حمزة وعمر يُسلمان! - تصوير بالذكاء الاصطناعي - يا رسول | الحلقة 3
نُشر في
"اللهم أعزَّ الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك" "بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" هذا الدعاء دعا به رسولُ الله ﷺ كان ذلك في السنة الخامسة من نبوته على الرغم من كل جهوده الدؤوبة كان عدد المسلمين لا يزال قليلاً جدّاً، نحو مئةٍ وأربعين إيماناً وروحاً، كانوا أعظم من أهل مكة جميعاً لكنهم من حيث العدد كانوا قلّةً قليلة على مرّ التاريخ، كان الناس يتأثرون بالآخرين وخاصةً بالشخصيات المعروفة والآن في مكة، حان الوقت لبعض أصحاب النفوذ أن يدخلوا في كنف الإسلام هذه السلسلة المرئية تستند إلى مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثقة جميع الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي أعدت بالتشاور مع علماء مسلمين مؤهلين وبما يوافق الضوابط الإسلامية كان الاسم الحقيقي لأبي جهل هو عمرو بن هشام وكان أبرز ما ميّزه ذكاؤه وثراؤه وكان يُكنّى بأبي الحَكم وذلك لحكمه الشديدة لكن عماه التامّ عن أعظم حقيقة في الكون وتعذيبه الدائم الوحشي للمسلمين حوّلاه في نظر الله، إلى أبي جهل أي "صحب الجهالة" وما ميّز عمر بن الخطاب كان حكمته، ورجاحة عقله، وشجاعته وإحساسه بالعدل ومنذ الأيام الأولى للإسلام، كان من أشدّ الناس وأقساهم على المسلمين لم يظهر أي تسامح مع المسلمين، بل كان يُعذّب بعضهم ليتركوا الإسلام في تلك الأيام كان قلبه قاسياً إلى حدّ أنه كان يضرب إحدى الصحابيات، لُبَيْنَة لمجرد أنها اعتنقت الإسلام وكان إذا تعب من الضرب وتوقف لحظة قال لها: "لا تظني أنني أرحمك" "إنما أتوقف لأنني مُنهَك" "فإذا استعدت قوتي سأواصل، ولن أتوقف" "حتى تتركي دينك" كان أبو جهل وعمر بن الخطاب متشابهين في عداوتهما للإسلام ومع ذلك، كان رسولُ الله ﷺ مفعماً بالأمل حتى إنه لم ييأس حتى من هذين الرجلين وكان رحيماً إلى درجة أنه دعا لهما بالهداية وعلى الرغم من كل ما فعلاه ظل يرفع يديه بهذا الدعاء: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك" "بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" وبعد كل ما لقيه المسلمون من شدائد في مكة جمع رسولُ الله ﷺ أصحابه يوماً وقال: "تفرَّقوا في الأرض؛ فإنَّ اللهَ تعالى سيجمعُكم" ولكن إلى أين يذهبون؟ "يا رسول الله ﷺ، إلى أين نذهب؟" فأشار رسولُ الله ﷺ بيده وقال: "هاهنا" فكان يُشير إلى أرض تُنال بالسفر بحراً "إنَّ بأرضِ الحبشةِ مَلِكًا لا يُظلَمُ عندَه أحد" "وهي أرضُ صِدقٍ" "فالحقوا ببلادِه حتى يجعلَ اللهُ لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه" وهكذا ستكون أول هجرة في الإسلام إلى تلك الأرض: الحبشة، وهي إثيوبيا اليوم وفي شهر رجب خرج خمسة عشر من الصحابة من ميناء الشّعيبة نحو أرض الرجاء تخيّل نفسك في ذلك الموقف ألن يكون من الصعب جداً القيام بهذه الرحلة؟ أنت لا تدري ما الذي ينتظرك في المكان الذي تقصده وفوق ذلك، عليك أن تترك وراءك أحباءك وبيتك، وبلدك وكل ما تستطيع حمله معك سيكون محدوداً للغاية إنه شعور مُثقِل، صحيح؟ لكن في نظر الصحابة لم يكن هناك شيئاً أثمن بالنسبة لهم من دين الله الحياةُ الأبديةُ في الآخرة كانت فوق كل شيء ولعلَّ بعضَ الناسِ العطشي إلى الحقِّ في تلك الأرض يهتدون كذلك إلى النور وبعد بضعة أشهر من خروج المجموعة الأولى خرجت مجموعةٌ أخرى وكانت بقيادة جعفر بن أبي طالب وكانت جماعةً من 101 شخصاً، فيهم 18 امرأة وأما الذين بقوا، فلم يبقوا ليحيوا حياةً أيسر بل إن حالهم كان أشدَّ صعوبة كان الجميع يمرّون بزمانٍ مليءٍ بالبذل والتضحية فماذا عن رسولِ الله ﷺ؟ أكان من الذين خرجوا؟ لا كان دائماً حيث يكون الخطرُ والتوتّرُ في ذروتهما في مقدّمة الصفوف مهما وقع له كان يقدم التضحيات اللازمة مع اتخاذه الأسباب وعلى الرغم من خطر الاغتيال الدائم لم يتراجع عن رسالته قط بل وكان لاحقاً من آخر من هاجروا إلى المدينة وفي أيام المدينة، كلما حدث اضطرابٌ أو فوضى كان يركب فرساً على الفور ويكون أول من يصل إلى الموضع وفي يوم بدر، كان أقربَ الناس إلى العدو وفي يوم أُحد، وفي أشدِّ اللحظات صعوبة كان هو الذي جمع الصحابة حوله من جديد يُقال إن الشجاعة تنبع من الإيمان وكان هو خيرَ مثالٍ على ذلك وماذا عن قريش؟ كيف كان ردُّهم على الهجرة إلى الحبشة؟ لم يُبالوا كثيراً بالمجموعة الأولى "سمعتُ أن نفراً من أتباع ابن أخيك ينتقلون إلى الحبشة" "لا تسمِّه ابن أخي" "وإن أرادوا الخروج فليخرجوا" "ألم نكن نحاول التخلّص منهم أصلاً؟" ثم سكت لكنهم لما رأوا أن الناس يزدادون ذهاباً إلى الحبشة بدأوا يهلعون "ماذا لو بدأ الأحباش يدخلون في الإسلام أيضاً؟" "وماذا لو حاولوا نشر الإسلام هناك؟" "وماذا لو اكتسبوا قوةً لا تُقاوَم؟" لقد أدركوا ذلك متأخرين وحين أدركوه أخيراً، استولت عليهم رهبةٌ شديدة فاجتمعوا على الفور في دار الندوة كان عليهم أن يقرّروا خطوتهم المضادّة كانت دار الندوة على النقيض التام من دار الأرقم فبينما كانت الأولى تنشر النور، كانت الأخرى تنشر الظلام وفي هذا المكان بعينه كانوا يدبّرون مكائدهم ضد الإسلام وفي ذلك اليوم اجتمع قادة قريش مرةً أخرى ومهما كان الثمن، كان لا بد من إعادة المسلمين وكان يمكن ذلك إمّا بتصوير المسلمين للأحباش على أنهم متمردون أو بعرض الإسلام على حكّامهم بصورةٍ سلبية بمعني أخر، كان عليهم اللجوء إلى التلاعب، بل والافتراء وبهذه الطريقة كانوا يأملون ايقافهم لم يريدوا للصحابة الذين أُكرهوا على ترك وطنهم أن يجدوا طمأنينةً حتى هناك وأخيراً، صدر القرار من دار الندوة داهية العرب، عمرو بن العاص تم اختياره للذهاب إلى الحبشة وبمهارته الفريدة في الإقناع سيَسأل النجاشيّ أن يُسلّمه المسلمين وكان عمرو يعرف النجاشي معرفةً جيدة وكان خبيراً بأحوال الحبشة، ويعلم تماماً من يُقابل وكيف يكلّمهم فاختار هدايا ثمينة تُرضي الملك، وانطلق مع صديقٍ له وكانت خطتهم أولاً أن يكسبوا تأييد رجال البلاط بتقديم الهدايا وإجراء أحاديث لطيفة وكان أكبر ما يخشونه أن يستدعي الملكُ الصحابة ويسمع القصة منهم مباشرة وكانوا يقولون في أنفسهم: "إن ساند كبارُ المسؤولين عمرو" "فلن يرى الملك حاجةً إلى ذلك" "وسيُقضى الأمر بسهولة" وبدأ عمرو يعثر على من كان يريد لقاءه واحداً بعد واحد، ونفّذ خطته حتى نال أخيراً التأييد الذي كان يطلبه وحان الوقت ليمثل بين يدي الملك وبعد أن أظهر الاحترام وحيّا النجاشي، بدأ عمرو يتكلم "أيها الملك، لقد جئنا نحذّرك من هؤلاء القوم" "الذين كانوا يعيشون بيننا فأفسدوا شؤوننا" "وهم الآن يسعون لإفساد دينك، وأرضك، وشعبك" "هؤلاء بعضُ شبابنا الجهّال" "فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينك" "وجاؤوا بدينٍ مبتدعٍ" "لا نعرفه نحن ولا أنت" وكان دينُ الملك النصرانية، وكان عمرو يعرف ذلك: "وإنهم لا يؤمنون بألوهية المسيح" "وإذا دخلوا عليك" "لا يسجدون لك" "فأسلِمْهم إلينا، ونحن نتولى أمرهم بما يستحقون" فبدأ المسؤولون الذين رشاهم يدعمونه لكن الملك كان رجلاً حكيماً فلم يأخذ كلام عمرو على ظاهره بل قام باستدعاء المسلمين وأراد أن يسمع جانبهم من القصة أيضاً فماذا سيحدث الآن؟ على جانبٍ وقف عمرو بن العاص بحدّة ذهنه وبلاغته وعلى الجانب الآخر جعفر بن أبي طالب بشجاعته وصدقه كان خطيبان بارعان على وشك أن يواجها أحدهما الآخر وكانت إحدى أشدّ المناظرات في تاريخ السيرة على وشك أن تبدأ وقبل أن يردّ على الاتهامات، طلب جعفر طلباً واحداً: أن يتكلم واحدٌ فقط من رسولي قريش دون الآخر فوافق عمرو وتقدّم ثم طرح جعفر ثلاثة أسئلة: "أَعبيدٌ نحن أم أحرار؟ فإن كنّا عبيداً أبَقْنا من أربابِنا، فاردُدْنا إليهم" "هل أَهْرَقْنا دماً بغير حقٍّ" "فيُقتَصُّ منّا؟" "هل أَخَذْنا أموالَ الناس بغير حقٍّ" "فعلينا قضاؤُها؟" وفي كل مرة كان الجواب: لا وهكذا سُئِلوا: ما هذا الدين؟ فتابع جعفرٌ كلامه "أيها الملك!
كنا قوما أهل جاهلية" "نعبد الأصنام، ونأكل الميتة" "ونأتي الفواحش" "ونقطع الأرحام" "ونسيء الجوار" "يأكل القوي منا الضعيف" "فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا نبياً ورسولاً منا" "نعرف نسبه وصدقه" "وأمانته وعفافه" "فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده" "ونخلع ما كنا نعبد" "نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان" "وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة" "وصلة الرحم، وحسن الجوار" "والكف عن المحارم، والدماء" "ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم" "وقذف المحصنة" "فصدقناه، وآمنا به" "واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده" "فعدا علينا قومنا" "فعذبونا وفتنونا عن ديننا" "ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز وجل" "فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك" "واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك" "ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك" لخّصت كلمات جعفرٍ أيما تلخيص قصةَ السيرة كلها إلى هذا الموضع ما كان يمكن أن يستغرق ساعاتٍ في الشرح لخّصه في دقائق معدودة وكان النجاشي، وهو يستمع، يمتلئ بالإعجاب لقد تأثر قلبه بشدة واشتد فضوله إلى هذا الدين الجديد ولأنه كان نصرانيّاً، كان يعلم أن الإنجيل فيه بشاراتٌ كثيرة بمجيء النبي الخاتم وكان النبي الذي تحدث عنه جعفرٌ مطابقاً لهذه الصفات فقال النجاشي: "هل معك" "مما جاء به الله من شيء؟ "نعم" "فاقرأه علىَّ" لقد قدَّر الله، العليمَ بالماضي والحاضر والمستقبل أن تُنزَّل سورةُ مريم قبيل هجرة الصحابة إلى الحبشة بقليل ولأن الملك نصرانيّاً، فهذه السورة كانت نعمةً عظيمة ففطن جعفرٌ إلى هذا الفضل وتلا أولَ خمسٍ وثلاثين آيةً من سورة مريم وأصغى الملكُ والقساوسة بكامل انتباههم يتشوّقون لسماع كلام الله الذي يُخاطبهم وكانت الآيات تتحدث عن نبي الله زكريا ويحيى وتذكر كيف حملت مريمُ بعيسى عليه السلام وكيف وُلد من غير أب، وكيف تكلم في المهد وكيف أرسله الله نبيّاً ومع كل كلمة كانت مشاعرهم تزداد فيضاً وانهمرت الدموع من عيني الملك حتى ابتلّت لحيته وبكى القساوسة كذلك معه كانت تلك الكلمات بعينها مما كانت أرواحهم تشتاق إليه كيف عاشوا كل تلك السنين من دونها؟ أما رسولا قريش فقد ظلّا صامتين تماماً لا يملكان إلا مشاهدة هذا المشهد تغيّرت نظرةُ الملك للمسلمين وتعاظم احترامه وإعجابه بهم إلى حدٍّ كبير "إن هذا وما جاء به عيسى" "ليخرج من مشكاة واحدة" ثم التفت إلى عمرو وصاحبه : "انطلقا" "فلا والله لا أسلمهم إليكم ولا أكاد" لقد مُني عمرو بن العاص بهزيمةٍ قاصمة وانتهت كل مساعيه إلى خيبة أمل ولما خرج من مجلس الملك كان يغلي غضباً لم يُرِد أن يستسلم ويقبل بالهزيمة وقال في نفسه: "لا يمكن أن يكون هذا آخر الأمر" "لا بد من طريقٍ آخر" والآن كان أشدَّ إصراراً ووضع خطةً جديدة وفي اليوم التالي سيقوم بخطوةٍ مختلفة وكان على يقين أن رد الفعل لن يكون كما كان اليوم "والله" "لآتينه غداً عنهم" "بما أستأصل به خضراءهم" وفي أثناء ذلك، كانت أحداث عظيمة علي وشك الوقوع في مكة وقريش ستُزلزَل من أعماقها حين ترى بعضَ وجوهها البارزة يدخلون في الإسلام وسيتلقى عبدةُ الأصنام ضربةً بعد ضربة وسيستجيب الله للدعاء العظيم الذي دعا به رسولُه ﷺ وخلال هجرة المسلمين إلى الحبشة لقي عمرُ إحدى الصحابيات، ليلى "أفأنتم راحلون؟" والجواب الذي سمعه جعله يفكر كثيراً "نعم، نذهب إلى أرضٍ أخرى من أرض الله" "لقد عذّبتمونا وظلمتونا" "وسنقيم هناك حتى يجعل الله لنا فرجاً ومخرجاً" فصمت عمر كأنه كان يحاسب نفسه على كل ما فعله بالمسلمين "صحبكم الله في طريقكم" ولاحقاً عندما تحدثت ليلى عن هذه الحادثة قالت "رأيتُ فيه ليناً ورحمةً لم أرَهما منه من قبل" "كأن رحيلنا قد أحزنه" وبعد قليل، لما عاد زوجُها عامر أخبرته بما جرى "أترجين حقّاً أن يُسلم عمر؟" "نعم، أرجو ذلك" فأجاب عامر ساخراً: "اعلمي هذا جيداً" "ذلك الرجل لن يُسلم أبداً" "حتى تري حمارَ الخطاب قد أسلم" لقد تركت قسوةُ عمر إلى ذلك الحين هذا الانطباع عند الناس ومع ذلك، فقد خطا خطوةً قبل أبي جهل ولم يكن تحويل ذلك القلب وتغييره على الله بعسير كما جاء في الحديث القدسي: "وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" وهذه الخطوة لم تكن لتذهب سُدى وكان ثمة أمرٌ مشتركٌ في قصتيهما معاً ففي أوقاتٍ مختلفة، كانا يقتربان خفيةً من رسول الله ﷺ ليستمعا إلى القرآن لم يكن أبو جهل يريد أن يقول الناس: "انظروا، إنه يستمع إلى القرآن" لكن في أعماقه كان فضوله يشتعل كان يريد أن يسمعه وفي ليلةٍ من الليالي، دون أن يخبر أحداً اقترب سرّاً من بيت النبي ﷺ واختبأ في ناحيةٍ وبدأ يستمع إلى رسول الله ﷺ وهو يتلو القرآن في صلاته كان غارقاً في الإصغاء، شارداً في التفكير وقد بلغ به التأثر مبلغاً لدرجة انه حين انصرف أخيراً كان الفجر قد طلع لقد ظل يستمع لساعات وفي طريق عودته، صادف أبا سفيان والأخنس بن شريق وهما من قادة قريش واتضح أن الثلاثة جميعاً، من غير أن يعلم بعضهم ببعض قد جاءوا إلى هناك للسبب نفسه "لا نعد إلى هنا لنستمع مرةً أخرى" "فإن رآنا أحد، غرس ذلك الشك في قلوبهم لا محالة" لقد اهتز أبو جهل من أعماقه لما سمع ولم يكن النبي ﷺ قطُّ ممن اشتغلوا بالشعر أو الأدب طوال حياته كلها بل حتي لم يكن يعرف القراءةَ ولا الكتابة فكيف تصدر كلماتٌ بهذه القوة وهذا الجمال من رجلٍ مثله؟ حتى طريقته المعتادة في الكلام لم تكن بهذه البلاغة لم يكن الأمر معقولاً فبدأ أبو جهلٍ يشكّ لم يستطع أن يمنع نفسه، وأراد أن يعود مرةً أخرى ومضت تلك الليلة كالتي سبقتها جلس ساعاتٍ يستمع إلى النبي ﷺ وهو يتلو القرآن وعند بزوغ الفجر خرج من مخبئه وفي طريق عودته إلى بيته صادف نفس الرجلين مرةً أخرى وكانا قد جاءا للسبب نفسه وكما فعلوا في المرة الماضية حذّر بعضُهم بعضاً ثم افترقوا لكن فضول أبي جهلٍ لم يزدد إلا اشتداداً وفي الليلة التالية، مرةً أخرى لم يقوَ على المقاومة وفعل الأمر نفسه ومرةً أخرى، حين انتهى كل شيء، صادف الرجلين نفسيهما كانا يعيشان الصراعَ نفسه الذي يعيشه أبو جهل ولهذا كانا يفعلان الأمر نفسه وفي المستقبل، كلاهما سيُسلم في نهاية المطاف وخوفاً من أن يراهُم أحد فتنجذب القلوب إلى الإسلام تعاهدوا فيما بينهم ألا يعودوا إلى ذلك أبداً وخلال تلك الليالي الثلاث شهد الرسائل العظيمة والمعاني العميقة التي أنزلها الله لكنه فوق ذلك كله، رأى بعينيه أن الرجل الذي كان يصفه بالكذب كان يقضي الليل كله في صلاةٍ وعبادةٍ حتى الصباح فلو كان أمره، معاذَ الله، باطلاً، فلماذا يفعل ذلك؟ وأي نفعٍ يرجوه منه؟ ومع ذلك، لم يترك كبرياءه القبلي ولا حقده، ولا حسده إنما كان همّه الوحيد أن يظل الناس يعبدون الأصنام دون أن يدخلهم شكّ وبهذه الطريقة، أضاع فرصةَ الإيمان التي وُضعت بين يديه اذن ماذا عن تجربةِ عمر؟ على خلاف أبي جهل، لم تكن لديه تلك النية أصلاً في ليلةٍ عند الكعبة صادف رسولَ الله ﷺ وهو يصلّي فاقترب منه في هدوء وقال في نفسه "والله!
مهما يكن" "لأقفنَّ الليلة فأستمع إلى ما يتلوه محمد" كان رسولُ الله ﷺ يتلو سورةَ الحاقّة وبينما كان عمر يستمع، أَسَرَه سلاسةُ جريان الألفاظ وعمقُ معانيها لكنه لم يكن ليستسلم للإيمان بسهولة وأثناء استماعه للقرآن قال في نفسه: "لعل هذا الرجل شاعرٌ حقّاً، كما تقول قريش" وفي تلك اللحظة نفسها، بلغ النبي ﷺ الآيةَ الحادية والأربعين من سورة الحاقة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ" فتجمّد عمر في مكانه وقال في نفسه: "كأنه يعلم ما كنت أفكر فيه الآن" "فلعله كاهن" فقرأ النبي صلي الله عليه وسلم الآية التي تلتها مباشرة "وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ" فاندهش عمرُ دهشةً عظيمة وحاول أن يفهم ما الذي يجري ثم أكمل الرسول صلي الله عليه و سلم باقي ايات السورة "تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" وهكذا ظل يستمع حتى انتهت السورة لقد زلزل هذا الحدثُ كيانه من الأعماق وهكذا زُرعت بذرةُ الإيمان في قلبه ولكن ما الذي سيجعل تلك البذرة تنمو؟ خبرٌ سيُحدِث رجّةً في مكة كلها: إسلامُ اسمٍ عظيم، عمِّ رسول الله ﷺ: حمزة لكن قبل أن نصل إلى ذلك لنعد إلى الحبشة ونلتقط الخيط من حيث تركناه جعفر بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، والنجاشي أصحمة في اليوم الثاني، كانت محاورةٌ أخرى على وشك أن تقع بين الثلاثة هذه المرة كانت خطةُ عمرو مختلفة ولعلمه أن الملك نصراني ولعلمه بما يقوله الإسلام عن النصرانية قرّر أن يدخل عليه من هذا الباب دخل مجلس الملك وقال بثقة "أيها الملك" "إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً" "فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه" لكن بعد ما حدث بالأمس صار الملك أشدَّ حذراً من أن يُستدرَج بالتلاعب ولن يسمح لأحدٍ أن يخدعه فاستُدعي جعفرٌ وسائر الصحابة مرةً أخرى ولكن ما الذي منح عمرو الثقة ليعود إلى الملك ويثير هذه المسألة من جديد؟ أكان المسلمون يعتقدون شيئاً يغضب الملك حقّاً؟ أكانوا، معاذَ الله، يعدّون عيسى رجلاً ضالّاً؟ كلا، أبداً بل كان نبيّاً آتاه الله كتاباً بل إنه من بين أكثر من مئة ألف نبي كان من الخمسة العظام، أولي العزم من الرسل أوَكان المسلمون يطعنون في أمه مريم كما فعل يهود ذلك الزمان؟ أكانوا يزعمون أن عيسى، معاذَ الله، وُلد من الزِنا؟ حاشا وكلا كانت مريمُ طاهرةً عفيفةً من الصالحات، التي اصطفاها الله وكان ميلادُ عيسى معجزةً بلا أب فأين كان موضع الاختلاف إذن؟ لقد جعل الإسلام الأمرَ في غاية الوضوح: "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله تخيّل نفسك هناك لن يكون سهلاً أن تقف بين يدي ملكٍ وتخبره أن من كان يراه إلهاً، أي عيسى، ليس بإله عاقبةُ مثل هذا الكلام غيرُ مضمونة وقد تكون خطرةً كذلك فماذا قرر الصحابة فيما بينهم قبل الدخول إلى مجلس الملك؟ "والله" "لن نقول إلا ما قال الله فيه" "وما أخبرنا به نبينا ﷺ" "كائناً في ذلك ما هو كائن" وأخيراً، تكلّم جعفر وبيّن للملك ما يُعلّمه الإسلام عن عيسى ومريم، كما أُوحي به تماماً فكيف كان ردُّ فعل الملك؟ كان عمرو ينتظر بشوق هذه المرة بدا أن الأمور قد تنجح فمد النجاشيُّ يدَه إلى الأرض فأخذ منها عوداً، ثم قال: "والله ما عدا عيسى ابنَ مريم ما قلتَ هذا العود" " أي انه لا يوجد أدنى اختلاف" "ولا بمقدار هذا العود" ومرةً أخرى فشلت مساعي عمرو "اخفضوا أصواتكم، إنه يراقبنا" وبدأ بعضُ رجال البلاط يهمهمون اعتراضاً لم يَرُق لهم ما سمعوا لكن الملك التفت إليهم وقال: "وإن نخرتم والله" "فهذا هو الحق" ثم عاد إلى الصحابة وقال: "اذهبوا" "أنتم آمنون تماماً في أرضي" "ما أحبُّ أن لي دَبْراً من ذهبٍ، وأني آذيتُ رجلاً منكم" كان عمرو قد صار قَلِقاً كيف سيعود إلى مكة بعد هذه الخيبة والآن صار عليه أيضاً أن يواجه غضبَ الملك وأمر النجاشي: "رُدّوا عليهما هداياهما" "فلا حاجةَ لي بها" "فوالله ما أخذ اللهُ مني الرشوةَ حين ردَّ عليَّ مُلكي" "فآخذُ الرشوةَ فيه؟" ومع أن أكثر قومه لم يقبلوا الإسلام فإن النجاشي نفسه عاش مسلماً صادقاً، ومات علي ذلك وبعد سنين، وبينما كان رسولُ الله ﷺ جالساً بين أصحابه قال فجأة: "مات أخوكم النجاشي" "فقوموا فصلّوا عليه" ثم من مئات الأميال بعيداً صلّى عليه صلاةَ الجنازة ولما بلغ خبرُ وفاته المدينة بعد أسبوع علموا أنه مات في اليوم نفسه الذي صلّوا فيه عليه صلاةَ الجنازة قد تقول: "لكن تلك كانت أرضاً مختلفة " "وثقافةً مختلفة " "أفلا يكون من الصعب على رجل في بلدٍ بعيدٍ كهذا" "أن يتكيف مع الإسلام؟" لا، لأن الناس جميعاً خُلقوا على الفطرة نفسها ولأن الدين الذي أرسله الخالق لم يأتِ يوماً بأمرٍ مثل: "غيّر ثقافتك، أو أمّتك، أو هويتك" ولما كان الإسلام مُرسلاً للناس كافة لم يجد الملكُ مشقةً في أن يعيش هذا الدين فما كان اسمُه قبل ذلك؟ أصحمة وبعد إسلامه؟ ظل أصحمة لباسه هو لباسه ، وهويته هي هويته ولم يترك تقاليده، بطبيعة الحال، مع مراعاة ما هو حلالٌ وما هو حرام بل إن النجاشي صار مثالاً لمن لم يولدوا في بلاد المسلمين ولمن يقول: "الدخول في الإسلام صعبٌ عليّ" "وحياتي ستتغيّر تغيّراً كاملاً" "لقد أثبت النجاشي منذ مئات السنين أن الأمر ليس كذلك أبداً" كانت كل كلمةٍ من كلام النجاشي تجلب للصحابة فرجاً بعد فرج وأن يُصدّق ملكٌ رسولَ الله ﷺ كان خبراً عظيماً أما لقريش فكان ذلك كارثة ولربما كان خيراً لهم لو أنهم لم يرسلوا أحداً أصلاً ولم يعلموا أن تدبيرَ الله كان يجري من وراء مكرهم وهذا لم يكن إلا البداية فقريباً، ستنزل بهم ضربتان كبيرتان كان حمزة قريبَ السن من رسول الله ﷺ رجلاً شجاعاً عظيمَ الهيبة قويّاً، محترماً، تهابه أهل مكة كان يحب الصيد، وبسببه كان يخرج أحياناً خارج المدينة وفي ذلك اليوم أيضاً، كان عائداً من صيدٍ وقوسُه في يده وبينما كان ينزل من جبل الصفا متجهاً نحو الكعبة رأى امرأةً تُسرع نحوه "يا أبا عمارة!" "لو رأيت ما لقي ابنُ أخيك محمدٌ آنفاً" "من أبي الحكم بن هشام!" "وجده هاهنا جالساً" "فآذاه وسبَّه وبلغ منه ما يكره" "ثم انصرف عنه، ولم يُكَلِّمْه محمدٌ ﷺ كلمةً" في ذلك الوقت لم يكن حمزة قد أسلم بعد لكنه كان دائماً قريباً من ابن أخيه فأضرمت هذه الكلمات نارَ الغضب في داخله وانطلق ثائراً ولم يكن في ذهنه إلا خاطرٌ واحد: أن يجد أبا جهلٍ ويُذيقه جزاء ما فعل فذاك وحده ما يطفئ غيظه فلما بلغ ناحية الكعبة، وجد ما كان يبحث عنه "حمزة!" "ما باله ثائراً هكذا؟" لم يتردد لحظةً، فانقضّ عليه ثم من غير أن يقول كلمةً واحدة ضرب أبا جهلٍ على رأسه بقوسه ضربةً عنيفة كانت شديدةً حتى شقّت رأسه وأغرقته بالدم، وطرحته على الأرض "أتشتمه؟" "وأنا على دينه" "أقول ما يقول؟" "فإن كانت لك جرأة، فافعل بي مثل ما فعلتَ به" دهشت مكةُ كلها "هل أصبح حمزة مسلماً" وحاول أبو جهلٍ يائساً أن يدافع عن نفسه "لكنه سفّهنا!" "وشتم آلهتنا، وصدّ عن طريق آبائنا!" لم يحتمل حمزة منه كلمةً واحدة فصاح: "ومن أجهل منك؟" وهناك، نطق بالشهادة "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمداً ﷺ عبدُه ورسولُه" فاجتمع أهلُ أبي جهل، بنو مخزوم وهم على استعدادٍ للهجوم على حمزة لكن أبا جهلٍ أوقفهم لقد ندم على ما كان منه "دعوا أبا عمارة!" "فإني والله قد سببتُ ابنَ أخيه سبّاً قبيحاً" لقد حدث كل شيءٍ بسرعةٍ حتى إن حمزة نفسه لم يكن يدرك الأمر ما الذي فعله للتو فعاد إلى بيته مضطرباً حائراً وكان إسلامُ حمزة خطراً عظيماً على الشيطان فبدأ يوسوس في صدره: "أنت سيِّدُ قُريشٍ" "اتبعْتَ هذا الصابِئَ" "وتركتَ دينَ آبائك" "لَلموتُ خيرٌ لك ممَّا صنعتَ" وظلت تلك الوساوس تُقلقه حتى الصباح لم يكن يعرف أيَّ الطريقين هو الحق أأصاب أم أخطأ؟ لم يستطع أن يحسم شعر بالعجز، وتكاثرت عليه الخواطر واحداً تلو الأخري كان ذلك مُرهقاً وأخيراً خطر بباله حلٌّ وكان خيرَ ما يفعله في تلك اللحظة وبكل إخلاصٍ، وهو مستشعرٌ تماماً عجزه رفع يديه ودعا: "اللَّهمَّ إن كان رُشدًا فاجعَلْ تَصديقَه في قلبي" "واهدني في أمري هذا" واستسلم، بكل قلبه و جوارحه، مقرّاً بأن الله وحده هو من يعلم الحق وسأل من بيده مفاتيحُ كل شيءٍ أن يهديه إلى الصراط المستقيم مضت تلك الليلة في تأمّلٍ عميق لم يكن قد صارع نفسه من قبلُ هذا الصراع الشديد وفي اليوم التالي، ذهب إلى رسولِ الله ﷺ وأخبره بكل ما مرّ به وكانت الأجوبة التي تلقّاها والكلمات التي سمعها من النبي ﷺ هي بعينها ما كانت روحه تبحث عنه لم يكن شيءٌ آخر ليُرضي قلبه هكذا ومنذ ذلك الحين، لم يعد حمزةُ الذي يعيش حياةً عادية بل سيصبح الآن حمزة أسدَ الله والآن تخيّلوا ردةَ فعلِ قريش من جهةٍ خسارتهم في الحبشة ومن جهةٍ أخرى إسلامُ حمزة كانت الضربات تتوالى عليهم ضربةً بعد ضربة وبدأ ميزانُ القوى يميل فاجتمعوا مرةً أخرى في دار الندوة "لا يمكنكم إنكار الأدلة أمامنا" واستمرّت أعمال التعذيب والضغط والتضييق ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الظلم كله، لم يتغير شيء ففي كل أسرةٍ ومن كل طبقةٍ من طبقات المجتمع كان هناك من ينضم إلى المسلمين وكان عددهم في ازديادٍ مستمر كانت قريش تبحث بلهفةٍ عن سبيلٍ يوقف انتشار الإسلام وكانت لديهم فكرةٌ يفكرون فيها منذ زمنٍ طويل لكن بسبب خوفهم كانوا يترددون في تنفيذها "ليس لدينا خيار" "لا بد أن نفعل ذلك" "وماذا تقصد؟" "يقصد…" "لا بد أن نقتله" وكان لهذا تبعاتٌ خطيرة لأن عشيرةَ النبي ﷺ، بني هاشم ستدخل في ثأر دم سواءٌ كانوا مسلمين أم لا فإنهم كانوا شديدي التعلّق بعاداتهم القبلية وإذا سُفِك الدم، لم يكن من السهل أن ينتهي الأمر لم تكن فكرة الاغتيال مستحيلة لكنها كانت تحتاج إلى جرأةٍ عظيمة وفي تلك اللحظة بعينها، تقدّم الرجلان اللذان دعا لهما رسولُ الله ﷺ إلى الواجهة وكان بعضُ الناس يحرّضون الجمع بالوعود وكان من بينهم أبو جهل لكن ذلك كان عبثاً فلم يجرؤ أحدٌ على التقدم لا أحد، إلا رجلٌ واحد قام وصاح: "أنا أفعلها" وفجأةً خيّم الصمت على المجلس كله، واتّجهت الأبصار إليه كان الصوتُ لرجلٍ طويل القامة عريض المنكبين، لا يعرف الخوف: عمر بن الخطاب مع أنه كان قد تأثّر بالقرآن وبدأ قلبه يلين إلا أنه كلما بقي بين عُبّاد الأصنام عاد إلى قسوته ورأى أن هذا الأمر قد طال أكثر مما ينبغي فأخذ القوم يشجّعونه "نعم، أنت من تستطيع فعلها" لكن لا أحد منهم تخيل ما سيقع بعد ساعاتٍ قليلة فأسرع فأخذ سيفه وكان قد سمع أن رسولَ الله ﷺ في بيتٍ قريبٍ من جبل الصفا فانطلق في ذلك الاتجاه كان يمشي مشيةً تُلقي الرعب في قلب من يراه غير أن سيره الغاضب أوقفه قريبه نعيم بن عبد الله وكان مسلماً كذلك "يا عمر، إلى أين تذهب؟" "أذهب لأقتل محمداً" "الذي ترك دينه وفرّق قريشاً!" في تلك اللحظة، كان غضبه يحتاج إما إلى وقتٍ ليهدأ أو إلى أن يُصرَف إلى جهةٍ أخرى فاختار نعيمُ الخيارَ الثاني "يا عمر، والله لقد خدعتَ نفسك" "أتظن أن بني عبد مناف يتركونك حيّاً إذا قتلته؟" "بل انظر إلى أهل بيتك أولاً" "ومن تعني؟" "صهرك وابن عمك" "سعيد بن زيد، وزوجته أختك فاطمة، قد أسلما" "هما على دين محمد" "اذهب فابدأ بهما" لم يُرِد عمر أن يصدّق فمضى في طريقه غير أن بذرةَ شكٍّ كانت قد زُرعت في قلبه وفي منتصف الطريق رجع أدراجه، واشتعل غضبه أكثر واتجه نحو بيت أخته وكان خبابُ بن الأرتّ يتلو سورة طه في الداخل لكن طرقاً شديداً وقع فجأةً على الباب إنه عمر فاختبأ خباب على الفور خوفاً بينما حاولت فاطمة أن تُخفي بسرعةٍ الصحف التي كان فيها القرآن "ماذا كنتما تقرآن؟" "كنا نتحدث فيما بيننا فحسب" لكن غضبَ عمر لم يهدأ تقدم مباشرةً إلى صهره سعيد بن زيد وأخذ يضربه وصاح: "إذن ما سمعته حقّ!" "لقد دخلتما في دين محمد ﷺ، أليس كذلك؟" وفي تلك اللحظة تدخلت فاطمة تحاولةً تهدئته لكن عمر ضربها ضربةً شديدة وهنا كانت لحظةُ الانكسار لم تَعُد فاطمة تريد أن تُخفي الأمر فقالت: "افعل ما شئت يا عمر!" "أنا وزوجي قد أسلمنا" "آمنا بالله ورسوله!" وقالت الشهادة بشجاعة "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله" فتجمّد عمر ورأى أهلَ بيته مستعدين لتحمل كل مشقةٍ في سبيل عقيدتهم وكان منظرُ الدم وهو يسيل من وجه أخته قد أيقظ رحمته فبدأ يراجع نفسه إلى ماذا صار؟ أكان يضربها لمجرد أنها قالت: "ربي هو الله؟" جلس وقد غلبه التفكير "هاتيا ما كنتما تقرآن" "دعوني أرى ما الذي جاء به محمد" كانت أخته فاطمة تخاف أن يَسبَّ القرآن أو شيء لكن في الوقت نفسه، بدا حاله مختلفاً تماماً أيمكن أن يكون قلبه قد بدأ يميل إلى الإسلام؟ كانت تتمنى ذلك من أعماقها شوقاً لا يدركه أحد إلا من كان أخوه ما زال علي الشرك ولم يدخل في الإسلام بعد وبعدها بدأ يقرأ الآيات "طه" "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ" "إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ" "ِتَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى" "ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ" وبعد أن قرأ الآيات الأولى من سورة طه غاص عمر في تفكيرٍ عميق وذاب الغضبُ والحقدُ اللذان كانا يملآن قلبه منذ سنين وتحوّلا إلى هيبةٍ وإعجاب " الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى" "ما أحسن هذا الكلام، وما أكرمه، وما أجلّه" لقد بدأت بذورُ الإيمان التي زُرعت في قلبه من قبلُ تتفتح أخيراً ولم يبقَ له إلا رغبةٌ واحدة: أن يقف بين يدي النبي ﷺ ويعلن إيمانه فلما سمع خبابٌ كلامه خرج من مخبئه وقال: "أبشر يا عمر!" "إني لأرجو أن تكون دعوةُ رسولِ الله ﷺ" "قد استُجيبت فيك" فقد دعا البارحة فقال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" "بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" كان أبو جهل من جهةٍ هو الذي دعا إلى القتل وكان عمر من جهةٍ أخرى هو الذي خرج لتنفيذ تلك المهمة ومع ذلك، ففي الطريق الذي خرج فيه ليقتل النبي ﷺ كان الآن سيصبح واحداً ممّن أحياهم الإيمان وهكذا استُجيب الدعاء الذي دعا به رسولُ الله ﷺ قبل ليلةٍ واحدة في صباح اليوم التالي مباشرةً وكيف لا يكون ذلك؟ فبه وبالرسالة التي جاء بها، وجد الكونُ معناه وعلى مدى أكثر من ألفٍ وأربعمئة سنة نال ملايينُ المسلمين مفتاحَ الجنة الخالدة بهدايته هو الذي علّم أتباعه كيف يفوزون بالدنيا وبالحياة الباقية بعد الموت وفي هذا المسجد المسمّى بالأرض قاد ملايين المؤمنين من كل أرجائها وبصوتٍ تجاوب صداه فوق حدود الزمان عبد ربَّه، وأدّى كل ما كُلِّف به من الواجبات أفمثلُ هذا العبد الذي له عند الله هذه المنزلة العظيمة يدعو أن يُعَزَّز المسلمون فلا يُستجاب له؟ لقد وجّه عمرُ قلبه بكليته إلى الهداية وهكذا أجاب الله دعاءَ حبيبه رسولِه ﷺ كان عمرُ بن الخطاب، الذي عُرف إلى تلك اللحظة عدوّاً للإسلام قاسيَ القلب، مُعذِّباً للمسلمين قد تحوّل الآن إلى عمرَ رضي الله عنه وبعد أن عرف مكان رسولِ الله ﷺ انطلق بشوقٍ إلى دار الأرقم فلما رأى الصحابةُ عمرَ واقفاً على الباب وسيفُه معه ارتاعوا لكن سكينةَ حمزة أحكمت الموقف فقال: "أدخلوه" "إن كان جاء يريد خيراً بذلناه له" "وإن كان جاء يريد شراً" "قتلناه بسيفه" فُتح الباب، ودخل عمر خطوةً خطوة وانمحت من وجهه تلك الثورة التي كانت تملؤه حين خرج من دار الندوة وحلّ مكانها الآن رجاءٌ وأمل ولقيه رسولُ الله ﷺ في الفناء فجذبه إليه وقال: "ما جاء بك يا ابنَ الخطاب؟" "فوالله ما أراك أن تنتهي حتى يُنزِلَ اللهُ بك قارعةً" قال: "يا رسولَ الله، جئتُ لأؤمنَ باللهِ ورسولِه" "وبما جاء من عندِ الله" "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله" فغمرت الفرحةُ قلوبَ الصحابة كان يوماً من أكثر أيام حياتهم رسوخاً في الذاكرة وترددت صيحات "الله أكبر!
الله أكبر!" في طرقات مكة وبإسلام حمزة، ثم إسلام عمر لم تعد هناك حاجةٌ إلى الاستتار في دار الأرقم وسيُسخّر عمرُ الشجاعةَ التي وهبه الله إياها لنصرة الإسلام وفي تلك اللحظة نفسها قدّم اقتراحه الأول "يا رسولَ الله، ألسنا على الحق إن مِتْنا وإن حَيِينا؟" فقال النبي ﷺ: "بلى، والذي نفسي بيده" "إنكم على الحق إن مِتُّم وإن حَيِيتُم" "ففيم الاختفاء؟" "والذي بعثك بالحق" "لأخرجنَّ بجرأةٍ، بلا خوفٍ ولا تردد" "إلى كل مجلسٍ من مجالس عبدة الأصنام، ولأُعلننَّ لهم الإسلام" في ذلك اليوم خرج أربعون مسلماً من دار الأرقم وكان رسولُ الله ﷺ في المقدمة وعن يمينه عمر، وعن يساره حمزة يرفعون أصواتهم: "الله أكبر!
الله أكبر!" كانت لحظةً من أروع اللحظات في تاريخ الإسلام وأولَ مسيرةٍ للمسلمين وفي ذلك اليوم تلقّت قريش إنذاراً قويّاً ولم تملك إلا أن تشاهد مذهولةً صامتة كان هؤلاء الأربعون المؤمنون يظهرون للقرونَ الآتية كيف يكون المسلمون أقوياء إذا اتحدوا لكن الحماسةَ في قلب عمر لم تكن قد هدأت بعد كان يريد أن يعرف الناس جميعاً بإيمانه فذهب يبحث عن جميل بن معمر لأن هذا الرجل إذا سمع خبراً نشره في مكة كلها في لمح البصر "يا جميل، لقد أسلمت" فوثب جميل من ساعته، وأخذ يبث الخبر في كل مكان ""لقد صبأ عمر!" "لقد صبأ عمر!" لم يقف عمر عند هذا الحد بل قصد مباشرةً بيتَ أبي جهل وكان أبو جهلٍ لا يعلم شيئاً، فاستقبله بترحاب "يا أبا الحكم! لقد أسلمت" "لا لا، لا يمكن…
لا يمكن" لم يكن يتصور قط أن عمر الذي خرج ليقتل النبي ﷺ سيُسلم بدلاً من ذلك "قَبَّحَكَ اللهُ، وقَبَّحَ ما جِئْتَ به!" وبعد ذلك كله، لقّبه رسولُ الله ﷺ بـ "الفاروق" الذي يفرّق بين الحق والباطل ما أعجب هذا!
انظروا إلى عمر قبل الإسلام بساعة وانظروا إليه بعده بساعة عمرُ نفسه، الذي كان من أعداء الإسلام وكان يرتكب أعظم الذنوب، وهو الشرك بالله صار الآن عمرَ، صاحبَ رسولِ الله ﷺ الذي سيصبح لاحقاً ثانيَ خلفاء الإسلام، ويُعرف بعدله مهما كان ماضي المرء، إذا رجع إلى ربّه بصدقٍ وإخلاص فالله قادرٌ أن يبدّل قلبه على نحوٍ يفوق الخيال كان في روح رسولِ الله ﷺ نورٌ عظيم حتى إن كل من رآه وآمن به، وكل من جالسه وصحبَه كان يتحول من فحمٍ إلى ألماس أولئك الذين كانوا يدفنون بناتهم أحياءً بلا أدنى تأنيبٍ للضمير صاروا أناساً لا يؤذون ذبابة وأحياناً كان رجلٌ من قبيلةٍ أخرى يأتي فيجلس معه ساعةً واحدة أو يوماً واحداً ثم يعود إلى قومه معلّماً مثل أبي ذر أو الطفيل بن عمرو كانت تزول من نفوسهم كل الصفات السيئة ويمتلئون بأعلى مكارم الأخلاق وكان عددُ الذين تحوّلوا من فحمٍ إلى ألماس مثل عمر يتزايد باستمرار وصارت الدعوةُ إلى الإسلام تُعلَن بقوةٍ أعظم وكل هذه التطورات دفعت إلى المزيدٍ من الاجتماعات في دار الندوة حيث كانت تُنسَج الخطط الحاقدة وبدافع عطشهم للانتقام كانوا يتجهزون لتوجيه ضربةٍ قاصمة إلى المسلمين وكانت مكة على وشك أن تشهد أقسى الأيام في تاريخها إذ سيبلغون أقصى درجات القسوة في الحلقة القادمة، ستشهدون سنوات المقاطعة نراكم حينها
كنا قوما أهل جاهلية" "نعبد الأصنام، ونأكل الميتة" "ونأتي الفواحش" "ونقطع الأرحام" "ونسيء الجوار" "يأكل القوي منا الضعيف" "فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا نبياً ورسولاً منا" "نعرف نسبه وصدقه" "وأمانته وعفافه" "فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده" "ونخلع ما كنا نعبد" "نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان" "وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة" "وصلة الرحم، وحسن الجوار" "والكف عن المحارم، والدماء" "ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم" "وقذف المحصنة" "فصدقناه، وآمنا به" "واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده" "فعدا علينا قومنا" "فعذبونا وفتنونا عن ديننا" "ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز وجل" "فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك" "واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك" "ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك" لخّصت كلمات جعفرٍ أيما تلخيص قصةَ السيرة كلها إلى هذا الموضع ما كان يمكن أن يستغرق ساعاتٍ في الشرح لخّصه في دقائق معدودة وكان النجاشي، وهو يستمع، يمتلئ بالإعجاب لقد تأثر قلبه بشدة واشتد فضوله إلى هذا الدين الجديد ولأنه كان نصرانيّاً، كان يعلم أن الإنجيل فيه بشاراتٌ كثيرة بمجيء النبي الخاتم وكان النبي الذي تحدث عنه جعفرٌ مطابقاً لهذه الصفات فقال النجاشي: "هل معك" "مما جاء به الله من شيء؟ "نعم" "فاقرأه علىَّ" لقد قدَّر الله، العليمَ بالماضي والحاضر والمستقبل أن تُنزَّل سورةُ مريم قبيل هجرة الصحابة إلى الحبشة بقليل ولأن الملك نصرانيّاً، فهذه السورة كانت نعمةً عظيمة ففطن جعفرٌ إلى هذا الفضل وتلا أولَ خمسٍ وثلاثين آيةً من سورة مريم وأصغى الملكُ والقساوسة بكامل انتباههم يتشوّقون لسماع كلام الله الذي يُخاطبهم وكانت الآيات تتحدث عن نبي الله زكريا ويحيى وتذكر كيف حملت مريمُ بعيسى عليه السلام وكيف وُلد من غير أب، وكيف تكلم في المهد وكيف أرسله الله نبيّاً ومع كل كلمة كانت مشاعرهم تزداد فيضاً وانهمرت الدموع من عيني الملك حتى ابتلّت لحيته وبكى القساوسة كذلك معه كانت تلك الكلمات بعينها مما كانت أرواحهم تشتاق إليه كيف عاشوا كل تلك السنين من دونها؟ أما رسولا قريش فقد ظلّا صامتين تماماً لا يملكان إلا مشاهدة هذا المشهد تغيّرت نظرةُ الملك للمسلمين وتعاظم احترامه وإعجابه بهم إلى حدٍّ كبير "إن هذا وما جاء به عيسى" "ليخرج من مشكاة واحدة" ثم التفت إلى عمرو وصاحبه : "انطلقا" "فلا والله لا أسلمهم إليكم ولا أكاد" لقد مُني عمرو بن العاص بهزيمةٍ قاصمة وانتهت كل مساعيه إلى خيبة أمل ولما خرج من مجلس الملك كان يغلي غضباً لم يُرِد أن يستسلم ويقبل بالهزيمة وقال في نفسه: "لا يمكن أن يكون هذا آخر الأمر" "لا بد من طريقٍ آخر" والآن كان أشدَّ إصراراً ووضع خطةً جديدة وفي اليوم التالي سيقوم بخطوةٍ مختلفة وكان على يقين أن رد الفعل لن يكون كما كان اليوم "والله" "لآتينه غداً عنهم" "بما أستأصل به خضراءهم" وفي أثناء ذلك، كانت أحداث عظيمة علي وشك الوقوع في مكة وقريش ستُزلزَل من أعماقها حين ترى بعضَ وجوهها البارزة يدخلون في الإسلام وسيتلقى عبدةُ الأصنام ضربةً بعد ضربة وسيستجيب الله للدعاء العظيم الذي دعا به رسولُه ﷺ وخلال هجرة المسلمين إلى الحبشة لقي عمرُ إحدى الصحابيات، ليلى "أفأنتم راحلون؟" والجواب الذي سمعه جعله يفكر كثيراً "نعم، نذهب إلى أرضٍ أخرى من أرض الله" "لقد عذّبتمونا وظلمتونا" "وسنقيم هناك حتى يجعل الله لنا فرجاً ومخرجاً" فصمت عمر كأنه كان يحاسب نفسه على كل ما فعله بالمسلمين "صحبكم الله في طريقكم" ولاحقاً عندما تحدثت ليلى عن هذه الحادثة قالت "رأيتُ فيه ليناً ورحمةً لم أرَهما منه من قبل" "كأن رحيلنا قد أحزنه" وبعد قليل، لما عاد زوجُها عامر أخبرته بما جرى "أترجين حقّاً أن يُسلم عمر؟" "نعم، أرجو ذلك" فأجاب عامر ساخراً: "اعلمي هذا جيداً" "ذلك الرجل لن يُسلم أبداً" "حتى تري حمارَ الخطاب قد أسلم" لقد تركت قسوةُ عمر إلى ذلك الحين هذا الانطباع عند الناس ومع ذلك، فقد خطا خطوةً قبل أبي جهل ولم يكن تحويل ذلك القلب وتغييره على الله بعسير كما جاء في الحديث القدسي: "وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" وهذه الخطوة لم تكن لتذهب سُدى وكان ثمة أمرٌ مشتركٌ في قصتيهما معاً ففي أوقاتٍ مختلفة، كانا يقتربان خفيةً من رسول الله ﷺ ليستمعا إلى القرآن لم يكن أبو جهل يريد أن يقول الناس: "انظروا، إنه يستمع إلى القرآن" لكن في أعماقه كان فضوله يشتعل كان يريد أن يسمعه وفي ليلةٍ من الليالي، دون أن يخبر أحداً اقترب سرّاً من بيت النبي ﷺ واختبأ في ناحيةٍ وبدأ يستمع إلى رسول الله ﷺ وهو يتلو القرآن في صلاته كان غارقاً في الإصغاء، شارداً في التفكير وقد بلغ به التأثر مبلغاً لدرجة انه حين انصرف أخيراً كان الفجر قد طلع لقد ظل يستمع لساعات وفي طريق عودته، صادف أبا سفيان والأخنس بن شريق وهما من قادة قريش واتضح أن الثلاثة جميعاً، من غير أن يعلم بعضهم ببعض قد جاءوا إلى هناك للسبب نفسه "لا نعد إلى هنا لنستمع مرةً أخرى" "فإن رآنا أحد، غرس ذلك الشك في قلوبهم لا محالة" لقد اهتز أبو جهل من أعماقه لما سمع ولم يكن النبي ﷺ قطُّ ممن اشتغلوا بالشعر أو الأدب طوال حياته كلها بل حتي لم يكن يعرف القراءةَ ولا الكتابة فكيف تصدر كلماتٌ بهذه القوة وهذا الجمال من رجلٍ مثله؟ حتى طريقته المعتادة في الكلام لم تكن بهذه البلاغة لم يكن الأمر معقولاً فبدأ أبو جهلٍ يشكّ لم يستطع أن يمنع نفسه، وأراد أن يعود مرةً أخرى ومضت تلك الليلة كالتي سبقتها جلس ساعاتٍ يستمع إلى النبي ﷺ وهو يتلو القرآن وعند بزوغ الفجر خرج من مخبئه وفي طريق عودته إلى بيته صادف نفس الرجلين مرةً أخرى وكانا قد جاءا للسبب نفسه وكما فعلوا في المرة الماضية حذّر بعضُهم بعضاً ثم افترقوا لكن فضول أبي جهلٍ لم يزدد إلا اشتداداً وفي الليلة التالية، مرةً أخرى لم يقوَ على المقاومة وفعل الأمر نفسه ومرةً أخرى، حين انتهى كل شيء، صادف الرجلين نفسيهما كانا يعيشان الصراعَ نفسه الذي يعيشه أبو جهل ولهذا كانا يفعلان الأمر نفسه وفي المستقبل، كلاهما سيُسلم في نهاية المطاف وخوفاً من أن يراهُم أحد فتنجذب القلوب إلى الإسلام تعاهدوا فيما بينهم ألا يعودوا إلى ذلك أبداً وخلال تلك الليالي الثلاث شهد الرسائل العظيمة والمعاني العميقة التي أنزلها الله لكنه فوق ذلك كله، رأى بعينيه أن الرجل الذي كان يصفه بالكذب كان يقضي الليل كله في صلاةٍ وعبادةٍ حتى الصباح فلو كان أمره، معاذَ الله، باطلاً، فلماذا يفعل ذلك؟ وأي نفعٍ يرجوه منه؟ ومع ذلك، لم يترك كبرياءه القبلي ولا حقده، ولا حسده إنما كان همّه الوحيد أن يظل الناس يعبدون الأصنام دون أن يدخلهم شكّ وبهذه الطريقة، أضاع فرصةَ الإيمان التي وُضعت بين يديه اذن ماذا عن تجربةِ عمر؟ على خلاف أبي جهل، لم تكن لديه تلك النية أصلاً في ليلةٍ عند الكعبة صادف رسولَ الله ﷺ وهو يصلّي فاقترب منه في هدوء وقال في نفسه "والله!
مهما يكن" "لأقفنَّ الليلة فأستمع إلى ما يتلوه محمد" كان رسولُ الله ﷺ يتلو سورةَ الحاقّة وبينما كان عمر يستمع، أَسَرَه سلاسةُ جريان الألفاظ وعمقُ معانيها لكنه لم يكن ليستسلم للإيمان بسهولة وأثناء استماعه للقرآن قال في نفسه: "لعل هذا الرجل شاعرٌ حقّاً، كما تقول قريش" وفي تلك اللحظة نفسها، بلغ النبي ﷺ الآيةَ الحادية والأربعين من سورة الحاقة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ" فتجمّد عمر في مكانه وقال في نفسه: "كأنه يعلم ما كنت أفكر فيه الآن" "فلعله كاهن" فقرأ النبي صلي الله عليه وسلم الآية التي تلتها مباشرة "وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ" فاندهش عمرُ دهشةً عظيمة وحاول أن يفهم ما الذي يجري ثم أكمل الرسول صلي الله عليه و سلم باقي ايات السورة "تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" وهكذا ظل يستمع حتى انتهت السورة لقد زلزل هذا الحدثُ كيانه من الأعماق وهكذا زُرعت بذرةُ الإيمان في قلبه ولكن ما الذي سيجعل تلك البذرة تنمو؟ خبرٌ سيُحدِث رجّةً في مكة كلها: إسلامُ اسمٍ عظيم، عمِّ رسول الله ﷺ: حمزة لكن قبل أن نصل إلى ذلك لنعد إلى الحبشة ونلتقط الخيط من حيث تركناه جعفر بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، والنجاشي أصحمة في اليوم الثاني، كانت محاورةٌ أخرى على وشك أن تقع بين الثلاثة هذه المرة كانت خطةُ عمرو مختلفة ولعلمه أن الملك نصراني ولعلمه بما يقوله الإسلام عن النصرانية قرّر أن يدخل عليه من هذا الباب دخل مجلس الملك وقال بثقة "أيها الملك" "إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً" "فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه" لكن بعد ما حدث بالأمس صار الملك أشدَّ حذراً من أن يُستدرَج بالتلاعب ولن يسمح لأحدٍ أن يخدعه فاستُدعي جعفرٌ وسائر الصحابة مرةً أخرى ولكن ما الذي منح عمرو الثقة ليعود إلى الملك ويثير هذه المسألة من جديد؟ أكان المسلمون يعتقدون شيئاً يغضب الملك حقّاً؟ أكانوا، معاذَ الله، يعدّون عيسى رجلاً ضالّاً؟ كلا، أبداً بل كان نبيّاً آتاه الله كتاباً بل إنه من بين أكثر من مئة ألف نبي كان من الخمسة العظام، أولي العزم من الرسل أوَكان المسلمون يطعنون في أمه مريم كما فعل يهود ذلك الزمان؟ أكانوا يزعمون أن عيسى، معاذَ الله، وُلد من الزِنا؟ حاشا وكلا كانت مريمُ طاهرةً عفيفةً من الصالحات، التي اصطفاها الله وكان ميلادُ عيسى معجزةً بلا أب فأين كان موضع الاختلاف إذن؟ لقد جعل الإسلام الأمرَ في غاية الوضوح: "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله تخيّل نفسك هناك لن يكون سهلاً أن تقف بين يدي ملكٍ وتخبره أن من كان يراه إلهاً، أي عيسى، ليس بإله عاقبةُ مثل هذا الكلام غيرُ مضمونة وقد تكون خطرةً كذلك فماذا قرر الصحابة فيما بينهم قبل الدخول إلى مجلس الملك؟ "والله" "لن نقول إلا ما قال الله فيه" "وما أخبرنا به نبينا ﷺ" "كائناً في ذلك ما هو كائن" وأخيراً، تكلّم جعفر وبيّن للملك ما يُعلّمه الإسلام عن عيسى ومريم، كما أُوحي به تماماً فكيف كان ردُّ فعل الملك؟ كان عمرو ينتظر بشوق هذه المرة بدا أن الأمور قد تنجح فمد النجاشيُّ يدَه إلى الأرض فأخذ منها عوداً، ثم قال: "والله ما عدا عيسى ابنَ مريم ما قلتَ هذا العود" " أي انه لا يوجد أدنى اختلاف" "ولا بمقدار هذا العود" ومرةً أخرى فشلت مساعي عمرو "اخفضوا أصواتكم، إنه يراقبنا" وبدأ بعضُ رجال البلاط يهمهمون اعتراضاً لم يَرُق لهم ما سمعوا لكن الملك التفت إليهم وقال: "وإن نخرتم والله" "فهذا هو الحق" ثم عاد إلى الصحابة وقال: "اذهبوا" "أنتم آمنون تماماً في أرضي" "ما أحبُّ أن لي دَبْراً من ذهبٍ، وأني آذيتُ رجلاً منكم" كان عمرو قد صار قَلِقاً كيف سيعود إلى مكة بعد هذه الخيبة والآن صار عليه أيضاً أن يواجه غضبَ الملك وأمر النجاشي: "رُدّوا عليهما هداياهما" "فلا حاجةَ لي بها" "فوالله ما أخذ اللهُ مني الرشوةَ حين ردَّ عليَّ مُلكي" "فآخذُ الرشوةَ فيه؟" ومع أن أكثر قومه لم يقبلوا الإسلام فإن النجاشي نفسه عاش مسلماً صادقاً، ومات علي ذلك وبعد سنين، وبينما كان رسولُ الله ﷺ جالساً بين أصحابه قال فجأة: "مات أخوكم النجاشي" "فقوموا فصلّوا عليه" ثم من مئات الأميال بعيداً صلّى عليه صلاةَ الجنازة ولما بلغ خبرُ وفاته المدينة بعد أسبوع علموا أنه مات في اليوم نفسه الذي صلّوا فيه عليه صلاةَ الجنازة قد تقول: "لكن تلك كانت أرضاً مختلفة " "وثقافةً مختلفة " "أفلا يكون من الصعب على رجل في بلدٍ بعيدٍ كهذا" "أن يتكيف مع الإسلام؟" لا، لأن الناس جميعاً خُلقوا على الفطرة نفسها ولأن الدين الذي أرسله الخالق لم يأتِ يوماً بأمرٍ مثل: "غيّر ثقافتك، أو أمّتك، أو هويتك" ولما كان الإسلام مُرسلاً للناس كافة لم يجد الملكُ مشقةً في أن يعيش هذا الدين فما كان اسمُه قبل ذلك؟ أصحمة وبعد إسلامه؟ ظل أصحمة لباسه هو لباسه ، وهويته هي هويته ولم يترك تقاليده، بطبيعة الحال، مع مراعاة ما هو حلالٌ وما هو حرام بل إن النجاشي صار مثالاً لمن لم يولدوا في بلاد المسلمين ولمن يقول: "الدخول في الإسلام صعبٌ عليّ" "وحياتي ستتغيّر تغيّراً كاملاً" "لقد أثبت النجاشي منذ مئات السنين أن الأمر ليس كذلك أبداً" كانت كل كلمةٍ من كلام النجاشي تجلب للصحابة فرجاً بعد فرج وأن يُصدّق ملكٌ رسولَ الله ﷺ كان خبراً عظيماً أما لقريش فكان ذلك كارثة ولربما كان خيراً لهم لو أنهم لم يرسلوا أحداً أصلاً ولم يعلموا أن تدبيرَ الله كان يجري من وراء مكرهم وهذا لم يكن إلا البداية فقريباً، ستنزل بهم ضربتان كبيرتان كان حمزة قريبَ السن من رسول الله ﷺ رجلاً شجاعاً عظيمَ الهيبة قويّاً، محترماً، تهابه أهل مكة كان يحب الصيد، وبسببه كان يخرج أحياناً خارج المدينة وفي ذلك اليوم أيضاً، كان عائداً من صيدٍ وقوسُه في يده وبينما كان ينزل من جبل الصفا متجهاً نحو الكعبة رأى امرأةً تُسرع نحوه "يا أبا عمارة!" "لو رأيت ما لقي ابنُ أخيك محمدٌ آنفاً" "من أبي الحكم بن هشام!" "وجده هاهنا جالساً" "فآذاه وسبَّه وبلغ منه ما يكره" "ثم انصرف عنه، ولم يُكَلِّمْه محمدٌ ﷺ كلمةً" في ذلك الوقت لم يكن حمزة قد أسلم بعد لكنه كان دائماً قريباً من ابن أخيه فأضرمت هذه الكلمات نارَ الغضب في داخله وانطلق ثائراً ولم يكن في ذهنه إلا خاطرٌ واحد: أن يجد أبا جهلٍ ويُذيقه جزاء ما فعل فذاك وحده ما يطفئ غيظه فلما بلغ ناحية الكعبة، وجد ما كان يبحث عنه "حمزة!" "ما باله ثائراً هكذا؟" لم يتردد لحظةً، فانقضّ عليه ثم من غير أن يقول كلمةً واحدة ضرب أبا جهلٍ على رأسه بقوسه ضربةً عنيفة كانت شديدةً حتى شقّت رأسه وأغرقته بالدم، وطرحته على الأرض "أتشتمه؟" "وأنا على دينه" "أقول ما يقول؟" "فإن كانت لك جرأة، فافعل بي مثل ما فعلتَ به" دهشت مكةُ كلها "هل أصبح حمزة مسلماً" وحاول أبو جهلٍ يائساً أن يدافع عن نفسه "لكنه سفّهنا!" "وشتم آلهتنا، وصدّ عن طريق آبائنا!" لم يحتمل حمزة منه كلمةً واحدة فصاح: "ومن أجهل منك؟" وهناك، نطق بالشهادة "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمداً ﷺ عبدُه ورسولُه" فاجتمع أهلُ أبي جهل، بنو مخزوم وهم على استعدادٍ للهجوم على حمزة لكن أبا جهلٍ أوقفهم لقد ندم على ما كان منه "دعوا أبا عمارة!" "فإني والله قد سببتُ ابنَ أخيه سبّاً قبيحاً" لقد حدث كل شيءٍ بسرعةٍ حتى إن حمزة نفسه لم يكن يدرك الأمر ما الذي فعله للتو فعاد إلى بيته مضطرباً حائراً وكان إسلامُ حمزة خطراً عظيماً على الشيطان فبدأ يوسوس في صدره: "أنت سيِّدُ قُريشٍ" "اتبعْتَ هذا الصابِئَ" "وتركتَ دينَ آبائك" "لَلموتُ خيرٌ لك ممَّا صنعتَ" وظلت تلك الوساوس تُقلقه حتى الصباح لم يكن يعرف أيَّ الطريقين هو الحق أأصاب أم أخطأ؟ لم يستطع أن يحسم شعر بالعجز، وتكاثرت عليه الخواطر واحداً تلو الأخري كان ذلك مُرهقاً وأخيراً خطر بباله حلٌّ وكان خيرَ ما يفعله في تلك اللحظة وبكل إخلاصٍ، وهو مستشعرٌ تماماً عجزه رفع يديه ودعا: "اللَّهمَّ إن كان رُشدًا فاجعَلْ تَصديقَه في قلبي" "واهدني في أمري هذا" واستسلم، بكل قلبه و جوارحه، مقرّاً بأن الله وحده هو من يعلم الحق وسأل من بيده مفاتيحُ كل شيءٍ أن يهديه إلى الصراط المستقيم مضت تلك الليلة في تأمّلٍ عميق لم يكن قد صارع نفسه من قبلُ هذا الصراع الشديد وفي اليوم التالي، ذهب إلى رسولِ الله ﷺ وأخبره بكل ما مرّ به وكانت الأجوبة التي تلقّاها والكلمات التي سمعها من النبي ﷺ هي بعينها ما كانت روحه تبحث عنه لم يكن شيءٌ آخر ليُرضي قلبه هكذا ومنذ ذلك الحين، لم يعد حمزةُ الذي يعيش حياةً عادية بل سيصبح الآن حمزة أسدَ الله والآن تخيّلوا ردةَ فعلِ قريش من جهةٍ خسارتهم في الحبشة ومن جهةٍ أخرى إسلامُ حمزة كانت الضربات تتوالى عليهم ضربةً بعد ضربة وبدأ ميزانُ القوى يميل فاجتمعوا مرةً أخرى في دار الندوة "لا يمكنكم إنكار الأدلة أمامنا" واستمرّت أعمال التعذيب والضغط والتضييق ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الظلم كله، لم يتغير شيء ففي كل أسرةٍ ومن كل طبقةٍ من طبقات المجتمع كان هناك من ينضم إلى المسلمين وكان عددهم في ازديادٍ مستمر كانت قريش تبحث بلهفةٍ عن سبيلٍ يوقف انتشار الإسلام وكانت لديهم فكرةٌ يفكرون فيها منذ زمنٍ طويل لكن بسبب خوفهم كانوا يترددون في تنفيذها "ليس لدينا خيار" "لا بد أن نفعل ذلك" "وماذا تقصد؟" "يقصد…" "لا بد أن نقتله" وكان لهذا تبعاتٌ خطيرة لأن عشيرةَ النبي ﷺ، بني هاشم ستدخل في ثأر دم سواءٌ كانوا مسلمين أم لا فإنهم كانوا شديدي التعلّق بعاداتهم القبلية وإذا سُفِك الدم، لم يكن من السهل أن ينتهي الأمر لم تكن فكرة الاغتيال مستحيلة لكنها كانت تحتاج إلى جرأةٍ عظيمة وفي تلك اللحظة بعينها، تقدّم الرجلان اللذان دعا لهما رسولُ الله ﷺ إلى الواجهة وكان بعضُ الناس يحرّضون الجمع بالوعود وكان من بينهم أبو جهل لكن ذلك كان عبثاً فلم يجرؤ أحدٌ على التقدم لا أحد، إلا رجلٌ واحد قام وصاح: "أنا أفعلها" وفجأةً خيّم الصمت على المجلس كله، واتّجهت الأبصار إليه كان الصوتُ لرجلٍ طويل القامة عريض المنكبين، لا يعرف الخوف: عمر بن الخطاب مع أنه كان قد تأثّر بالقرآن وبدأ قلبه يلين إلا أنه كلما بقي بين عُبّاد الأصنام عاد إلى قسوته ورأى أن هذا الأمر قد طال أكثر مما ينبغي فأخذ القوم يشجّعونه "نعم، أنت من تستطيع فعلها" لكن لا أحد منهم تخيل ما سيقع بعد ساعاتٍ قليلة فأسرع فأخذ سيفه وكان قد سمع أن رسولَ الله ﷺ في بيتٍ قريبٍ من جبل الصفا فانطلق في ذلك الاتجاه كان يمشي مشيةً تُلقي الرعب في قلب من يراه غير أن سيره الغاضب أوقفه قريبه نعيم بن عبد الله وكان مسلماً كذلك "يا عمر، إلى أين تذهب؟" "أذهب لأقتل محمداً" "الذي ترك دينه وفرّق قريشاً!" في تلك اللحظة، كان غضبه يحتاج إما إلى وقتٍ ليهدأ أو إلى أن يُصرَف إلى جهةٍ أخرى فاختار نعيمُ الخيارَ الثاني "يا عمر، والله لقد خدعتَ نفسك" "أتظن أن بني عبد مناف يتركونك حيّاً إذا قتلته؟" "بل انظر إلى أهل بيتك أولاً" "ومن تعني؟" "صهرك وابن عمك" "سعيد بن زيد، وزوجته أختك فاطمة، قد أسلما" "هما على دين محمد" "اذهب فابدأ بهما" لم يُرِد عمر أن يصدّق فمضى في طريقه غير أن بذرةَ شكٍّ كانت قد زُرعت في قلبه وفي منتصف الطريق رجع أدراجه، واشتعل غضبه أكثر واتجه نحو بيت أخته وكان خبابُ بن الأرتّ يتلو سورة طه في الداخل لكن طرقاً شديداً وقع فجأةً على الباب إنه عمر فاختبأ خباب على الفور خوفاً بينما حاولت فاطمة أن تُخفي بسرعةٍ الصحف التي كان فيها القرآن "ماذا كنتما تقرآن؟" "كنا نتحدث فيما بيننا فحسب" لكن غضبَ عمر لم يهدأ تقدم مباشرةً إلى صهره سعيد بن زيد وأخذ يضربه وصاح: "إذن ما سمعته حقّ!" "لقد دخلتما في دين محمد ﷺ، أليس كذلك؟" وفي تلك اللحظة تدخلت فاطمة تحاولةً تهدئته لكن عمر ضربها ضربةً شديدة وهنا كانت لحظةُ الانكسار لم تَعُد فاطمة تريد أن تُخفي الأمر فقالت: "افعل ما شئت يا عمر!" "أنا وزوجي قد أسلمنا" "آمنا بالله ورسوله!" وقالت الشهادة بشجاعة "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله" فتجمّد عمر ورأى أهلَ بيته مستعدين لتحمل كل مشقةٍ في سبيل عقيدتهم وكان منظرُ الدم وهو يسيل من وجه أخته قد أيقظ رحمته فبدأ يراجع نفسه إلى ماذا صار؟ أكان يضربها لمجرد أنها قالت: "ربي هو الله؟" جلس وقد غلبه التفكير "هاتيا ما كنتما تقرآن" "دعوني أرى ما الذي جاء به محمد" كانت أخته فاطمة تخاف أن يَسبَّ القرآن أو شيء لكن في الوقت نفسه، بدا حاله مختلفاً تماماً أيمكن أن يكون قلبه قد بدأ يميل إلى الإسلام؟ كانت تتمنى ذلك من أعماقها شوقاً لا يدركه أحد إلا من كان أخوه ما زال علي الشرك ولم يدخل في الإسلام بعد وبعدها بدأ يقرأ الآيات "طه" "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ" "إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ" "ِتَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى" "ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ" وبعد أن قرأ الآيات الأولى من سورة طه غاص عمر في تفكيرٍ عميق وذاب الغضبُ والحقدُ اللذان كانا يملآن قلبه منذ سنين وتحوّلا إلى هيبةٍ وإعجاب " الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى" "ما أحسن هذا الكلام، وما أكرمه، وما أجلّه" لقد بدأت بذورُ الإيمان التي زُرعت في قلبه من قبلُ تتفتح أخيراً ولم يبقَ له إلا رغبةٌ واحدة: أن يقف بين يدي النبي ﷺ ويعلن إيمانه فلما سمع خبابٌ كلامه خرج من مخبئه وقال: "أبشر يا عمر!" "إني لأرجو أن تكون دعوةُ رسولِ الله ﷺ" "قد استُجيبت فيك" فقد دعا البارحة فقال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" "بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" كان أبو جهل من جهةٍ هو الذي دعا إلى القتل وكان عمر من جهةٍ أخرى هو الذي خرج لتنفيذ تلك المهمة ومع ذلك، ففي الطريق الذي خرج فيه ليقتل النبي ﷺ كان الآن سيصبح واحداً ممّن أحياهم الإيمان وهكذا استُجيب الدعاء الذي دعا به رسولُ الله ﷺ قبل ليلةٍ واحدة في صباح اليوم التالي مباشرةً وكيف لا يكون ذلك؟ فبه وبالرسالة التي جاء بها، وجد الكونُ معناه وعلى مدى أكثر من ألفٍ وأربعمئة سنة نال ملايينُ المسلمين مفتاحَ الجنة الخالدة بهدايته هو الذي علّم أتباعه كيف يفوزون بالدنيا وبالحياة الباقية بعد الموت وفي هذا المسجد المسمّى بالأرض قاد ملايين المؤمنين من كل أرجائها وبصوتٍ تجاوب صداه فوق حدود الزمان عبد ربَّه، وأدّى كل ما كُلِّف به من الواجبات أفمثلُ هذا العبد الذي له عند الله هذه المنزلة العظيمة يدعو أن يُعَزَّز المسلمون فلا يُستجاب له؟ لقد وجّه عمرُ قلبه بكليته إلى الهداية وهكذا أجاب الله دعاءَ حبيبه رسولِه ﷺ كان عمرُ بن الخطاب، الذي عُرف إلى تلك اللحظة عدوّاً للإسلام قاسيَ القلب، مُعذِّباً للمسلمين قد تحوّل الآن إلى عمرَ رضي الله عنه وبعد أن عرف مكان رسولِ الله ﷺ انطلق بشوقٍ إلى دار الأرقم فلما رأى الصحابةُ عمرَ واقفاً على الباب وسيفُه معه ارتاعوا لكن سكينةَ حمزة أحكمت الموقف فقال: "أدخلوه" "إن كان جاء يريد خيراً بذلناه له" "وإن كان جاء يريد شراً" "قتلناه بسيفه" فُتح الباب، ودخل عمر خطوةً خطوة وانمحت من وجهه تلك الثورة التي كانت تملؤه حين خرج من دار الندوة وحلّ مكانها الآن رجاءٌ وأمل ولقيه رسولُ الله ﷺ في الفناء فجذبه إليه وقال: "ما جاء بك يا ابنَ الخطاب؟" "فوالله ما أراك أن تنتهي حتى يُنزِلَ اللهُ بك قارعةً" قال: "يا رسولَ الله، جئتُ لأؤمنَ باللهِ ورسولِه" "وبما جاء من عندِ الله" "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله" فغمرت الفرحةُ قلوبَ الصحابة كان يوماً من أكثر أيام حياتهم رسوخاً في الذاكرة وترددت صيحات "الله أكبر!
الله أكبر!" في طرقات مكة وبإسلام حمزة، ثم إسلام عمر لم تعد هناك حاجةٌ إلى الاستتار في دار الأرقم وسيُسخّر عمرُ الشجاعةَ التي وهبه الله إياها لنصرة الإسلام وفي تلك اللحظة نفسها قدّم اقتراحه الأول "يا رسولَ الله، ألسنا على الحق إن مِتْنا وإن حَيِينا؟" فقال النبي ﷺ: "بلى، والذي نفسي بيده" "إنكم على الحق إن مِتُّم وإن حَيِيتُم" "ففيم الاختفاء؟" "والذي بعثك بالحق" "لأخرجنَّ بجرأةٍ، بلا خوفٍ ولا تردد" "إلى كل مجلسٍ من مجالس عبدة الأصنام، ولأُعلننَّ لهم الإسلام" في ذلك اليوم خرج أربعون مسلماً من دار الأرقم وكان رسولُ الله ﷺ في المقدمة وعن يمينه عمر، وعن يساره حمزة يرفعون أصواتهم: "الله أكبر!
الله أكبر!" كانت لحظةً من أروع اللحظات في تاريخ الإسلام وأولَ مسيرةٍ للمسلمين وفي ذلك اليوم تلقّت قريش إنذاراً قويّاً ولم تملك إلا أن تشاهد مذهولةً صامتة كان هؤلاء الأربعون المؤمنون يظهرون للقرونَ الآتية كيف يكون المسلمون أقوياء إذا اتحدوا لكن الحماسةَ في قلب عمر لم تكن قد هدأت بعد كان يريد أن يعرف الناس جميعاً بإيمانه فذهب يبحث عن جميل بن معمر لأن هذا الرجل إذا سمع خبراً نشره في مكة كلها في لمح البصر "يا جميل، لقد أسلمت" فوثب جميل من ساعته، وأخذ يبث الخبر في كل مكان ""لقد صبأ عمر!" "لقد صبأ عمر!" لم يقف عمر عند هذا الحد بل قصد مباشرةً بيتَ أبي جهل وكان أبو جهلٍ لا يعلم شيئاً، فاستقبله بترحاب "يا أبا الحكم! لقد أسلمت" "لا لا، لا يمكن…
لا يمكن" لم يكن يتصور قط أن عمر الذي خرج ليقتل النبي ﷺ سيُسلم بدلاً من ذلك "قَبَّحَكَ اللهُ، وقَبَّحَ ما جِئْتَ به!" وبعد ذلك كله، لقّبه رسولُ الله ﷺ بـ "الفاروق" الذي يفرّق بين الحق والباطل ما أعجب هذا!
انظروا إلى عمر قبل الإسلام بساعة وانظروا إليه بعده بساعة عمرُ نفسه، الذي كان من أعداء الإسلام وكان يرتكب أعظم الذنوب، وهو الشرك بالله صار الآن عمرَ، صاحبَ رسولِ الله ﷺ الذي سيصبح لاحقاً ثانيَ خلفاء الإسلام، ويُعرف بعدله مهما كان ماضي المرء، إذا رجع إلى ربّه بصدقٍ وإخلاص فالله قادرٌ أن يبدّل قلبه على نحوٍ يفوق الخيال كان في روح رسولِ الله ﷺ نورٌ عظيم حتى إن كل من رآه وآمن به، وكل من جالسه وصحبَه كان يتحول من فحمٍ إلى ألماس أولئك الذين كانوا يدفنون بناتهم أحياءً بلا أدنى تأنيبٍ للضمير صاروا أناساً لا يؤذون ذبابة وأحياناً كان رجلٌ من قبيلةٍ أخرى يأتي فيجلس معه ساعةً واحدة أو يوماً واحداً ثم يعود إلى قومه معلّماً مثل أبي ذر أو الطفيل بن عمرو كانت تزول من نفوسهم كل الصفات السيئة ويمتلئون بأعلى مكارم الأخلاق وكان عددُ الذين تحوّلوا من فحمٍ إلى ألماس مثل عمر يتزايد باستمرار وصارت الدعوةُ إلى الإسلام تُعلَن بقوةٍ أعظم وكل هذه التطورات دفعت إلى المزيدٍ من الاجتماعات في دار الندوة حيث كانت تُنسَج الخطط الحاقدة وبدافع عطشهم للانتقام كانوا يتجهزون لتوجيه ضربةٍ قاصمة إلى المسلمين وكانت مكة على وشك أن تشهد أقسى الأيام في تاريخها إذ سيبلغون أقصى درجات القسوة في الحلقة القادمة، ستشهدون سنوات المقاطعة نراكم حينها