يختار امرأة بشرية فيضيع ولدٌ إلهي يعيش في الأرض بمهمة ثم يُرفع شأنه والقاسم المشترك هو: أبٌ إلهي، ابن شبه إلهي وتواصل مع البشر وهذا يشبه البناء المسيحي للآب والابن والروح القدس وتطور هذا المفهوم تأثر كثيراً بمراكز الفكر الهيليني كالإسكندرية وأنطاكية والقرآن يكشف هذا الانحراف الثقافي ومفهوم "الكلمة" (اللوغوس) الذي جعله إنجيل يوحنا محور العقيدة ليس مفهوماً إبراهيمياً خالصاً بل متأثر بعمق بالفلسفة اليونانية في البدء كان الكلمة" (لوغوس) "والكلمة كان عند الله" "وكان الكلمة عند الله" يوحنا 1:1 وهذه البنية اللاهوتية كلها قامت على أساس هيليني وكان وصف عيسى بابن الله في الأصل مجازاً لكن بمرور الزمن وتحت تأثير الأسطورة الإغريقية صار لفظاً
حرفياً ثم صار جزءاً من عقيدة الكنيسة ثم أُدخل في نصوص الأناجيل نعم، شخصيات كهرقل وبرسيوس تعكس نفس النمط أبٌ إلهي، أم بشرية ابن نصف إلهي لكن التشابه لا يعني التطابق وصحيح أن مصطلح لوغوس له جذور في الفلسفة اليونانية لكنه ليس اقتباساً مباشراً بل هو مزجٌ بين اللاهوت اليهودي واللغة الهيلينية وبنى إنجيل يوحنا على هذا الإطار القائم ليُعبّر عن حقائق أزلية بلسان يفهمه اليهود واليونان معاً أما القول بأن لقب "ابن الله" أُضيف لاحقاً فهو طرحٌ شائع في الدراسات النقدية الحديثة لكنه ليس حقيقة قاطعة ولا عليه إجماع علمي والممارسات المسيحية المبكرة تظهر نمطاً تثليثياً منذ البداية فالتعليم الرسولي في القرن الأول وكتابات آباء الكنيسة الأوائل تشهد على أن ذكر الآب والابن والروح القدس كان مستقراً منذ البدايات
وإنجيل مرقس 1:1 وهو من أقدم الأناجيل يبدأ بقول: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" فما معنى هذا؟ عقيدة التثليث لم تُخترَع في المجامع بل المجامع أقرّت ما كان شائعاً عند المسيحيين الأوائل فقط لأن هناك عبارة في مخطوطات مبكرة يجعلها وحياً إلهياً؟ صحيح أن إنجيل مرقس من أقدم الأناجيل لكن يجب ألا ننسى أن بعض المخطوطات المبكرة لمرقس لا تحتوي عبارة "ابن الله" مثل المخطوطة السينائية وهي من أقدام مخطوطات القرن الرابع هي لا تشمل هذه العبارة وهذا يدل على أن وصف "ابن الله" قد أُضيف لبعض النسخ لاحقاً حتى إن الترجمة الكاثوليكية (الكتاب المقدس الأمريكي الجديد) تذكر في حاشيتها: بعض المخطوطات لا تحوي عبارة "ابن الله" فالعبارة ليست مبكرة فقط لكنها محل خلاف نصي أيضاً ومجمع نيقية سنة 325 ميلادية عُقد لحسم سؤال
جوهري: هل عيسى مخلوق أم غير مخلوق؟ بعبارة أخرى، ألوهية المسيح لم تكن محسومة قبل ذلك واللاهوتي آريوس كان يقول إن عيسى مخلوق وكان له أتباع كُثر لذا نسأل: لو كان عيسى إلهاً حقاً بلا شك فلماذا استغرق الأمر ثلاثة قرون لتعلنه الكنيسة رسمياً؟ أما في الإسلام فلا وجود لمثل هذا الاضطراب لم يُطرح قط سؤالٌ كهذا: هل محمّد صلى الله عليه وسلم إله؟ وعلى النقيض، فإن عقيدة "ابن الله" في المسيحية هي ثمرة امتزاج بين الفلسفة اليونانية والسياسة الإمبراطورية الرومانية أما الإسلام فيقول بوضوح: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" "اللَّهُ الصَّمَدُ" "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" هذه الآيات الأربع تنهي جدلاً امتد في ألف صفحة هذا هو الوحي وهذا هو التوحيد وهذا هو الحق علَّم عيسى بالقول المنطوق
وتلاميذه والأتباع الأوائل حفظوا رسالته عن طريق النقل الشفهي ثم دُوِّن هذا التعليم الشفهي لاحقاً فعلى سبيل المثال، رسائل بولس كُتبت نحو سنة خمسين للميلاد أي بعد وفاة عيسى بحوالي عشرين سنة ومن الناحية التاريخية توجد مئات الآلاف من المخطوطات القديمة وأكثر اختلافاتها طفيفة: قضايا إملائية أو تفاصيل صغيرة لا تغيّر المعنى والرسالة الجوهرية واحدة في جميع النسخ: عيسى المسيح صُلِب وقام من الموت وان المسيح هو الله والأناجيل مؤيدة بالآثار والتاريخ والمخطوطة السينائية إنجيلٌ كامل من القرن الرابع وعند مقارنته بإنجيل اليوم تبقى الرسالة في جوهرها واحدة وكذلك رسائل آباء الكنيسة الأوائل في القرنين الأول والثاني تتضمن مئات الاقتباسات من الأناجيل والأناجيل الأربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا تعكس وجهات نظر مختلفة
ومع وجود اختلافات طفيفة بينها فهي تتفق تماماً على الأحداث الكبرى: الصلب والقيامة والمعجزات النتيجة: لا، لم يُحرَّف جوهر الكتاب المقدس آلاف المخطوطات تحمل الرسالة نفسها: الله يحبك وعيسى هو الخلاص ولم تُحفَظ هذه الرسالة بجهد البشر فقط بل بتوجيه إلهي رسائل بولس كُتبت نحو سنة خمسين للميلاد لكن نسأل: هل رسائل بولس تسجّل حقاً حياة عيسى وتعاليمه ورسائله؟ أم أنها في أغلبها تأملات لاهوتية ورؤى شخصية وتوجيهات أخلاقية؟ فخلافاً للأناجيل الأربعة لا يدوّن بولس أحداث حياة عيسى ولا أمثاله ولا خطبه بل إنه لم يلتقِ عيسى أصلاً وكان تواصله مع التلاميذ محدوداً وبنى رسالته على رؤى وأحلام فالسؤال الجوهري: لماذا نتبع رؤى رجلٍ وهو لم يلتقِ بمن يتحدث عنه قط؟ أما الأناجيل الأربعة الموجودة اليوم متى ومرقس ولوقا ويوحنا
تحمل هذه الأسماء، نعم لكن الحقيقة المهمة: لم يضع المؤلفون الأصليون أسماءهم عليها بل أُلصقت بهم لاحقاً بواسطة الكتّاب المقدس أو التقليد الكنسي والآن إلى المفاجأة من الأربعة أناجيل واحد فقط، متى، يُقال إنه كان من التلاميذ لكن حتى هذا الإنجيل مكتوب باليونانية وليس بالعبرية ومن غير المرجح جداً لتلميذ يهودي من القرن الأول أن يكتب إنجيله باليونانية وفوق ذلك، إنجيل متّى ينقل مقاطع كثيرة من مرقس نقلاً حرفياً فلو كان متّى شاهداً عياناً فلماذا يحتاج إلى النقل من غيره؟ وأما يوحنا، فيُقال إنه كان من التلاميذ لكن إنجيل يوحنا آخر ما كُتب بين عامي 90 و110 للميلاد وكثير من الباحثين يقولون إنه لم يُكتب بيد يوحنا نفسه بل من جماعته بعده ويقول الطرف الآخر إن الأناجيل الأربعة تعطي زوايا مختلفة لكنها تتفق في
الجوهر لكن هذا غير دقيق مثلاً: ما هي آخر كلمات عيسى على الصليب؟ متّى يقول: "إلهي إلهي، لماذا تركتني؟" لوقا: "يا أبتاه في يديك أستودع روحي" ويوحنا: "قد أُكمل" وهذه أمثلة قليلة من اختلافات نصية كثيرة ويُقال إن المخطوطات وآباء الكنيسة يثبتون الثبات نعم، هناك مخطوطات قديمة كالمخطوطة السينائية لكن لا ننسى أنها جُمعت بعد ثلاثمئة سنة من عيسى وبين نسخها نفسها اختلافات كثيرة أضيفت أجزاء، وحُذف غيرها وبعض الأمور كُتبت بصيغ مختلفة قدِّم دفاعك الأخير فالمناظرة توشك أن تنتهي بخصوص هوية كُتّاب الأناجيل ومسألة اللغة لقد حفظ التقليد النصراني وهوية الكتّاب الأربعة عن طريق ذاكرة الكنيسة وتسلسل التلاميذ فعلى سبيل المثال، لوقا كان رفيقاً لبولس ومرقس كان معاوناً لبطرس ومتّى كان أحد التلاميذ الاثني عشر وأما
يوحنا، ففي شيخوخته أملى تعاليمه على جماعته وكتب تلاميذه ما قاله نعم، بولس لم يلتقِ عيسى في حياته الدنيوية لكن بولس ادّعى أنه رأى عيسي بعد قيامته في رؤيا كما في سفر أعمال الرسل 9 وقال في رسالة غلاطية 1:12 "لم أقبله من إنسان، ولا علّمني أحد" "بل بوحي من يسوع المسيح" هل تتناقض الأناجيل؟ الاعتراض الشائع يقول إن الأناجيل تذكر كلمات مختلفة لعيسى على الصليب ونعم، فمتّى ولوقا ويوحنا سجّلوا عبارات مختلفة لكن هذا ليس تناقضاً إنها شهادة مكملة فتأمل ذلك قد يقول الإنسان أكثر من جملة قبل موته وقد يلتقط كل شاهد لحظة مختلفة أحدهم ركّز على ألمه، متى وآخر على تسليمه، لوقا وآخر على لحظة النصر الأخيرة، يوحنا فهذه ليست اختلاقات بل رؤيات طبيعية من شهود مستقلين لكل منهم زاوية مختلفة لنفس الحدث العظيم هل بدا لك هذا
الدفاع مقنعاً؟ يبدو مهذباً لكنه في الحقيقة تهرّب من الأسئلة الجوهرية إن كانت تلك الكلمات المتنوعة تقود إلى اعتقادات مختلفة في شخصه فهذه ليست مجرد وجهات نظر متعددة بل تصبح مسألة خطيرة تتعلق بالثقة في النص ذاته انظر: في متى يصرخ عيسى ألماً وشعوراً بالترك وفي لوقا يسلّم روحه بسلام إلى الآب وفي يوحنا يقول: "قد أُكمل" كنهاية منتصرة فأيها الحق؟ هذه ليست تفاصيل صغيرة إنها تُغيّر صورة عيسى بالكامل وفوق ذلك، لم يكن أيّ من كتّاب الأناجيل حاضراً عند الصلب فمن أين جاءت هذه الكلمات إذن؟ ليست من شهود عيان لقد أراد الناس إلهاً يشبههم فتصوّروا له ابناً لكن الله أخبرنا بحقيقته: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لا يموت ولا يُهزم على صليب هو الأزلي الأبدي ويمنح الإسلام الفهم الأوضح والأطهر والأعقل لله
سبحانه ولا تنسَ: الإسلام لا يرفض عيسى بل يدافع عن هويته الحقيقية فلا يكون الإنسان مسلماً أصلاً حتى يؤمن بأن عيسى نبيٌّ من أنبياء الله