اللحظات الأخيرة لرسول الله ! بلال لم يتمكن من إنهاء الأذان... | الحلقة الأخيرة - يا رسول الله
نُشر في
كلُّ نبيٍّ أُعطي دعوةً واحدة مستجابةً لا محالة وقد استعمل كلُّ نبيٍّ تلك الدعوة في حياته فقد دعا سليمان عليه السلام بهذا الدعاء: "رَبِّ اغْفِرْ لِي" "وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي" "إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" فاستجاب الله له، وآتاه مُلكاً لا نظير له و زكريا عليه السلام فقد كان قلقاً من الموالي من بعده وكان قد بلغ من الكِبَر عتيّاً، وكانت امرأته عاقراً فدعا الله أن يرزقه ولداً فبشَّره الله بيحيى عليه السلام أما رسول الله ﷺ فقد بُعث رحمةً للعالمين ولذلك لم يستعمل دعوته في هذه الدنيا لأنه كان يحمل في قلبه، قبل حاجاته وآلامه هو همَّ أمته، همَّنا نحن فادَّخر تلك الدعوة لم يستعملها لنفسه، ولا لأهله ولا ليرفع بها ما لاقاه من شدائد وآلام بل قال: "إني خبَأتُ دعوتي شفاعة لأمَتي" "يوم القيامة" ادَّخر تلك الدعوة ليَسأل الله أن يغفر لنا في الآخرة وليقول متضرعاً إلى ربِّه: "أمتي، أمتي" فينقذنا يوم الحساب لذا لم يستعمل هذه الدعوة فبدلاً من أن يسأل راحته لنفسه أراد أن ينقذ حياتنا الأبدية تلك هي الرحمة والمحبة التي كان يحملها لأمته وكان في تلك الأيام يشعر أنه يعيش آخر أيام عمره وقريباً، سيوجِّه إلى أصحابه، وإلى أمته وإلى البشرية جمعاء، خطاباً تاريخيّاً والذي نعرفه اليوم باسم "خطبة الوداع" لنعد الآن إلى تلك اللحظة لنستمع إلى كلماته هذه السلسلة المرئية تستند إلى مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثقة جميع الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي أُعِدَّت بالتشاور مع علماء مسلمين مؤهَّلين وبما يوافق الضوابط الإسلامية إن الحج، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة قد فُرض في السنة التاسعة من الهجرة وفي السنة العاشرة، شرع النبي ﷺ في الاستعداد للحج وأخبر المسلمين في المدينة والقبائل القريبة أن يستعدوا كذلك فتجمَّع آلاف المسلمين في المدينة استعداداً للرحلة وكانوا في غاية الفرح لأنهم سيؤدون أول حجٍّ لهم برفقة رسول الله ﷺ لكنهم لم يكونوا يعلمون أنها ستكون حجة النبي ﷺ الأخيرة وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة خرجت قافلة من أربعين ألفاً بعد أن صلَّوا الظهر، ثم انطلقوا بقيادة رسول الله ﷺ وقبل أن يبدأ الحج، دعا بهذا الدعاء: "اللهم حجةً" "لا رياء فيها ولا سمعة" وقد ساقوا معهم مئةً من الإبل للهدي وبعد مسيرٍ دام نحو عشرة أيام وصلوا إلى مكة في الرابع من ذي الحجة ومع انضمام المسلمين القادمين للحج إليهم من اليمن وغيرها من المناطق بلغ عددهم أكثر من مئة ألف يا له من فتحٍ للقلوب!
فمنذ عشر سنوات، كان رسول الله ﷺ قد أُخرج من مكة ولم يكن معه إلا أبو بكر وها هو الآن يعود إلى مكة ومعه عشرات الآلاف من المسلمين وهذا أمرٌ لم تكن لتبلغه حرب، ولا سيف فما كان الأمر أمرَ سيوف بل كان أمرَ كسبٍ للقلوب كان رسول الله ﷺ مطمئنّاً هادئ النفس وكان مستعدّاً لأداء فريضة الحج وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، توجَّه إلى مِنى وفي اليوم التاسع، توجَّه إلى عرفة وفي ذلك العصر، في وسط وادي عرفة ألقى خطبة الوداع وقد بدأها بقوله: "يا أيها الناس" تأمَّلوا كيف لم يقل: "يا أيها المسلمون" لأن هذا النداء لم يكن موجَّهاً فقط إلى من وقفوا في عرفة يومئذٍ بل كان لكل إنسان سيأتي إلى يوم القيامة للرجال والنساء، للصغار والكبار فقد كان يخاطب أكثر من مئة ألف إنسان ومن خلالهم، كان يخاطب كل جيلٍ سيأتي بعدهم واستفتح خطبته بهذه الكلمات: "إن الحمد لله" "نحمده ونستعينه" "من يهده الله فلا مضل له" "ومن يضلل فلا هادي له" "وأشهد أن لا إله إلا الله" "وحده" "لا شريك ولا مثيل له ولا شبيه له" "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" "أيها الناس، اسمعوا قولي" "فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا هاهنا" "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" "كحرمة يومكم هذا" "في شهركم هذا، في بلدكم هذا" "ألا وإنكم ستلقون ربكم" "فيسألكم عن أعمالكم" "فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" "فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب" "فربَّ مبلغٍ أوعى" "من سامع" ثم بدأ يتحدث عن الربا فقال: "يا أيها الناس، من كانت عنده أمانةٌ" "فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها" "ألا وإن كلَّ ربا الجاهلية موضوع" "وهذا أمرُ الله" "وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب" "وإن لكم رؤوس أموالكم" "لا تَظلِمون ولا تُظلَمون" ثم تكلم عن حقوق النساء "أيها الناس، أوصيكم بالنساء خيراً" "فاتقوا الله في النساء" "فإنكم أخذتموهن بأمانة الله" "واستحللتم فروجهن" "بكلمة الله" "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" ثم قال كلماتٍ من شأنها أن تُنهي العنصرية "أيها الناس، إن ربكم واحد" "وإن أباكم واحد" "كلكم لآدم" "وآدم من تراب" "لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ" "ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ" "ولا لأبيض على أسود" "ولا لأسود على أبيض" "إلا بالتقوى" "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" لقد كان يخاطب قضايا ستظل البشرية تعاني منها قروناً طويلة، ويقدِّم الحلول التي كان العالم أحوجَ ما يكون إليها ثم ترك لنا أمانةً عظيمة "أيها الناس يقول رسول الله: تركت فيكم أمرين" "لن تضلوا ما تمسكتم بهما" "كتاب الله " وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم" وبعدها سأل أصحابه سؤالاً "أيها الناس، إنكم مسؤولون عني" "فماذا أنتم قائلون؟" "نشهد أنك قد بلَّغت الرسالة" "وأدَّيت الأمانة" "ونصحت الأمة" فلما سمع رسول الله ﷺ ذلك رفع سبابته إلى السماء وقال: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" "اللهم اشهد" وحتى بعد أربعة عشر قرناً، إن قُبلت شهادتنا نحن أيضاً فنحن كذلك نشهد أنك قد أدَّيت الأمانة يا رسول الله وكان الوقت قد مال إلى آخر النهار وكان المساء يقترب وكان رسول الله ﷺ على ناقته القصواء وفجأة تغيَّر وجهه، وبدأ العرق يتصبب من جبينه فعرف الصحابة أنه يتلقَّى الوحي وبعد برهة، لما انقضت تلك الحال تلا النبي ﷺ الآية التي نزلت عليه آنذاك "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" "وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" وفجأة، سُمع صوت بكاءٍ شديد لقد كان أبا بكر وكانت الدموع تنهمر من عينيه لكن بينما امتلأ الجميع فرحاً بهذه الآية ما الذي أبكاه؟ لقد أدرك أن هذه الآية كانت في حقيقتها وداعاً فما دام الله قد قال: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" فهذا يعني أن مهمة النبي قد تمَّت وأن وقت الفراق قد اقترب وفي تلك اللحظة، لم يفهم ذلك إلا أبو بكر ولعل الله كان يهيِّئه سلفاً لهذا الوداع الثقيل لأن وفاة رسول الله ﷺ كانت ستزلزل الصحابة من أعماقهم وحين يقع ذلك، لا بد أن يكون هناك من يثبت ويهدِّئ الجميع، ويهديهم وقد كان أبو بكر يومها ثابتاً ثبات الجبال وكان قد مضى عامان منذ فتح مكة فماذا حدث في هذين العامين؟ لنلخِّص ذلك بإيجاز لقد أصبحت مكة، بوصفها قلب الجزيرة العربية مركزاً للتوحيد وقد فتح هذا التحول الباب للقبائل الأخرى كي تدخل في الإسلام "وأن محمداً رسولُ الله" ومع ذلك، بدأت السنة التي عُرفت باسم "سنة الوفود" فقد جاءت القبائل من كل ناحيةٍ من جزيرة العرب ودخلت في الإسلام فأسلم أناسٌ من نواحي اليمن وقبائل سُلَيم، ومزينة، وجهينة وهوازن، وحتى أهل الطائف جاءوا فأسلموا أتذكرون دعاء النبي ﷺ لأهل الطائف؟ لقد كانت تلك الدعوة تُستجاب الآن وفي ذلك العام، قدم أكثر من ستين وفداً وبعد فتح مكة بوقتٍ يسير أسلم كذلك حاكم عُمان وأهلها ومن الزعماء الذين دخلوا الإسلام أيضاً حاكم البحرين ومعه أسلم كذلك الزعيم الديني للمجوس وبينما أسلم بعض المجوس في البحرين اختار آخرون أن يبقوا على دينهم لقد جاءت أخيراً الأيام التي بشرت بها سورة النصر فكما وصفت الآية كان الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، جماعةً بعد جماعة وإلى تلك المناطق التي أسلم أهلها حديثاً أُرسل الصحابة ولاةً أو مبعوثين وكان هؤلاء الصحابة يقومون مقام القضاة ويعلِّمون الناس دينهم "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" وكانوا كذلك مسؤولين عن إدارة شؤون الزكاة أتذكرون العقبات الثلاثة التي حاربها رسول الله ﷺ أثناء تأسيس الدولة في المدينة؟ الجهل والفقر والنزاع لقد كان هؤلاء الولاة يحاربون نفس العقبات على أرض الواقع فقد كانوا يساعدون الناس على تعلُّم الدين ولأن الإسلام ليس عبادةً فحسب بل يهدي إلى كل جانبٍ من جوانب الحياة فقد كانوا في الحقيقة يحاربون الجهل ومن خلال دورهم كقضاة وبإصدار الأحكام العادلة ونشر أخلاق الإسلام كانوا يحاربون النزاع والانقسام ومن خلال تولِّيهم شؤون الزكاة كانوا يحاربون الفقر مباشرةً وكانوا كلَّ عام يعلمون القبائل بأمر الزكاة وهي أحد أركان الإسلام الخمسة ثم كانت تُؤخذ من الذين بلغت أموالهم النصاب ثم يقوم المسؤولون عن الزكاة بتوزيعها على المحتاجين في تلك المنطقة وكان لهذا النظام أثرٌ عظيم حتى إنه خلال بضع سنواتٍ فقط بلغ أناسٌ كانوا يأخذون الزكاة يوماً مرحلةً صاروا فيها يعطون الزكاة بل إن معاذ بن جبل رضي الله عنه بعد سنواتٍ قليلة فقط، جمع الزكاة ذات مرة لكنه لما لم يجد في اليمن شخصاً واحداً محتاجاً اضطر إلى إرسال أموال الزكاة إلى مركز الخلافة لتوزَّع في مكانٍ آخر تخيَّل ذلك تذهب لتؤدي الصدقة فلا تجد محتاجاً واحداً في مدينتك كلها إنه يبدو كالحلم، صحيح؟ ذلك هو نوع النظام الذي يعد به الإسلام وخلال عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين الأربعة لم يُطلَب من المسلمين أيُّ مالٍ سوى الزكاة وإذا لم يكن المسلم قادراً على أداء الزكاة، لم يُؤخذ منه شيء أما من اليهود والنصارى والمجوس فقد كانت تُؤخذ ضريبة تُسمى الجزية وفي مقابل هذه الجزية لم يلزموا بالخروج للقتال وقت الحرب وكانت دماؤهم وأموالهم في حماية الدولة كما كانوا ينتفعون بخدماتها دون أي تمييز حتى إن عليّاً رضي الله عنه في زمن خلافته وقف أمام القاضي على قدم المساواة مع رجلٍ نصراني مع أنه كان رأس الدولة ولم يُظلَم ذلك الرجل النصراني في شيء ومع ذلك، لم يكن يمكن أن ترى هذا المستوى من العدل في الدول الأخرى كالروم أو الفرس كما أن مقدار الجزية المطلوبة لم يكن مبلغاً يُوقع الناس في ضيقٍ أو مشقة بل إن الذين كانوا يعيشون تحت حكم الروم والفرس قد أُرهقوا لسنواتٍ طويلة بالضرائب الباهظة "هذه آخرُ ما لديَّ من حبوب" "أطفالي يتضوَّرون جوعاً، بينما مخازنكم تفيض" "لعلَّ الله يبعث لنا منقذاً" لكن لما دخلت بلادهم تحت حكم الإسلام وجدوا راحةً في ضريبةٍ أقل بكثير وفوق ذلك، لم تكن النساء ولا الشيوخ، ولا أصحاب الأمراض الشديدة ولا رجال الدين، يُفرَض عليهم شيء منها أصلاً وبالإضافة إلى الأراضي المفتوحة كانت بعض الممالك أيضاً تقبل بسلطان المسلمين وبدفع الجزية فعلى سبيل المثال في أثناء غزوة تبوك، دُعي ملك كندة وصاحب أيلة، وأهل جرباء وأذرح إلى الإسلام لكنهم لم يقبلوا فتم عقد معاهدات صلحٍ معهم مقابل أن يدفعوا الجزية كل عام "بأمر من رسول الله، ستدفعون الجزية من الآن فصاعداً" وفي ذلك الوقت، كانت نفقات الدولة تُغطَّى بثلاثة أمور: الجزية، والغنائم وعوائد الصدقات والأوقاف وهكذا، ففي غضون سنتين فقط بعد فتح مكة ترسخ الأمن، واستقرَّ النظام وأصبح هناك نظامٌ راسخ ومن جهةٍ أخرى، وبأمر النبي ﷺ حُطِّمت الأصنام والمعابد الوثنية في أنحاء المنطقة كلها وزال الشرك من جزيرة العرب زوالاً تامّاً وقد حدثت كل هذه التحولات العظيمة في ثلاثٍ وعشرين سنة فقط في مجتمعٍ كالمجتمع الجاهلي كان مثل هذا التغيير يبدو شبه مستحيل وبمشيئة الله، كان رسول الله ﷺ يحوِّل الفحم إلى ألماس وكان الصحابة الذين ربَّاهم رجالاً سيصبحون معلِّمين وقدواتٍ للعالم في كل مجال وكان رسول الله ﷺ يؤدي حجة الوداع وقد أتمَّ جميع المناسك واحداً بعد واحد ثم جاء وقت النحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنةً كاملة واحدةً عن كل سنةٍ من عمره وقد فعل ذلك بيده الشريفة ولم يكن من الهيِّن على رجلٍ في مثل سنه أن ينحر ثلاثاً وستين بدنةً في يومٍ واحد وقد دلَّ ذلك على أنه كان لا يزال قويّاً صحيحاً فعلى الرغم من تقدُّم سنه، لم تظهر عليه أمارات ضعف وبعدها حلق شعره وبذلك تمَّ الحج ثم عاد مع أصحابه قافلاً إلى المدينة وكان ذلك في السنة الحادية عشرة من الهجرة ثم أصيب النبي ﷺ بحمى وكان مرضه لا يزداد إلا شدةً يوماً بعد يوم وفي كل رمضان، كان جبريل عليه السلام يأتي فيُدارس رسولَ الله آيات القرآن التي نزلت إلى ذلك الحين لكن جبريل دارسه القرآن كاملاً مرتين في تلك السنة وكانت تلك علامةً واضحة على أن هذه السنة مختلفة وفي تلك المدة، كان كثيراً ما يزور القبور فذهب رسول الله إلى بقيع الغرقد وقال: "السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين" "أتاكم ما توعدون" "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ثم قال بعد ذلك بوقت: "وددت أني قد رأيت إخواني" "أولسنا إخوانك يا رسول الله؟" فقال: "أنتم أصحابي" "وإخواني الذين لم يأتوا بعد" "وأنا فرطهم على الحوض" "يقصد بذلك حوض الكوثر يوم القيامة" نعم، لقد كان يتحدث عنا نحن لقد سمَّانا "إخوانه" أي أولئك الذين سيؤمنون به ويتبعون سبيله من غير أن يروه لقد آمنا بك ولم نرك يا رسول الله وأحببناك ولم نرك يا حبيب الله ولعلنا لا نستحق أن نُدعى إخوانك ولكننا أحببناك حبّاً عظيماً وكان قد دخل الآن في أيامه الثلاثة عشر الأخيرة لقد كانت تلك آخر أيام حياته المباركة وقد اشتدَّ عليه المرض، وضعف جسده كثيراً وكان يتألَّم ألماً شديداً وكان الجميع يعلمون مدى خطورة الحال وكان الصحابة في غاية الحزن لقد جاء ليُنقذهم من اليُتم الروحي فهل سيضطرون الآن إلى أن يعيشوا من دونه أيتاماً مرةً أخرى؟ إذا رحل، فإلى من سيلجؤون في همومهم؟ ومن الذي ستغذِّي كلماته عقولهم وأرواحهم؟ لكن هذه الدنيا دارُ ممرٍّ وزوال وكل إنسانٍ فيها ليس إلا ضيفاً وعاجلاً أو آجلاً، سيطرق ملك الموت باب كل واحد "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" وحتى في أيامه الأخيرة، كان لا يزال يفكر في أمته ففي دعائه، وفي دموعه، كانت أمته حاضرةً دائماً كان يبكي من أجلهم وفي واحدةٍ من تلك اللحظات، جاء جبريل عليه السلام وسأله: "لِمَ تبكي؟" فقال: "أمتي يا جبريل، أمتي" "أبكي على أمتي" فذهب جبريل، ثم عاد هذه المرة بالبشرى "إن ربك يقول: اذهب إلى محمد فقل له" "إنا سنرضيك في أمتك" "ولا نسوءك" وفي تلك الأيام العصيبة، أحبَّ أن يمكث في الموضع الذي كان يجد فيه أعظم راحته في بيت أمِّنا عائشة رضي الله عنها وكان يبيت كل ليلةٍ عند واحدةٍ من زوجاته على الترتيب وحتى في تلك الحال، لم يفرِّط في العدل بينهن فسأل أولاً: في بيت من يكون اليوم؟ ثم ذهب إلى بيت أمِّنا ميمونة غير أن زوجاته كنَّ قد فَهِمن ما يحب فاجتمعن جميعاً وأَذِنَّ لرسول الله أن يقيم في بيت عائشة ولم يبقَ إلا خمسة أيام وكان يعلم أن زمنه في هذه الدنيا قد أوشك على الانقضاء وبمساعدة عليٍّ رضي الله عنه ذهب إلى المسجد، وأمر بجمع الصحابة فيه ثم التفت رسول الله إلى أصحابه وقال: "إن اللَّه خيَّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده" "فاختار ما عند اللَّه" وفجأة، انخرط أحدهم في البكاء وكان مرةً أخرى صاحبه الوفي أبو بكر الصديق فقال: "بآبائنا وأمهاتنا" "أنت يا رسول الله" فنظر صلى الله عليه و سلم إلى أبي بكر وقال: "إنّ مِن أمنِّ الناس عليَّ" "في صحبته وماله أبا بكر" "ولو كنتُ متّخذاً خليلاً مِن أمّتي لاتخذت أبا بكر" "ولكن لا أتخذ خليلاً" "فإن الله قد اتخذني خليلاً" "ولكن أُخوَّة الإسلام ومودّته" ثم قال: "سُدُّوا عني كل خَوخَةٍ في هذا المسجد، غير خَوخَةِ أبي بكرٍ" فتم تنفيذ الأمر وفي الحقيقة، فإن قوله: "سُدُّوا عني كل خَوخَةٍ في هذا المسجد، غير خَوخَةِ أبي بكرٍ" كان يحمل معنى أعمق فكأنه كان يقول: قد يرغب بعضكم في تحمُّل مسؤولية هذه الأمة ولكني أُغلق كل بابٍ سواه في هذا الأمر وأريد أن يُجعل أبو بكر في ذلك الموضع وكانت حمى رسول الله ﷺ في ازدياد وكان مرضه يشتد أكثر فأكثر وكان الصحابة إذا دخلوا عليه ورأوه على تلك الحال حزنوا حزناً شديداً وكان رسول الله ﷺ يقول يوماً: "أشد الناس بلاءً الأنبياء" "ومع ذلك، فإن فرح النبي بتلك البلايا" "أعظم من فرحكم بما تُعطَون من النعم" ثم قال: "ما من مسلم يصيبه أذى" "من مرض فما سواه، إلا حط الله تعالى به سيئاته" "كما تحط الشجرة ورقها" ولم يعد رسول الله ﷺ قادراً على الذهاب إلى المسجد فإلى ذلك الوقت، كان لا يزال يستطيع الذهاب بمساعدة عمه العباس، وعلي، وابن أخيه الفضل فكان يذهب ويؤم الناس لكنَّه الآن صار يلازم فراشه مدة طويلة ولا يكاد يفتح عينيه إلا من حينٍ إلى حين وفي لحظةٍ ما، فتح عينيه وسأل: "أصلَّى الناس؟" "لا، هم ينتظرونك يا رسول الله" فقال: "مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" "يا رسول الله" "إن أبي أبا بكر رجلٌ رقيق القلب" "وإذا قام مقامك" "فلن يملك دموعه" "وسيبكي الناس لبكائه" "فهلا أمرت غيره؟" فكرر رسول الله ﷺ أمره فقال: "مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" فتقدَّم أبو بكر إماماً وبدأ يصلي بالناس صلاة الظهر وفي اليوم التالي، وجد رسول الله ﷺ قوةً مفاجئة مكَّنته من النهوض من فراشه ثم جاء إلى المسجد، مستنداً إلى من كان بجانبه فلما رآه أبو بكر، أراد أن يتأخر فأشار إليه رسول الله أن يبقى في مكانه ثم جلس عن يساره لكن أبا بكر تأخر قليلاً وصار يأتمّ بالنبي وكانت تلك آخر صلاةٍ صلاها النبي ﷺ بأصحابه وبعدها أصبح أبو بكر هو الذي يؤم الناس لقد كان اليوم الثالث عشر من مرضه، صباح يوم الاثنين لقد فتح عينيه على هذه الدنيا أول مرة في يوم الاثنين وها هو يوم الاثنين قد جاء مرة أخرى لكن هذه المرة، كان وداعٌ ثقيل يقترب وكان أبو بكر يؤم الصحابة في صلاة الفجر فرفع رسول الله ﷺ رأسه لحظةً ورأى من نافذة حجرته الصحابة مصطفين في صفوفٍ مستقيمة كتفاً إلى كتف وفي تلك اللحظة، امتلأ قلبه بسرورٍ عظيم ها هم أصحابه الذين تحمَّل لأجلهم كل تلك المشقات وكم أصبحوا مختلفين عن أيام الجاهلية قبل ثلاثٍ وعشرين سنة لقد توجَّه كل واحدٍ منهم إلى ربِّه، وقَبِل الإسلام وبذل حياته وماله في سبيل الله ورسوله ﷺ ويا لها من سعادةٍ عظيمة أن يراهم على تلك الحال وكانت تلك آخر مرةٍ يرى فيها النبي ﷺ أصحابه على هذا النحو وكان ألم الفراق على وشك أن يقع في قلوبهم كالجمر الملتهب وأما لقاؤهم فقد أُخِّر إلى الجنة وفي لحظةٍ من تلك اللحظات، دعا رسول الله ﷺ ابنته الحبيبة فاطمة وكانت هي ابنته الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة وكانت في خُلُقها، ومشيتها وفي أشياء كثيرةٍ أخرى، أشبه الناس بأبيها فأجلسها رسول الله ﷺ عن يساره وأسرَّ إليها بشيء فغلب الحزن على فاطمة وانهمرت الدموع من عينيها وكان صوتها يرتجف ثم أسرَّ إليها رسول الله ﷺ بشيءٍ آخر فإذا بها هذه المرة تبتسم ثم لما سألتها عائشة بعد ذلك عمَّا قال لها النبي ﷺ قالت فاطمة: "أخبرني أنه قد نُعيت إليه نفسه" "ويتركني بعدها، فبكيت" "ثم أخبرني أني أول أهله لحوقاً به" "فابتسمت" وقد وقع الأمر كما قال تماماً فبعد وفاة أبيها بستة أشهر، توفيت هي أيضاً وكانت لا تزال في العشرينات من عمرها وقد شعرت فاطمة بألم النبي في قلبها فلم تعد تحتمل أكثر فأحاطت أباها الحبيب بذراعيها وانفجرت باكية "أبتاه" "واكرباهُ لِكَرْبِك اليومَ" وكان ذلك شبيهاً ببكائها قبل سنوات حين ألقى المشركون سلا الجزور على ظهره لكن زمن ألمه الآن كان يوشك أن ينتهي فنظر رسول الله ﷺ إلى ابنته وقال: "يا فاطمة، لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليومِ يا فاطمةُ" "لقد نزل بأبيكِ الأمرُ الذي لا ينجو منه أحدٌ إلى يوم القيامة" وكان رسول الله ﷺ قد دخل الآن في طريقٍ لا رجعة منه فنبينا ﷺ، الذي أُرسل رحمةً للعالمين والذي تحمَّل كل المشاق من أجل تبليغ رسالة الإسلام والذي كانت حياته خير قدوةٍ للبشرية كلها كان الآن على فراش الموت نعم، لقد كنا طوال هذه الأيام الماضية نتحدث عن سيرته المباركة لقد وُلد يتيماً وفقد أمَّه وهو لا يزال صغيراً جدّاً وكانت حياته مليئةً بالمشاق والابتلاءات وقد نزل عليه الوحي أول مرة وهو منفردٌ يتفكر في غار حراء لم يكن يدرك ما الذي يحدث فذهب مباشرةً إلى أول من كان يلجأ إليه دائماً، خديجة وقال: "زملوني، زملوني" لقد حُمِّل أمانة النبوة وهكذا بدأت مجاهدته التي ستستمر ثلاثاً وعشرين سنة وفي السنوات الأولى، واجه صنوفاً شتى من الاضطهاد "هذا جزاء من يطيع محمداً" وكان إذا تألَّم أصحابه، تألَّم معهم كذلك وقد أنزل بهم المشركون ألواناً من العذاب لا تُتصوَّر وظل هو وأهله ومعهم أقاربه محاصَرين في الشِّعب ثلاث سنين كاملة قُطعوا عن الناس، وأصابهم الجوع والعطش ومع ذلك لم يتخلَّ عن رسالته أبداً وبينما كانت الأحوال قد بدأت تميل إلى الانفراج فقد أعزَّ الناسِ عليه فقد أولاً عمَّه أبا طالب الذي كان يحوطه بالحماية دائماً ثم فقد زوجته الحبيبة خديجة التي كانت دوماً إلى جانبه ثم ذهب إلى الطائف، يرجو أن يجد منهم سمعاً وقبولاً لكنهم آذوه بشدة ولو شاء، لأهلك الله أهل الطائف لكنه لم يطلب ذلك فقد كان نبي الرحمة وقال: "إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم" "من يعبد الله وحده" ومرةً أخرى، كان يفكر في أمته ومرةً أخرى، اختار الرحمة ومع كل هذه الشدائد، لم يستسلم أبداً فقد هاجر إلى المدينة من أجل نشر الإسلام وهناك، عمل بلا فتور لإقامة دين الله فبنى حضارةً جديدة ومن هناك نشر الإسلام في الآفاق وفي غزوة أحد، فقد عمَّه حمزة الذي كان يقف بجانبه كالجبل وفقد كذلك بعضاً من أحب أصحابه إليه وكانت هذه الفواجع شديدة جدّاً على قلبه لكن النبي ﷺ، في كل شدة، كان يستمد قوته من الله، ولم يتأخر قط عن تبليغ رسالته وقد قاد كثيراً من الغزوات وبإذن الله نال النصر ومن خلال ذلك، عرفت قبائل كثيرة الإسلام ودخلت فيه وكان رسول الله ﷺ قد أتم مهمته ثم أدى أخيراً حجة الوداع وألقى خطبة الوداع فأعطى آخر وصاياه وتذكيراته للبشرية كلها ولأصحابه، ولأمته نعم، لقد أكمل رسالته على أكمل وجه والآن، آن أوان الرحيل إلى الدار الأبدية وكان النهار قد انتصف وكانت الشمس في طريقها إلى الغروب ولم تكن تتحرك إلا شفتاه "اللهم الرفيق الأعلى" أي إنه كان يُؤثر الرفيق الأعلى وكان يكرر كذلك: "الصلاةَ الصلاةَ" ليذكِّرهم بالتمسك بالصلاة لقد انتظرت الأرض مجيئه قروناً طويلة والآن، كانت ملائكة السماء تنتظر وكان إلى جواره إناءٌ فيه ماء فأدخل يديه فيه ومسح بهما وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله" ثم أشار إلى السماء بيده إلى أعلى، وهو يردد: "اللهم الرفيق الأعلى" ومات رسول الله ﷺ عن ثلاثٍ وستين سنة فأجهشت فاطمة رضي الله عنها بالبكاء ولما بدأت زوجات النبي ﷺ يبكين كذلك فهم الصحابة ما الذي وقع ووقف عليٌّ كأنه قد تحوَّل إلى حجر وعيناه ممتلئتان بالدموع وعثمان، لم ينطق بكلمة كأنما عُقد لسانه وأما عمر رضي الله عنه فقد غلبته صدمة تلك اللحظة المروعة "ما تقولون ثكلتكم امهاتكم والله ما مات رسول الله" "ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران" "من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه وفي تلك اللحظة، كان أبو بكر في منزله بالسُّنح فلما بلغه الخبر، عاد مسرعاً ودون أن يلتفت إلى أحد، دخل الحجرة مباشرةً وكشف عن وجه النبي ﷺ فقبَّل جبينه وبكى "طبتَ حيّاً وميتاً" "يا رسول الله" ثم غطى وجهه مرةً أخرى وخرج إلى الناس وكان أمامه جمعٌ من الصحابة لا يدرون ماذا يصنعون وكان الجميع يبكون، وقد غمرهم الحزن والذهول وكان قد سمع كلام عمر أيضاً "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات" "ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌّ لا يموت" قال تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ" "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ" "أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ" "انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ" "وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا" "وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" وكانت هذه الآية قد نزلت يوم أُحد بعد أن أشاع المشركون خبراً كاذباً أن محمداً قد قُتل ومع أن الصحابة كانوا قد تلوها مئات المرات فقد بدا لهم في تلك اللحظة من شدة الحزن كأنهم نسوها فجأة لكن أبا بكر، بتلك الآية الواحدة، سكّن قلوب الجميع وبعد سماع هذه الكلمات، بدأ الصحابة يستجمعون أنفسهم ولو قليلاً وأدركوا أخيراً أن رسول الله قد فارق هذه الدنيا حتى عمر رجع إلى صوابه وكفَّ عما كان يقوله وقال عمر بعد ذلك: "كأني لم أسمع هذه الآية من قبل إلا حينئذ" نعم، لم تعرف المدينة في تاريخها فرحاً مثل الفرح الذي عرفته يوم قدم إليها النبي ﷺ وها هي الآن تعيش أشد لحظات الحزن والأسى كانت الدموع تجري من عيونهم وكان الحزن والأسى يفيضان من قلوبهم لكن الحزن وحده لا يُنجز شيئاً "ماذا سنفعل الآن؟" كان لا بد من اختيار خليفة رجلٍ يقود المسلمين ويواصل إقامة أحكام الإسلام ويكون ملجأً للأمة كلها رجلٍ يقضي أيامه ولياليه في خدمة الإسلام فاجتمع الصحابة وكان أحق الناس بهذه المسؤولية العظيمة أبو بكر فقد كان من السابقين الأولين إلى الإيمان وصاحب النبي في الهجرة ثاني اثنين في الغار وكان رسول الله ﷺ قد أعطى أثناء مرضه إشاراتٍ واضحة تدل على خلافة أبي بكر فقد أمر بسدِّ جميع الأبواب المؤدية إلى المسجد وأبقى باب أبي بكر وحده مفتوحاً كما أمره أن يؤمَّ الناس في الصلاة وقد أعطاه مقام الإمامة، أي القيادة ومع وجود عشراتٍ من الصحابة اختار أبو بكر ليؤمَّ الناس من بينهم جميعاً ولم يتأخر أبو بكر الصديق يوماً عن أن يبذل كل ما يملك للإسلام والمسلمين فلما احتاج الجيش إلى التجهيز بذل من التضحية ما لم يبلغه أحد فجاء بكل ما يملك فسأله رسول الله: "ما أبقيتَ لأهلك يا أبا بكر؟" "أبقيتُ لهم الله ورسوله" وفي صباح اليوم الذي أعقب الإسراء والمعراج حين كان المشركون يسخرون من رسول الله وفي أشد الأيام، في بدرٍ وأحدٍ والخندق كان أبو بكر دائماً إلى جواره ولهذه الأسباب كان هو أحقَّ الناس بأن يكون الخليفة بعد رسول اللهﷺ وهذا ما وقع بالفعل فبعد أن اجتمع الصحابة وتشاوروا اختير أبو بكر أول خليفةٍ في الإسلام وفي اليوم التالي، كان وقت صلاة الظهر وكانت المدينة كلها، لا تزال غارقةً في الدموع، قد ملأت المسجد لتصلي وكعادته، بدأ بلال يرفع الأذان فلما بلغ قوله: "أشهد أن محمداً رسول الله" ضاق حلقه وارتجف صوته ولم يستطع حتى أن يُتمَّ الجملة كان من المفترض أن يدعو الناس إلى الصلاة، لكنه لم يستطع لم يستطع أن يُكمل، فانفجر باكياً وكان الجميع يبكون لم يكن بلال يحتمل حتى مجرد فكرة المدينة بدون النبي ﷺ ولم يعد يستطيع الأذان ولم يَعُد يريد البقاء في مدينةٍ يذكِّره كلُّ ركنٍ فيها برسول الله وبعد بضع سنوات، خرج إلى الشام وقد غسَّل عليٌّ رضي الله عنه جسد النبي ﷺ الطاهر وأثناء غسله له، فاح منه طيبٌ كالمسك رائحةٌ لم يشمَّ الناس مثلها قط وبحلول يوم الثلاثاء قبل الظهر كان الغُسل والتكفين قد تمَّا ثم دخل الصحابة فصلَّوا عليه وكان رسول الله ﷺ قد قال: "ما قُبض نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض" ولهذا، وبإشارة أبي بكر، دُفن في حجرة عائشة في الموضع نفسه الذي قُبض فيه وقد قال ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" "ما تركناه صدقة" حتى إن درعه كانت مرهونة عند رجلٍ يهودي في مقابل شعير ولو أن إنساناً لا يعرفه رأى هذا المشهد وحده، لكفاه ومع ذلك، فإن رسول الله قد ترك لنا إرثاً عظيماً ترك ميراثين: القرآن، والسنة لقد أدَّى الأمانة على أكمل وجه والآن جاء دورنا نحن لقد سلَّمنا رسولُ الله الرايةَ وأصبح من مسؤوليتنا الآن أن نرفعها من جديد ونحملها إلى العالم كله فليس هذا وقت الجلوس في البيوت إن الراية التي استؤمنَّا عليها تنتظر منا أن نخطو خطوة إنها تشتاق لأن ترفع من جديد إن العالم ينتظر أن يسمع هذه الرسالة وينتظر أن يخرج من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، نور القرآن إن البشرية مريضةٌ من داخلها وأرواحها تتألم، لكنها لا تجد سبيلاً للخلاص فإذا كان الدواء بأيدينا، فإلى متى نظل واقفين ننتظر؟ ألم يحن الوقت لنبدأ رحلتنا ؟ لقد عشتَ لأجل أمتك يا رسول الله فلماذا نعيش نحن؟ لقد سهرت الليالي من أجل أن تُنقذ الحياة الأبدية لأمتك و نحن لا نفكر إلا في أنفسنا ولم تتخلَّ عن دعوتك أبداً، حتى في أشد الابتلاءات أما نحن، فنضل الطريق عند أول مشقة ورغم ذلك، كنت تشتاق إلينا حتي سميتنا اخوانك" فهل نحن حقّاً أهلٌ لهذا الاسم؟ أيكفي أن نقول: إننا نحبك لنكون من أمتك؟ أم أن نحيا بسنتك وأن نحملها فعلاً إلى حياتنا؟ فالآن هو وقت الاستيقاظ وقد آن لأمةٍ بكيتَ من أجلها أن تصبح أهلاً لك يا رسول الله نعاهدك أن نتمسك بطريقك، وقضيتك، وميراثك اليوم سنغيِّر أحوالنا اليوم سنبدأ العيش على نهجك اليوم سنخطو خطوةً لنكون إخوانك الذين اشتقتَ إليهم وإليك يا أخي، يا أختي مّن يشاهد هذا الفيديو إن كنت تريد أن تقوِّي إيمانك وتزيد من علمك فقد أعددنا لك عشرات المقاطع التعليمية على قناتنا "نحو الخلود" فبجهد قليل مع الأستمرارية يمكن أن تحقق تقدماً مذهلاً وإن كنت تريد ان تتعلم الإسلام من البداية" فلدينا تطبيق اسمه Step Islam ومن خلال تطبيق الصلاة المجاني يمكنك أن تجعل الصلوات الخمس جزءاً ثابتاً من حياتك وإن كنت لا تعرف كيف تقرأ القرآن بالعربية فلدينا تطبيق Lamalif Quran وإن كنت تريد أن تتعمق أكثر في معاني القرآن يمكنك تحميل تطبيق التفسير الخاص بنا، My Risale إن وصلت إليك هذه السلسلة فإن الله يريد منك أن تغيِّر شيئاً في حياتك أذن أفلا تخطو إليه خطوةً واحدةً في المقابل؟ يا رسول الله نسأل الله أن يجعلنا أمةً تليق بك صلى الله عليك وسلم يا من أُرسلت رحمةً للعالمين يا رسول الله ﷺ
فمنذ عشر سنوات، كان رسول الله ﷺ قد أُخرج من مكة ولم يكن معه إلا أبو بكر وها هو الآن يعود إلى مكة ومعه عشرات الآلاف من المسلمين وهذا أمرٌ لم تكن لتبلغه حرب، ولا سيف فما كان الأمر أمرَ سيوف بل كان أمرَ كسبٍ للقلوب كان رسول الله ﷺ مطمئنّاً هادئ النفس وكان مستعدّاً لأداء فريضة الحج وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، توجَّه إلى مِنى وفي اليوم التاسع، توجَّه إلى عرفة وفي ذلك العصر، في وسط وادي عرفة ألقى خطبة الوداع وقد بدأها بقوله: "يا أيها الناس" تأمَّلوا كيف لم يقل: "يا أيها المسلمون" لأن هذا النداء لم يكن موجَّهاً فقط إلى من وقفوا في عرفة يومئذٍ بل كان لكل إنسان سيأتي إلى يوم القيامة للرجال والنساء، للصغار والكبار فقد كان يخاطب أكثر من مئة ألف إنسان ومن خلالهم، كان يخاطب كل جيلٍ سيأتي بعدهم واستفتح خطبته بهذه الكلمات: "إن الحمد لله" "نحمده ونستعينه" "من يهده الله فلا مضل له" "ومن يضلل فلا هادي له" "وأشهد أن لا إله إلا الله" "وحده" "لا شريك ولا مثيل له ولا شبيه له" "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" "أيها الناس، اسمعوا قولي" "فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا هاهنا" "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" "كحرمة يومكم هذا" "في شهركم هذا، في بلدكم هذا" "ألا وإنكم ستلقون ربكم" "فيسألكم عن أعمالكم" "فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" "فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب" "فربَّ مبلغٍ أوعى" "من سامع" ثم بدأ يتحدث عن الربا فقال: "يا أيها الناس، من كانت عنده أمانةٌ" "فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها" "ألا وإن كلَّ ربا الجاهلية موضوع" "وهذا أمرُ الله" "وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب" "وإن لكم رؤوس أموالكم" "لا تَظلِمون ولا تُظلَمون" ثم تكلم عن حقوق النساء "أيها الناس، أوصيكم بالنساء خيراً" "فاتقوا الله في النساء" "فإنكم أخذتموهن بأمانة الله" "واستحللتم فروجهن" "بكلمة الله" "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" ثم قال كلماتٍ من شأنها أن تُنهي العنصرية "أيها الناس، إن ربكم واحد" "وإن أباكم واحد" "كلكم لآدم" "وآدم من تراب" "لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ" "ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ" "ولا لأبيض على أسود" "ولا لأسود على أبيض" "إلا بالتقوى" "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" لقد كان يخاطب قضايا ستظل البشرية تعاني منها قروناً طويلة، ويقدِّم الحلول التي كان العالم أحوجَ ما يكون إليها ثم ترك لنا أمانةً عظيمة "أيها الناس يقول رسول الله: تركت فيكم أمرين" "لن تضلوا ما تمسكتم بهما" "كتاب الله " وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم" وبعدها سأل أصحابه سؤالاً "أيها الناس، إنكم مسؤولون عني" "فماذا أنتم قائلون؟" "نشهد أنك قد بلَّغت الرسالة" "وأدَّيت الأمانة" "ونصحت الأمة" فلما سمع رسول الله ﷺ ذلك رفع سبابته إلى السماء وقال: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" "اللهم اشهد" وحتى بعد أربعة عشر قرناً، إن قُبلت شهادتنا نحن أيضاً فنحن كذلك نشهد أنك قد أدَّيت الأمانة يا رسول الله وكان الوقت قد مال إلى آخر النهار وكان المساء يقترب وكان رسول الله ﷺ على ناقته القصواء وفجأة تغيَّر وجهه، وبدأ العرق يتصبب من جبينه فعرف الصحابة أنه يتلقَّى الوحي وبعد برهة، لما انقضت تلك الحال تلا النبي ﷺ الآية التي نزلت عليه آنذاك "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" "وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" وفجأة، سُمع صوت بكاءٍ شديد لقد كان أبا بكر وكانت الدموع تنهمر من عينيه لكن بينما امتلأ الجميع فرحاً بهذه الآية ما الذي أبكاه؟ لقد أدرك أن هذه الآية كانت في حقيقتها وداعاً فما دام الله قد قال: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" فهذا يعني أن مهمة النبي قد تمَّت وأن وقت الفراق قد اقترب وفي تلك اللحظة، لم يفهم ذلك إلا أبو بكر ولعل الله كان يهيِّئه سلفاً لهذا الوداع الثقيل لأن وفاة رسول الله ﷺ كانت ستزلزل الصحابة من أعماقهم وحين يقع ذلك، لا بد أن يكون هناك من يثبت ويهدِّئ الجميع، ويهديهم وقد كان أبو بكر يومها ثابتاً ثبات الجبال وكان قد مضى عامان منذ فتح مكة فماذا حدث في هذين العامين؟ لنلخِّص ذلك بإيجاز لقد أصبحت مكة، بوصفها قلب الجزيرة العربية مركزاً للتوحيد وقد فتح هذا التحول الباب للقبائل الأخرى كي تدخل في الإسلام "وأن محمداً رسولُ الله" ومع ذلك، بدأت السنة التي عُرفت باسم "سنة الوفود" فقد جاءت القبائل من كل ناحيةٍ من جزيرة العرب ودخلت في الإسلام فأسلم أناسٌ من نواحي اليمن وقبائل سُلَيم، ومزينة، وجهينة وهوازن، وحتى أهل الطائف جاءوا فأسلموا أتذكرون دعاء النبي ﷺ لأهل الطائف؟ لقد كانت تلك الدعوة تُستجاب الآن وفي ذلك العام، قدم أكثر من ستين وفداً وبعد فتح مكة بوقتٍ يسير أسلم كذلك حاكم عُمان وأهلها ومن الزعماء الذين دخلوا الإسلام أيضاً حاكم البحرين ومعه أسلم كذلك الزعيم الديني للمجوس وبينما أسلم بعض المجوس في البحرين اختار آخرون أن يبقوا على دينهم لقد جاءت أخيراً الأيام التي بشرت بها سورة النصر فكما وصفت الآية كان الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، جماعةً بعد جماعة وإلى تلك المناطق التي أسلم أهلها حديثاً أُرسل الصحابة ولاةً أو مبعوثين وكان هؤلاء الصحابة يقومون مقام القضاة ويعلِّمون الناس دينهم "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" وكانوا كذلك مسؤولين عن إدارة شؤون الزكاة أتذكرون العقبات الثلاثة التي حاربها رسول الله ﷺ أثناء تأسيس الدولة في المدينة؟ الجهل والفقر والنزاع لقد كان هؤلاء الولاة يحاربون نفس العقبات على أرض الواقع فقد كانوا يساعدون الناس على تعلُّم الدين ولأن الإسلام ليس عبادةً فحسب بل يهدي إلى كل جانبٍ من جوانب الحياة فقد كانوا في الحقيقة يحاربون الجهل ومن خلال دورهم كقضاة وبإصدار الأحكام العادلة ونشر أخلاق الإسلام كانوا يحاربون النزاع والانقسام ومن خلال تولِّيهم شؤون الزكاة كانوا يحاربون الفقر مباشرةً وكانوا كلَّ عام يعلمون القبائل بأمر الزكاة وهي أحد أركان الإسلام الخمسة ثم كانت تُؤخذ من الذين بلغت أموالهم النصاب ثم يقوم المسؤولون عن الزكاة بتوزيعها على المحتاجين في تلك المنطقة وكان لهذا النظام أثرٌ عظيم حتى إنه خلال بضع سنواتٍ فقط بلغ أناسٌ كانوا يأخذون الزكاة يوماً مرحلةً صاروا فيها يعطون الزكاة بل إن معاذ بن جبل رضي الله عنه بعد سنواتٍ قليلة فقط، جمع الزكاة ذات مرة لكنه لما لم يجد في اليمن شخصاً واحداً محتاجاً اضطر إلى إرسال أموال الزكاة إلى مركز الخلافة لتوزَّع في مكانٍ آخر تخيَّل ذلك تذهب لتؤدي الصدقة فلا تجد محتاجاً واحداً في مدينتك كلها إنه يبدو كالحلم، صحيح؟ ذلك هو نوع النظام الذي يعد به الإسلام وخلال عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين الأربعة لم يُطلَب من المسلمين أيُّ مالٍ سوى الزكاة وإذا لم يكن المسلم قادراً على أداء الزكاة، لم يُؤخذ منه شيء أما من اليهود والنصارى والمجوس فقد كانت تُؤخذ ضريبة تُسمى الجزية وفي مقابل هذه الجزية لم يلزموا بالخروج للقتال وقت الحرب وكانت دماؤهم وأموالهم في حماية الدولة كما كانوا ينتفعون بخدماتها دون أي تمييز حتى إن عليّاً رضي الله عنه في زمن خلافته وقف أمام القاضي على قدم المساواة مع رجلٍ نصراني مع أنه كان رأس الدولة ولم يُظلَم ذلك الرجل النصراني في شيء ومع ذلك، لم يكن يمكن أن ترى هذا المستوى من العدل في الدول الأخرى كالروم أو الفرس كما أن مقدار الجزية المطلوبة لم يكن مبلغاً يُوقع الناس في ضيقٍ أو مشقة بل إن الذين كانوا يعيشون تحت حكم الروم والفرس قد أُرهقوا لسنواتٍ طويلة بالضرائب الباهظة "هذه آخرُ ما لديَّ من حبوب" "أطفالي يتضوَّرون جوعاً، بينما مخازنكم تفيض" "لعلَّ الله يبعث لنا منقذاً" لكن لما دخلت بلادهم تحت حكم الإسلام وجدوا راحةً في ضريبةٍ أقل بكثير وفوق ذلك، لم تكن النساء ولا الشيوخ، ولا أصحاب الأمراض الشديدة ولا رجال الدين، يُفرَض عليهم شيء منها أصلاً وبالإضافة إلى الأراضي المفتوحة كانت بعض الممالك أيضاً تقبل بسلطان المسلمين وبدفع الجزية فعلى سبيل المثال في أثناء غزوة تبوك، دُعي ملك كندة وصاحب أيلة، وأهل جرباء وأذرح إلى الإسلام لكنهم لم يقبلوا فتم عقد معاهدات صلحٍ معهم مقابل أن يدفعوا الجزية كل عام "بأمر من رسول الله، ستدفعون الجزية من الآن فصاعداً" وفي ذلك الوقت، كانت نفقات الدولة تُغطَّى بثلاثة أمور: الجزية، والغنائم وعوائد الصدقات والأوقاف وهكذا، ففي غضون سنتين فقط بعد فتح مكة ترسخ الأمن، واستقرَّ النظام وأصبح هناك نظامٌ راسخ ومن جهةٍ أخرى، وبأمر النبي ﷺ حُطِّمت الأصنام والمعابد الوثنية في أنحاء المنطقة كلها وزال الشرك من جزيرة العرب زوالاً تامّاً وقد حدثت كل هذه التحولات العظيمة في ثلاثٍ وعشرين سنة فقط في مجتمعٍ كالمجتمع الجاهلي كان مثل هذا التغيير يبدو شبه مستحيل وبمشيئة الله، كان رسول الله ﷺ يحوِّل الفحم إلى ألماس وكان الصحابة الذين ربَّاهم رجالاً سيصبحون معلِّمين وقدواتٍ للعالم في كل مجال وكان رسول الله ﷺ يؤدي حجة الوداع وقد أتمَّ جميع المناسك واحداً بعد واحد ثم جاء وقت النحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنةً كاملة واحدةً عن كل سنةٍ من عمره وقد فعل ذلك بيده الشريفة ولم يكن من الهيِّن على رجلٍ في مثل سنه أن ينحر ثلاثاً وستين بدنةً في يومٍ واحد وقد دلَّ ذلك على أنه كان لا يزال قويّاً صحيحاً فعلى الرغم من تقدُّم سنه، لم تظهر عليه أمارات ضعف وبعدها حلق شعره وبذلك تمَّ الحج ثم عاد مع أصحابه قافلاً إلى المدينة وكان ذلك في السنة الحادية عشرة من الهجرة ثم أصيب النبي ﷺ بحمى وكان مرضه لا يزداد إلا شدةً يوماً بعد يوم وفي كل رمضان، كان جبريل عليه السلام يأتي فيُدارس رسولَ الله آيات القرآن التي نزلت إلى ذلك الحين لكن جبريل دارسه القرآن كاملاً مرتين في تلك السنة وكانت تلك علامةً واضحة على أن هذه السنة مختلفة وفي تلك المدة، كان كثيراً ما يزور القبور فذهب رسول الله إلى بقيع الغرقد وقال: "السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين" "أتاكم ما توعدون" "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ثم قال بعد ذلك بوقت: "وددت أني قد رأيت إخواني" "أولسنا إخوانك يا رسول الله؟" فقال: "أنتم أصحابي" "وإخواني الذين لم يأتوا بعد" "وأنا فرطهم على الحوض" "يقصد بذلك حوض الكوثر يوم القيامة" نعم، لقد كان يتحدث عنا نحن لقد سمَّانا "إخوانه" أي أولئك الذين سيؤمنون به ويتبعون سبيله من غير أن يروه لقد آمنا بك ولم نرك يا رسول الله وأحببناك ولم نرك يا حبيب الله ولعلنا لا نستحق أن نُدعى إخوانك ولكننا أحببناك حبّاً عظيماً وكان قد دخل الآن في أيامه الثلاثة عشر الأخيرة لقد كانت تلك آخر أيام حياته المباركة وقد اشتدَّ عليه المرض، وضعف جسده كثيراً وكان يتألَّم ألماً شديداً وكان الجميع يعلمون مدى خطورة الحال وكان الصحابة في غاية الحزن لقد جاء ليُنقذهم من اليُتم الروحي فهل سيضطرون الآن إلى أن يعيشوا من دونه أيتاماً مرةً أخرى؟ إذا رحل، فإلى من سيلجؤون في همومهم؟ ومن الذي ستغذِّي كلماته عقولهم وأرواحهم؟ لكن هذه الدنيا دارُ ممرٍّ وزوال وكل إنسانٍ فيها ليس إلا ضيفاً وعاجلاً أو آجلاً، سيطرق ملك الموت باب كل واحد "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" وحتى في أيامه الأخيرة، كان لا يزال يفكر في أمته ففي دعائه، وفي دموعه، كانت أمته حاضرةً دائماً كان يبكي من أجلهم وفي واحدةٍ من تلك اللحظات، جاء جبريل عليه السلام وسأله: "لِمَ تبكي؟" فقال: "أمتي يا جبريل، أمتي" "أبكي على أمتي" فذهب جبريل، ثم عاد هذه المرة بالبشرى "إن ربك يقول: اذهب إلى محمد فقل له" "إنا سنرضيك في أمتك" "ولا نسوءك" وفي تلك الأيام العصيبة، أحبَّ أن يمكث في الموضع الذي كان يجد فيه أعظم راحته في بيت أمِّنا عائشة رضي الله عنها وكان يبيت كل ليلةٍ عند واحدةٍ من زوجاته على الترتيب وحتى في تلك الحال، لم يفرِّط في العدل بينهن فسأل أولاً: في بيت من يكون اليوم؟ ثم ذهب إلى بيت أمِّنا ميمونة غير أن زوجاته كنَّ قد فَهِمن ما يحب فاجتمعن جميعاً وأَذِنَّ لرسول الله أن يقيم في بيت عائشة ولم يبقَ إلا خمسة أيام وكان يعلم أن زمنه في هذه الدنيا قد أوشك على الانقضاء وبمساعدة عليٍّ رضي الله عنه ذهب إلى المسجد، وأمر بجمع الصحابة فيه ثم التفت رسول الله إلى أصحابه وقال: "إن اللَّه خيَّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده" "فاختار ما عند اللَّه" وفجأة، انخرط أحدهم في البكاء وكان مرةً أخرى صاحبه الوفي أبو بكر الصديق فقال: "بآبائنا وأمهاتنا" "أنت يا رسول الله" فنظر صلى الله عليه و سلم إلى أبي بكر وقال: "إنّ مِن أمنِّ الناس عليَّ" "في صحبته وماله أبا بكر" "ولو كنتُ متّخذاً خليلاً مِن أمّتي لاتخذت أبا بكر" "ولكن لا أتخذ خليلاً" "فإن الله قد اتخذني خليلاً" "ولكن أُخوَّة الإسلام ومودّته" ثم قال: "سُدُّوا عني كل خَوخَةٍ في هذا المسجد، غير خَوخَةِ أبي بكرٍ" فتم تنفيذ الأمر وفي الحقيقة، فإن قوله: "سُدُّوا عني كل خَوخَةٍ في هذا المسجد، غير خَوخَةِ أبي بكرٍ" كان يحمل معنى أعمق فكأنه كان يقول: قد يرغب بعضكم في تحمُّل مسؤولية هذه الأمة ولكني أُغلق كل بابٍ سواه في هذا الأمر وأريد أن يُجعل أبو بكر في ذلك الموضع وكانت حمى رسول الله ﷺ في ازدياد وكان مرضه يشتد أكثر فأكثر وكان الصحابة إذا دخلوا عليه ورأوه على تلك الحال حزنوا حزناً شديداً وكان رسول الله ﷺ يقول يوماً: "أشد الناس بلاءً الأنبياء" "ومع ذلك، فإن فرح النبي بتلك البلايا" "أعظم من فرحكم بما تُعطَون من النعم" ثم قال: "ما من مسلم يصيبه أذى" "من مرض فما سواه، إلا حط الله تعالى به سيئاته" "كما تحط الشجرة ورقها" ولم يعد رسول الله ﷺ قادراً على الذهاب إلى المسجد فإلى ذلك الوقت، كان لا يزال يستطيع الذهاب بمساعدة عمه العباس، وعلي، وابن أخيه الفضل فكان يذهب ويؤم الناس لكنَّه الآن صار يلازم فراشه مدة طويلة ولا يكاد يفتح عينيه إلا من حينٍ إلى حين وفي لحظةٍ ما، فتح عينيه وسأل: "أصلَّى الناس؟" "لا، هم ينتظرونك يا رسول الله" فقال: "مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" "يا رسول الله" "إن أبي أبا بكر رجلٌ رقيق القلب" "وإذا قام مقامك" "فلن يملك دموعه" "وسيبكي الناس لبكائه" "فهلا أمرت غيره؟" فكرر رسول الله ﷺ أمره فقال: "مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" فتقدَّم أبو بكر إماماً وبدأ يصلي بالناس صلاة الظهر وفي اليوم التالي، وجد رسول الله ﷺ قوةً مفاجئة مكَّنته من النهوض من فراشه ثم جاء إلى المسجد، مستنداً إلى من كان بجانبه فلما رآه أبو بكر، أراد أن يتأخر فأشار إليه رسول الله أن يبقى في مكانه ثم جلس عن يساره لكن أبا بكر تأخر قليلاً وصار يأتمّ بالنبي وكانت تلك آخر صلاةٍ صلاها النبي ﷺ بأصحابه وبعدها أصبح أبو بكر هو الذي يؤم الناس لقد كان اليوم الثالث عشر من مرضه، صباح يوم الاثنين لقد فتح عينيه على هذه الدنيا أول مرة في يوم الاثنين وها هو يوم الاثنين قد جاء مرة أخرى لكن هذه المرة، كان وداعٌ ثقيل يقترب وكان أبو بكر يؤم الصحابة في صلاة الفجر فرفع رسول الله ﷺ رأسه لحظةً ورأى من نافذة حجرته الصحابة مصطفين في صفوفٍ مستقيمة كتفاً إلى كتف وفي تلك اللحظة، امتلأ قلبه بسرورٍ عظيم ها هم أصحابه الذين تحمَّل لأجلهم كل تلك المشقات وكم أصبحوا مختلفين عن أيام الجاهلية قبل ثلاثٍ وعشرين سنة لقد توجَّه كل واحدٍ منهم إلى ربِّه، وقَبِل الإسلام وبذل حياته وماله في سبيل الله ورسوله ﷺ ويا لها من سعادةٍ عظيمة أن يراهم على تلك الحال وكانت تلك آخر مرةٍ يرى فيها النبي ﷺ أصحابه على هذا النحو وكان ألم الفراق على وشك أن يقع في قلوبهم كالجمر الملتهب وأما لقاؤهم فقد أُخِّر إلى الجنة وفي لحظةٍ من تلك اللحظات، دعا رسول الله ﷺ ابنته الحبيبة فاطمة وكانت هي ابنته الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة وكانت في خُلُقها، ومشيتها وفي أشياء كثيرةٍ أخرى، أشبه الناس بأبيها فأجلسها رسول الله ﷺ عن يساره وأسرَّ إليها بشيء فغلب الحزن على فاطمة وانهمرت الدموع من عينيها وكان صوتها يرتجف ثم أسرَّ إليها رسول الله ﷺ بشيءٍ آخر فإذا بها هذه المرة تبتسم ثم لما سألتها عائشة بعد ذلك عمَّا قال لها النبي ﷺ قالت فاطمة: "أخبرني أنه قد نُعيت إليه نفسه" "ويتركني بعدها، فبكيت" "ثم أخبرني أني أول أهله لحوقاً به" "فابتسمت" وقد وقع الأمر كما قال تماماً فبعد وفاة أبيها بستة أشهر، توفيت هي أيضاً وكانت لا تزال في العشرينات من عمرها وقد شعرت فاطمة بألم النبي في قلبها فلم تعد تحتمل أكثر فأحاطت أباها الحبيب بذراعيها وانفجرت باكية "أبتاه" "واكرباهُ لِكَرْبِك اليومَ" وكان ذلك شبيهاً ببكائها قبل سنوات حين ألقى المشركون سلا الجزور على ظهره لكن زمن ألمه الآن كان يوشك أن ينتهي فنظر رسول الله ﷺ إلى ابنته وقال: "يا فاطمة، لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليومِ يا فاطمةُ" "لقد نزل بأبيكِ الأمرُ الذي لا ينجو منه أحدٌ إلى يوم القيامة" وكان رسول الله ﷺ قد دخل الآن في طريقٍ لا رجعة منه فنبينا ﷺ، الذي أُرسل رحمةً للعالمين والذي تحمَّل كل المشاق من أجل تبليغ رسالة الإسلام والذي كانت حياته خير قدوةٍ للبشرية كلها كان الآن على فراش الموت نعم، لقد كنا طوال هذه الأيام الماضية نتحدث عن سيرته المباركة لقد وُلد يتيماً وفقد أمَّه وهو لا يزال صغيراً جدّاً وكانت حياته مليئةً بالمشاق والابتلاءات وقد نزل عليه الوحي أول مرة وهو منفردٌ يتفكر في غار حراء لم يكن يدرك ما الذي يحدث فذهب مباشرةً إلى أول من كان يلجأ إليه دائماً، خديجة وقال: "زملوني، زملوني" لقد حُمِّل أمانة النبوة وهكذا بدأت مجاهدته التي ستستمر ثلاثاً وعشرين سنة وفي السنوات الأولى، واجه صنوفاً شتى من الاضطهاد "هذا جزاء من يطيع محمداً" وكان إذا تألَّم أصحابه، تألَّم معهم كذلك وقد أنزل بهم المشركون ألواناً من العذاب لا تُتصوَّر وظل هو وأهله ومعهم أقاربه محاصَرين في الشِّعب ثلاث سنين كاملة قُطعوا عن الناس، وأصابهم الجوع والعطش ومع ذلك لم يتخلَّ عن رسالته أبداً وبينما كانت الأحوال قد بدأت تميل إلى الانفراج فقد أعزَّ الناسِ عليه فقد أولاً عمَّه أبا طالب الذي كان يحوطه بالحماية دائماً ثم فقد زوجته الحبيبة خديجة التي كانت دوماً إلى جانبه ثم ذهب إلى الطائف، يرجو أن يجد منهم سمعاً وقبولاً لكنهم آذوه بشدة ولو شاء، لأهلك الله أهل الطائف لكنه لم يطلب ذلك فقد كان نبي الرحمة وقال: "إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم" "من يعبد الله وحده" ومرةً أخرى، كان يفكر في أمته ومرةً أخرى، اختار الرحمة ومع كل هذه الشدائد، لم يستسلم أبداً فقد هاجر إلى المدينة من أجل نشر الإسلام وهناك، عمل بلا فتور لإقامة دين الله فبنى حضارةً جديدة ومن هناك نشر الإسلام في الآفاق وفي غزوة أحد، فقد عمَّه حمزة الذي كان يقف بجانبه كالجبل وفقد كذلك بعضاً من أحب أصحابه إليه وكانت هذه الفواجع شديدة جدّاً على قلبه لكن النبي ﷺ، في كل شدة، كان يستمد قوته من الله، ولم يتأخر قط عن تبليغ رسالته وقد قاد كثيراً من الغزوات وبإذن الله نال النصر ومن خلال ذلك، عرفت قبائل كثيرة الإسلام ودخلت فيه وكان رسول الله ﷺ قد أتم مهمته ثم أدى أخيراً حجة الوداع وألقى خطبة الوداع فأعطى آخر وصاياه وتذكيراته للبشرية كلها ولأصحابه، ولأمته نعم، لقد أكمل رسالته على أكمل وجه والآن، آن أوان الرحيل إلى الدار الأبدية وكان النهار قد انتصف وكانت الشمس في طريقها إلى الغروب ولم تكن تتحرك إلا شفتاه "اللهم الرفيق الأعلى" أي إنه كان يُؤثر الرفيق الأعلى وكان يكرر كذلك: "الصلاةَ الصلاةَ" ليذكِّرهم بالتمسك بالصلاة لقد انتظرت الأرض مجيئه قروناً طويلة والآن، كانت ملائكة السماء تنتظر وكان إلى جواره إناءٌ فيه ماء فأدخل يديه فيه ومسح بهما وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله" ثم أشار إلى السماء بيده إلى أعلى، وهو يردد: "اللهم الرفيق الأعلى" ومات رسول الله ﷺ عن ثلاثٍ وستين سنة فأجهشت فاطمة رضي الله عنها بالبكاء ولما بدأت زوجات النبي ﷺ يبكين كذلك فهم الصحابة ما الذي وقع ووقف عليٌّ كأنه قد تحوَّل إلى حجر وعيناه ممتلئتان بالدموع وعثمان، لم ينطق بكلمة كأنما عُقد لسانه وأما عمر رضي الله عنه فقد غلبته صدمة تلك اللحظة المروعة "ما تقولون ثكلتكم امهاتكم والله ما مات رسول الله" "ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران" "من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه وفي تلك اللحظة، كان أبو بكر في منزله بالسُّنح فلما بلغه الخبر، عاد مسرعاً ودون أن يلتفت إلى أحد، دخل الحجرة مباشرةً وكشف عن وجه النبي ﷺ فقبَّل جبينه وبكى "طبتَ حيّاً وميتاً" "يا رسول الله" ثم غطى وجهه مرةً أخرى وخرج إلى الناس وكان أمامه جمعٌ من الصحابة لا يدرون ماذا يصنعون وكان الجميع يبكون، وقد غمرهم الحزن والذهول وكان قد سمع كلام عمر أيضاً "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات" "ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌّ لا يموت" قال تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ" "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ" "أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ" "انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ" "وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا" "وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" وكانت هذه الآية قد نزلت يوم أُحد بعد أن أشاع المشركون خبراً كاذباً أن محمداً قد قُتل ومع أن الصحابة كانوا قد تلوها مئات المرات فقد بدا لهم في تلك اللحظة من شدة الحزن كأنهم نسوها فجأة لكن أبا بكر، بتلك الآية الواحدة، سكّن قلوب الجميع وبعد سماع هذه الكلمات، بدأ الصحابة يستجمعون أنفسهم ولو قليلاً وأدركوا أخيراً أن رسول الله قد فارق هذه الدنيا حتى عمر رجع إلى صوابه وكفَّ عما كان يقوله وقال عمر بعد ذلك: "كأني لم أسمع هذه الآية من قبل إلا حينئذ" نعم، لم تعرف المدينة في تاريخها فرحاً مثل الفرح الذي عرفته يوم قدم إليها النبي ﷺ وها هي الآن تعيش أشد لحظات الحزن والأسى كانت الدموع تجري من عيونهم وكان الحزن والأسى يفيضان من قلوبهم لكن الحزن وحده لا يُنجز شيئاً "ماذا سنفعل الآن؟" كان لا بد من اختيار خليفة رجلٍ يقود المسلمين ويواصل إقامة أحكام الإسلام ويكون ملجأً للأمة كلها رجلٍ يقضي أيامه ولياليه في خدمة الإسلام فاجتمع الصحابة وكان أحق الناس بهذه المسؤولية العظيمة أبو بكر فقد كان من السابقين الأولين إلى الإيمان وصاحب النبي في الهجرة ثاني اثنين في الغار وكان رسول الله ﷺ قد أعطى أثناء مرضه إشاراتٍ واضحة تدل على خلافة أبي بكر فقد أمر بسدِّ جميع الأبواب المؤدية إلى المسجد وأبقى باب أبي بكر وحده مفتوحاً كما أمره أن يؤمَّ الناس في الصلاة وقد أعطاه مقام الإمامة، أي القيادة ومع وجود عشراتٍ من الصحابة اختار أبو بكر ليؤمَّ الناس من بينهم جميعاً ولم يتأخر أبو بكر الصديق يوماً عن أن يبذل كل ما يملك للإسلام والمسلمين فلما احتاج الجيش إلى التجهيز بذل من التضحية ما لم يبلغه أحد فجاء بكل ما يملك فسأله رسول الله: "ما أبقيتَ لأهلك يا أبا بكر؟" "أبقيتُ لهم الله ورسوله" وفي صباح اليوم الذي أعقب الإسراء والمعراج حين كان المشركون يسخرون من رسول الله وفي أشد الأيام، في بدرٍ وأحدٍ والخندق كان أبو بكر دائماً إلى جواره ولهذه الأسباب كان هو أحقَّ الناس بأن يكون الخليفة بعد رسول اللهﷺ وهذا ما وقع بالفعل فبعد أن اجتمع الصحابة وتشاوروا اختير أبو بكر أول خليفةٍ في الإسلام وفي اليوم التالي، كان وقت صلاة الظهر وكانت المدينة كلها، لا تزال غارقةً في الدموع، قد ملأت المسجد لتصلي وكعادته، بدأ بلال يرفع الأذان فلما بلغ قوله: "أشهد أن محمداً رسول الله" ضاق حلقه وارتجف صوته ولم يستطع حتى أن يُتمَّ الجملة كان من المفترض أن يدعو الناس إلى الصلاة، لكنه لم يستطع لم يستطع أن يُكمل، فانفجر باكياً وكان الجميع يبكون لم يكن بلال يحتمل حتى مجرد فكرة المدينة بدون النبي ﷺ ولم يعد يستطيع الأذان ولم يَعُد يريد البقاء في مدينةٍ يذكِّره كلُّ ركنٍ فيها برسول الله وبعد بضع سنوات، خرج إلى الشام وقد غسَّل عليٌّ رضي الله عنه جسد النبي ﷺ الطاهر وأثناء غسله له، فاح منه طيبٌ كالمسك رائحةٌ لم يشمَّ الناس مثلها قط وبحلول يوم الثلاثاء قبل الظهر كان الغُسل والتكفين قد تمَّا ثم دخل الصحابة فصلَّوا عليه وكان رسول الله ﷺ قد قال: "ما قُبض نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض" ولهذا، وبإشارة أبي بكر، دُفن في حجرة عائشة في الموضع نفسه الذي قُبض فيه وقد قال ﷺ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" "ما تركناه صدقة" حتى إن درعه كانت مرهونة عند رجلٍ يهودي في مقابل شعير ولو أن إنساناً لا يعرفه رأى هذا المشهد وحده، لكفاه ومع ذلك، فإن رسول الله قد ترك لنا إرثاً عظيماً ترك ميراثين: القرآن، والسنة لقد أدَّى الأمانة على أكمل وجه والآن جاء دورنا نحن لقد سلَّمنا رسولُ الله الرايةَ وأصبح من مسؤوليتنا الآن أن نرفعها من جديد ونحملها إلى العالم كله فليس هذا وقت الجلوس في البيوت إن الراية التي استؤمنَّا عليها تنتظر منا أن نخطو خطوة إنها تشتاق لأن ترفع من جديد إن العالم ينتظر أن يسمع هذه الرسالة وينتظر أن يخرج من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، نور القرآن إن البشرية مريضةٌ من داخلها وأرواحها تتألم، لكنها لا تجد سبيلاً للخلاص فإذا كان الدواء بأيدينا، فإلى متى نظل واقفين ننتظر؟ ألم يحن الوقت لنبدأ رحلتنا ؟ لقد عشتَ لأجل أمتك يا رسول الله فلماذا نعيش نحن؟ لقد سهرت الليالي من أجل أن تُنقذ الحياة الأبدية لأمتك و نحن لا نفكر إلا في أنفسنا ولم تتخلَّ عن دعوتك أبداً، حتى في أشد الابتلاءات أما نحن، فنضل الطريق عند أول مشقة ورغم ذلك، كنت تشتاق إلينا حتي سميتنا اخوانك" فهل نحن حقّاً أهلٌ لهذا الاسم؟ أيكفي أن نقول: إننا نحبك لنكون من أمتك؟ أم أن نحيا بسنتك وأن نحملها فعلاً إلى حياتنا؟ فالآن هو وقت الاستيقاظ وقد آن لأمةٍ بكيتَ من أجلها أن تصبح أهلاً لك يا رسول الله نعاهدك أن نتمسك بطريقك، وقضيتك، وميراثك اليوم سنغيِّر أحوالنا اليوم سنبدأ العيش على نهجك اليوم سنخطو خطوةً لنكون إخوانك الذين اشتقتَ إليهم وإليك يا أخي، يا أختي مّن يشاهد هذا الفيديو إن كنت تريد أن تقوِّي إيمانك وتزيد من علمك فقد أعددنا لك عشرات المقاطع التعليمية على قناتنا "نحو الخلود" فبجهد قليل مع الأستمرارية يمكن أن تحقق تقدماً مذهلاً وإن كنت تريد ان تتعلم الإسلام من البداية" فلدينا تطبيق اسمه Step Islam ومن خلال تطبيق الصلاة المجاني يمكنك أن تجعل الصلوات الخمس جزءاً ثابتاً من حياتك وإن كنت لا تعرف كيف تقرأ القرآن بالعربية فلدينا تطبيق Lamalif Quran وإن كنت تريد أن تتعمق أكثر في معاني القرآن يمكنك تحميل تطبيق التفسير الخاص بنا، My Risale إن وصلت إليك هذه السلسلة فإن الله يريد منك أن تغيِّر شيئاً في حياتك أذن أفلا تخطو إليه خطوةً واحدةً في المقابل؟ يا رسول الله نسأل الله أن يجعلنا أمةً تليق بك صلى الله عليك وسلم يا من أُرسلت رحمةً للعالمين يا رسول الله ﷺ