غزوة بدر: الكلمات الأخيرة لأبي جهل - تصوير الذكاء الاصطناعي - يا رسول الله | الحلقة 6
نُشر في
العام 624 ميلادياً الشهر هو رمضان اليوم الذي سيُغيّر مجرى التاريخ في بدر، يقف جيشان وجهاً لوجه على جانب، جيشُ قريشٍ بعدته و عتاده 950 رجلاً وجيشُ المسلمين ب 313 رجلاً فقط، وموارد محدودة "أحدٌ أحدٌ" العدلُ قائم في وجهِ الظلم، والإيمانُ يعلو في وجهِ الكفر أولُ معركةٍ تكشفُ الروحَ الحقيقيةَ للإسلام غزوةُ بدر لقد جاء ذلك اليومُ الحاسم اليومُ الذي سيُشكّل مستقبلَ الإسلام إمّا أن يبدأ الإسلامُ في الصعودِ بنصرٍ عظيم وإمّا أن ينتهي كلُّ شيءٍ هناك، في ساحةِ ذلك القتال ولهذا كان النبي ﷺ يتضرّع إلى الله، ويدعوه بهذه الكلمات: "اللهمّ إن تهلك هذه العصابة مِن أهل الإسلام" "فلن تعبد في الأرض بعد اليوم" فماذا سيحدثُ في ساحةِ ذلك القتال؟ وقبل ذلك أيضاً، كيف وصلت الأحداثُ إلى هذه النقطة؟ لنرجع خطوةً إلى الوراء هذه السلسلةُ المرئيةُ تستند إلى مئاتِ المراجع من المصادرَ الإسلاميةٍ الموثقة جميعُ الصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي أعدت بالتشاور مع علماءَ مسلمين مؤهّلين وبما يوافق الضوابطِ الإسلامية كان رسولُ الله ﷺ قد أقام أيضاً نظاماً للاستخبارات كان يريد أن يعلمَ مسبقاً بأيّ تهديداتٍ محتملةٍ للمدينة وأن يجمعَ المعلومات عن المناطقِ القريبة وفي السنةِ الثانيةِ بعد الهجرة ورد تقريرٌ عبر هذه الشبكة لقد أرسلت قريشٌ قافلةً تجاريةً ضخمةً يقودها أبو سفيان وبالطبع، لم تكن هذه القافلةُ مكوّنةً من بضائعهم وحدها تذكّروا وقتَ الهجرة لقد أُجبر المسلمون على الهجرة في ظروفٍ قاسيةٍ جداً اضطرّوا إلى تركِ جميع ممتلكاتهم في مكة حين خرجوا ثم استولت قريشٌ على تلك الممتلكات وأضافتها إلى تلك القافلة لتُباع كانت ممتلكاتُ المؤمنين التي كسبوها بعرقهم توشك أن تتحوّل إلى سلاحٍ في أيدي أعدائهم حتى أثناء الهجرة كان رسولُ الرحمةِ والعدل ﷺ قد فكّر في أماناتِ المشركين وكلّف علياً رضي الله عنه أن يردّها إلى أصحابها لكن قريشاً لم تُبدِ مثلَ هذا الخُلُق واستولت على ممتلكاتِ المهاجرين لقد حان الوقتُ ليُريَ المسلمون المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم وعاملوهم بكلّ صنوفِ القسوة من الذي يملكُ القوةَ حقاً كان لا بدّ أن يروا أنهم لم يعودوا قادرين على فعلِ ما يشاؤون ولا بدّ أن يلقوا الرعبَ في قلوبهم فهم لن يتوقّفوا ما لم يروا قوةً حقيقية تقف في وجوههم لذلك، أرسل رسولُ الله ﷺ مستطلعاً ليتتبّع القافلة ثم قال لأصحابه: "من كان عنده دابة يركبها" "فليركبها وليخرج معنا" بدأ رسولُ الله ﷺ الاستعدادَ لاحتمالِ وقوعِ مواجهةٍ مع قريش وكان الصحابةُ شديدي الحماسِ للانضمام إلى هذه السرية حتى إن بينَهم آباءً وأبناءً اقترعوا ليُحدِّدوا من يخرج كان كلُّ واحدٍ منهم يتطلّع إلى شرفِ الشهادة وسرعان ما تجمّع جيشٌ من الصحابة يزيد عددُه على ثلاثمائة رجل وكان فيهم أيضاً بعضُ الفتيان الصغار جداً لكن النبي ﷺ لم يأذن لمَن كان صغيراً جداً بالانضمام إلى الجيش وردّهم وكان عُمير بن أبي وقّاص وكان عمرُه ستةَ عشرَ عاماً فقط، بينهم أيضاً كان يريد حقاً أن يخرج في هذه السرية حاول أن يختبئ راجياً ألا يراه رسولُ الله ﷺ فيرده لكن حين لاحظه رسولُ الله ﷺ قال: "عليك أن ترجع أنت أيضاً" كان عُمير قصيرَ القامة ولم يكن إلى ذلك الوقت قد شدّ سيفاً على وسطه كان جسده صغيراً، لكن قلبه كان كبيراً وممتلئاً بالشجاعة ومع أن رسولَ الله ﷺ أراد في البداية أن يرده إلا أنه لم يستطع أن يتجاهل عزيمةَ هذا الفتى المجاهد فأذن لعُمير أن ينضمّ إلى الجيش حين أُذِن له، قام سعدُ بنُ أبي وقّاص بربط سيفِ أخيه على وسطه وكان عُميرٌ إذا مشى جرَّ سيفَه على الأرض فيرسم خطّاً خلفه وقد صار ذلك الفتى بعد ذلك أحدَ شهداء بدر وفي ذلك الوقت، كانت رُقيّةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ الحبيبة مريضةً مرضاً شديداً لكن مع ذلك، وعلى الرغم من حالتها لم يتخلّف النبي ﷺ عن الخروج في هذه الغزوة لكنه ترك صهره عثمانَ بنَ عفّان في المدينة ليعتني بها ولمّا اكتملت الاستعدادات، جُمع جيشٌ قوامُه 313 رجلاً وتحت الشمسِ الحارقة خرج رسولُ الله ﷺ مع أصحابه إلى بدر ولأن في تلك الناحية عدةَ آبارٍ للماء كانت القوافلُ كثيراً ما تمرّ من هذا الطريق وكان في الجيش قلّةٌ من الدوابّ للركوب فرسانٌ اثنان فقط وسبعون بعيراً وكان رسول الله ﷺ، وعليٌّ بن أبي طالب، ومرثدُ بنُ أبي مرثد يتعاقبون ركوبَ بعيرٍ واحد فلمّا جاء دورُ النبي ﷺ أن يمشي، قال الآخران: "يا رسولَ الله، اركب أنتَ، ونحن نمشي عنك" فرفض النبي ﷺ وقال: "ما أنتما بأقوى مني على المشي" "وما أنا بأغنى منكما عن الأجر" وهكذا مضَوا في طريقهم وفي موضعٍ من الطريق نظر رسولُ الله ﷺ إلى جيشه فإذا بعضُهم يمشي حافياً لا يجد ما يقي قدمَيه للقتال فدعا قائلاً: "اللهم إنهم حفاةٌ" "فاحملهم" "اللهم إنهم عُراةٌ فاكسُهم" "اللهم إنهم جياعٌ فأشبِعهم" كانوا يعيشون في فقرٍ شديد لكنهم كانوا يعلمون أن القوةَ الحقيقيةَ من الإيمان وكان ذلك الإيمان، بأبهى صوره، حاضراً في هذا الجيش وقبل أن يصلوا إلى سهولِ بدر علم أبو سفيان أن المسلمين يسيرون إليها كجيش " المسلمون قادمون!" ومنذ خروجه، كان يخشى أن يعترضه المسلمون والآن وقع ما كان يخشاه فأرسل فوراً أحدَ رجاله إلى قريش وغيّر مسارَ القافلة كان سيقود القافلة إلى مكة من طريقٍ آخر ووصل الرجل إلى مكة بأقصى ما يستطيع وكان يركض و يصيح: "يا معشرَ قريش!
إن محمداً وأصحابه قد هاجموا قافلتكم!" "ستضيع بضائعكم كلّها!" "!
اخرجوا لنصرة أبي سفيان!" وانتشر الخوفُ في مكة لأن معظمَ الأسر كان لها مالٌ مُستثمرٌ في تلك القافلة فسارعوا إلى الاستعداد وجمعوا جيشاً قوامُه 950 رجلاً ومع مائةِ فارسٍ وسبعمائةِ بعير خرج الجيشُ المكتملُ العُدّة إلى بدر وكان على رأسهم أبو جهل، أحدُ أشدّ أعداءِ الإسلام أمّا أبو لهب، فاتخذ مرضَه عذراً وأرسل غيرَه مكانه وكان جيشُ قريش يسير إلى بدر بالأغاني والدفوف وبعد حين، وصل إلى أبي جهل خبرٌ يقول: "لقد خرجتم لحماية قافلتكم ورجالكم" "وقد سلِم الاثنان الآن، فارجعوا" وكان مرسلُ هذه الرسالة هو أبو سفيان فقد أعاد القافلةَ إلى مكة سالمةً وصار يطلب منهم الرجوع وكان أكثرُ الجيش يريد العودة لكن أبا جهل، الذي كان يحمل غيظاً على المسلمين لم يكن في نيته ذلك تحت إمرته جيشٌ يقارب الألف، مكتملُ العُدّة وكان يرى في هذا فرصةً لا تُفوّت وكان واثقاً أنه قادرٌ على استئصال المسلمين جميعاً فقال: "واللَّهِ لا نرجع" "حتى نرد بدراً" "فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجُزُر، ونُطعِم الطعام ونسقي الخمر" "وتعزف علينا القِيان" "فتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا" "فلا يزالون يهابوننا أبداً" فأقنع الجيش، وانطلقوا مرةً أخرى ولمّا بلغ النبيَّ ﷺ أن القافلة قد وصلت إلى مكة وأن قريشاً تسير إلى بدر بجيشٍ عظيم، تعجّب لم يكن يتوقّع مثلَ هذه الخطوة فجمع أصحابه ليتشاوروا في الأمر فقام أولاً المقدادُ بنُ الأسود من المهاجرين وقال: "يا رسول الله" "لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى" "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" "ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون" "افعل ما أمرك ربُّك" "فنحن معك متّبعون" فسرّت هذه الكلماتُ النبيَّ ﷺ سروراً عظيماً لكنه أراد أن يسمع من الأنصار أيضاً لأنهم في بيعةِ العقبة إنما وعدوه أن يحمُوه داخلَ المدينة فهل يقدّمون له الحمايةَ نفسها خارجَها أيضاً؟ فقام سعدُ بنُ معاذ وقال: "يا رسول الله، آمنا بك" "وصدقناك" "وشهدنا أن ما جئت به هو الحق" "وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة" تخيّلوا للحظةٍ واحدة أننا الآن نسير إلى بدرٍ مع جيشِ النبي ﷺ هل كنّا سنستطيع أن نقول ما قالوه؟ إني أكاد أسمعكم تقولون: "، بالطبع، سنقول الشيءَ نفسه" لكن القولَ سهل، والوفاءَ به أصعب بكثير فلننظر إلى حالنا اليوم أليست رسالةُ رسولِ الله ﷺ ما زالت مستمرة؟ ، بلا شك لكن ماذا قدّمنا لها حقيقةً إلى الآن؟ ألسنا كثيراً ما نختبئ خلف شتى الأعذار لِنترك حتى صلاةً واحدة؟ وبعد أن سمع رسول الله ﷺ كلماتِ سعدِ الصادقة زال ما كان على وجهه من القلق وقال: "الله عز وجل" "قد وعدني إحدى الطائفتين" "إما العير، وإما نصرٌ مبين" "والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" "نصرُ الله معكم" وكان قرارُ القتال قد حُسم وأمامهم جيشٌ مكتملُ العُدّة، يفوقهم بثلاثة أضعاف لكن ذلك لم يكن عائقاً للمسلمين فشجاعتهم من الإيمان في قلوبهم، وناصرُهم هو الله الذي قدرتُه فوق كلّ شيء وكان رسول الله ﷺ يُرتّب الصفوف ويجعل الآبارَ أمامهم وفي تلك اللحظة، جاء الحُبابُ بنُ المنذر، وكان مشهوراً بحُسن الرأي في تدبير الحرب فقال "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" فقال رسول الله ﷺ: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فعندها قدم الحباب اقتراحاً: "يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل" "فانهض بالناس حتى نأتي" "أدنى ماء من القوم فننزله" "فهناك بئرٌ كثيرةُ الماء العذب" "ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء" "ثم نغوِّر ما وراءه من القُلُب" "ثم نقاتل القوم فنشرب" "ولا يشربون، فتشتدّ عليهم الحال" فرأى النبيُّ ﷺ في هذا الرأي حِكمةً فقبِله وانظروا هنا كم كان رسولُ الله ﷺ يقدّر الشورى لم يقل: "أنا النبي، وإنما يكون ما أقول" بل أظهر مرةً أخرى أنه قدوةٌ حقاً في كلّ شيء ثم جاء دورُ تدبيرِ المعركة فأخذ النبيُّ ﷺ يُنظّم جيشَه بعناية صفَّهم بحيث يكون الرماةُ في الخلف وحملةُ الرماح في المقدمة ثم قال: "لا تتركوا صفوفكم ولا تُخلّوا بالنظام" "اثبتوا في أماكنكم بصبر، لا تتحركوا" "لا تبدأوا القتال حتى آذن لكم" "ولا تُضيّعوا سهامكم برميها قبل أن يقترب العدو" "ارموا سهامكم حين يُنزل العدوُّ تُرْسَه" "فإذا دنا العدوُّ أكثر، فاستعملوا رماحكم ونِبالكم" "والسيفُ آخرُ الأمر" "لا تستخدموه إلا في القتال القريب" وكان جيشُ المسلمين مستعدّاً لمواجهةِ قريش فلما أقبل الليل، نام الناس جميعاً ليستريحوا إلا رجلاً واحداً: رسول الله ﷺ قضى الليلَ كلَّه في الصلاة والتضرّع إلى الله "اللهم أنجز لي ما وعدتني" "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام" "فلن تُعبد في الأرض بعد اليوم" وقد أُجيب هذا الدعاءُ الصادق في القرآن في الآية التاسعة من سورة الأنفال: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ" "أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ" "مُرْدِفِينَ" نعم، لم يكن الله ليخذل هذه القلةَ من المؤمنين الذين يقاتلون في سبيله بل يمدّهم بجنوده الغيبية، بملائكته وأخيراً، جاء يومُ القتال ولما وصل جيشُ قريش إلى سهولِ بدر اضطربوا مما رأوا "لقد سيطروا على جميع الآبار!" كان المسلمون قد سبقوا فسيطروا على الموضع ذي الأهمية الاستراتيجية ومع ذلك، وباعتمادهم على كثرة عددهم ظنّوا أن النصرَ سيأتي بسهولة وحين تقابل الجيشان كان 313 مسلماً في مواجهة 950 مقاتلاً من قريش "أحدٌ أحدٌ" كان الفارقُ في العدد مرعب وكانت الأفضليةُ الماديةُ مع قريش لكن روحياً، كان الأمرُ على النقيض تماماً من جهةٍ، كانت صيحاتُ التكبير تتردد في الميدان "الله أكبر!" ومن الجهة الأخرى، كانت الطبولُ والأغاني تملأ الأجواء على جانبٍ، جيشٌ يستمدّ قوته من الله ويقف في وجه الظلم، وعلى الجانب الآخر جيشٌ يقاتل ل لا شيءٍ إلا ليظلم ويسفك الدماء ثم تقدّم أحدُ قادة قريش، عُتبةُ بنُ ربيعة ومعه أخوه شيبةُ بنُ ربيعة وابنه الوليد وكانت هذه من عادات ما قبل المعركة، وتعرف بالمبارزة وقبل أن يبدأ القتال، كان يخرج رجلٌ أو اثنان أو ثلاثةٌ فيتبارزون، ثم تبدأ المعركة الكبرى وتقدّم ثلاثةُ فتيانٍ من الأنصار عوفٌ، ومُعوِّذٌ، وعبدُ الله بنُ رواحة فنظر إليهم عتبة وقال بنبرةٍ ساخرة: "من أنتم؟" "يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش!" لم يُرِد أن يقاتل غيرهم فقد كان حقدُه على بني هاشم فدعا رسولُ الله ﷺ مسلمي المدينة أن يرجعوا ولكن مَن الذي سيختاره رسولُ الله ﷺ؟ من المهاجرين قدّم عبيدة بن الحارث وحمزةَ، وعلياً رضي الله عنهم "من الذي خرج؟" - "عبيدةُ، وعليٌّ" - "عليٌّ؟" - "والثالث من هو؟" - "حمزة" - "لا، ليس حمزة" - "هذا ليس جيداً" كان الثلاثةُ الذين اختارهم النبي ﷺ من أهل بيته وعندها رضِي عتبةُ عمّن وقفوا أمامه وبدأت المبارزات فواجه حمزةُ شيبةَ وواجه عليٌّ الوليدَ وبدأ عبيدةُ مبارزته مع عتبةَ وبعد ضرباتٍ قليلة، سقط خصما عليٍّ وحمزةَ صرعى على الأرض لكن عبيدةَ وعتبةَ كانا لا يزالان يقتتلان بشدّة وكان من عادة المبارزة أن من يغلب خصمه يذهب فيُعين الآخرين فأسرع حمزةُ وعليٌّ لنُصرة عبيدةَ وقتلا عتبةَ ثم حملا عبيدةَ الجريح إلى النبي ﷺ كان ينزف نزفاً شديداً، لكنه لم يكن يبالي كان قلبُه مشغولاً بشيءٍ آخر وكان يكرر: "يا رسولَ الله، أأنا شهيد؟" "نعم يا عبيدة، أنت شهيد" فلما سمع هذه الكلمات سكنت ملامحُ الطمأنينة على وجه عبيدة ولم يلبث بعدها أن فاضت روحُه ونال منزلةَ الشهادة فصار شهيداً وكانت على وجهه ابتسامةٌ؛ لأن الشهادة وبذل النفسِ في سبيل الله ليست موتاً عندهم، بل لقاءً بالمحبوب صُعق جيشُ قريش فأشجعُ الرجال عندهم، وقائدُ قريش القوي عتبةُ وأخوه شيبةُ، وابنه الوليد قد صاروا صرعى في أرض بدر وليرفع معنويات جيشه، صاح أبو جهل: "لا يهولنكم مصرع عتبة وشيبة والوليد" "فإنهم قد عجلوا فهلكوا بلا طائل!" "أقسمُ اليوم أن النصرَ لنا!" "إن محمداً وأصحابه لُقمةٌ صغيرةٌ لنا!" وبعدها أعاد تنظيم الصفوف ولما صدر الأمر، اندفع الفريقان إلى الأمام وانطلقت المعركةُ بكل قوتها وكان رسولُ الله ﷺ بنفسه في المقدمة يقاتلُ مع أصحابه لم يقل: "أنا النبي، اذهبوا أنتم فقاتلوا" بل كان يشجّعهم بكلماته ويملأ قلوبهم ثباتاً وشجاعة حتى قال عليٌّ رضي الله عنه لاحقاً: "كان يومئذٍ أشجعَ الناس" "ما كان أحدٌ أقربَ إلى صفوف العدو منه" وكان حمزةُ وعليٌّ وعمرُ رضي الله عنهم يصرعون كلَّ من يقف في طريقهم وبسيوفهم كانوا يشقّون صفوف العدو وهم يتقدّمون وكان الصحابة يقاتلون بكل ما أوتوا من قوة وفي ذلك اليوم كان في ساحة القتال أبو البَختري بنُ هشام أتذكرون هذا الاسم؟ لقد كان يومَ حُوصِر المسلمون في مكة بالمقاطعة كان من الرجال الخمسةُ الذين اجتمعوا على خطة ووقفوا في مواضع مختلفة وتكلموا ضد المقاطعة فنالوا تأييداً قوياً من الناس وكان أبو البَختري واحداً من أولئك الخمسة وكان من أسبابِ انهاء المقاطعة وها هو اليوم في ساحة بدر أيضاً لكنه ليس في صف المسلمين وقبل أن تبدأ المعركة أعلن رسولُ الله ﷺ أن بعضَ الأفراد لا يُتعرّض لهم بسوء وكان أبو البَختري واحداً منهم أليس هذا مثالاً مدهشاً على الوفاء وشكر الجميل؟ لقد كان النبي ﷺ يمنحه فرصةً أخرى للإيمان وخلال المعركة، واجه أبو البَختري أحدَ الصحابة وجهاً لوجه مُجذِّر بن زياد لكن مُجذِّراً تجنّب قتالَه؛ لأنه كان يعلم أمرَ النبي ﷺ ولم يفهم أبو البَختري ذلك فسأله: "لماذا لا تقاتلني؟" فلما أخبره مُجذِّر بما قاله النبي ﷺ غضب أبو البَختري وصاح: "حتى وإن قال ذلك، فسأقاتلك هنا اليوم!" وتجاهل إحسانَ النبي ﷺ وهجم على مُجذِّر حاول مُجذِّر أن يتجنّبه، لكنه لم يجد بُدّاً فدافع عن نفسه، وفي النهاية قُتل أبو البَختري وكانت المعركةُ قد بلغت ذروتها فأخذ رسولُ الله ﷺ قبضةً من ترابٍ فرماها نحو جيش العدو، ودعا قائلاً: "شاهت الوجوه!" "اللهم املأ قلوبَهم رعباً، وزلزل أقدامَهم!" فبلغت تلك القبضةُ من التراب أعينَ جيش العدو كلّه فلم يعودوا يرون شيئاً ووصف اللهُ سبحانه وتعالى هذا الحدثَ بعينه في القرآن: "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى" وبعد حين، هبّت ريحٌ لا مثيل لها فلم يُرَ شيء وتفرّقت قريشٌ في كل اتجاه ثم جاءت ريحٌ ثانية، ثم أعقبتها ثالثة لقد أنجز اللهُ وعدَه وأرسل ملائكتَه نصراً وتأييداً وأُصيبَت قريشٌ بالذهول فكانوا يظنّون أنهم يواجهون ثلاثمائة شخصاً فقط فإذا بالجيشِ المسلم يظهر في أعينهم أعظمَ عدداً وأشدَّ بأساً وكان أبو جهل، الذي قال قبل المعركة: "إنهم لُقمةٌ صغيرةٌ لنا" يبحث الآن عن مكان ليختبئ فيه فكان الجميعُ يريدون قتل عدو الإسلام هذا وجاء أخوان شابّان من الأنصار إلى عبد الرحمن بن عوف وسألاه عن أبي جهل فقال: "وماذا تريدان منه؟" فقالوا له: "بلغنا أنه شتم النبي" "وقد عاهدنا اللهَ إن رأيناه" "لا نفارقه حتى يقتل أحدُنا الآخرَ" وكان هذان الفتيان الشجاعان: مُعاذٌ ومُعوِّذ وفي تلك اللحظة أبصر عبدُ الرحمن بنُ عوف أبا جهل فأشار إليه فأسرعا يركضان نحوه في الحال لم يأخذ أبو جهل أمرَهما على محمل الجد وسخر منهما قائلاً: "يا فتيانِ الحمقى!" "أبهذه السرعة تتشوّقون إلى الموت؟" لكن الأمر لم يجرِ كما ظن اقترب معوذ وضرب ساقَه ضربةً شديدة ثم اندفع عِكرِمةُ بنُ أبي جهل فضرب مُعاذاً ضربةً موجِعة وفي تلك اللحظة وجّه مُعوِّذٌ ضربةً أخرى لأبي جهل فأسقطه أرضاً "أحقّاً مات فرعونُ هذه الأمة؟" فأسرعا إلى النبي ﷺ وأخبراه أنهما قتلا أبا جهل وأراد رسولُ الله ﷺ أن يتيقّن فأمر الصحابة أن يلتمسوا أبا جهل بين القتلى وكان عبدُ الله بنُ مسعود هو الذي وجده لم يكن أبو جهل قد مات بعد كان يلفظ أنفاسَه الأخيرة فوضع ابنُ مسعود قدمَه على عنقه وقال: "يا عدوَّ الله!
أترى؟" "لقد أخزاك الله" ومع أنه كان يحتضر، ظل أبو جهل متكبّراً فقال: "لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم" "وما الجديد أن يقتل العظيمُ على أيدي قومه وعشيرته؟ "فأخبرني الآن، لمن الدائرة اليوم؟" قال ابنُ مسعود: "للهِ ولرسوله" وبهذه الكلمات فكان قد قتله روحياً قبل أن يقتله جسدياً أتذكرون عبدَ الله بنَ مسعود؟ هو الذي ذهب يوماً إلى الكعبة وتلا سورةَ الرحمن جهراً لأول مرة فوثب عليه المشركون وضربوه حتى كادوا يقتلونه لكن الآن، انقلبت الموازين رفع سيفَ أبي جهل من الأرض وسدّد الضربةَ الأخيرة التي أنهت حياته وهنا تفصيلٌ آخر مدهش فقد كان النبي ﷺ قبل القتال قد أشار إلى المواضع التي سيُقتل فيها قادةُ مكة فمات أبو جهل في الموضع نفسه الذي وصفه وسقط قائدٌ آخر، أميّةُ بنُ خلف، في المكان الذي أشار إليه النبي ﷺ وكذلك سائرهم وقد قال عمرُ رضي الله عنه فيما بعد: "والذي بعثه بالحق" "ما سقط منهم رجلٌ خارجَ الموضع" "الذي وضع رسولُ الله ﷺ يده عليه" كانت معجزةً من الله؛ إذ أخبر ليس فقط بمن سيُقتل بل وبالموضع الذي سيُقتل فيه فلما قُتل قادةُ مكة واحداً تلو الآخر انكسر جيشُ قريش وفرّ الكافرون على وجوههم لا يلتفتون بل إن هذا المشهد نفسه قد أُخبر به في القرآن قبل ذلك بسنين في الآيتين 44 و45 من سورة القمر، يقول تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ" "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" أي: أم يقولون: نحن جماعةٌ عظيمة وسننتصر؟ سيُهزم هذا الجمع قريباً وسيولّون الأدبار ويفرّون تذكّروا أيامَ مكة كان المسلمون قلةً بالنسبة إلى الكافرين وعانوا شتى أنواع الأذى تارةً تحت حصارٍ دام ثلاث سنوات وتارةً يُرشقون بالحجارة ويُضرَبون وتارةً يُستهزأ بهم ويُذلّون وفي وقتٍ كان المسلمون فيه شديدي الضعف كانت هذه الآيات تُخبر أنهم سيظفرون قريباً بالمدينة القوية: مكة "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" فهذه النبوءة التي نزلت في أشد أوقاتهم كرباً أثبتت مرةً أخرى صدقَ القرآن: أنه من عند الله وأنجز اللهُ وعده للمسلمين ومنحهم النصر في مؤسسة "نحو الخلود"، عملنا بلا كلل لنقدّم لكم هذه السلسلة المصوّرة والآن، إن شاء الله، نريد أن ننتج سلسلةً جديدة عن حياة أنبيائنا الكرام عليهم السلام أنبياء مثل موسى، وإبراهيم، ويوسف، ويونس عليهم السلام لتشاهدوا أنتم وعائلاتكم قصصَهم بجودة إنتاج "نحو الخلود" لكن إنتاج سلسلةٍ جديدة يترتّب عليه تكاليفُ كبيرة الذكاء الاصطناعي، والتعليق الصوتي الاحترافي، والمعدات وللأسف، لم نعد قادرين على تغطية ذلك وحدَنا ولا يمكننا إتمام هذا المشروع إلا بدعمكم قسّم فريقُنا الاحتياجَ الكلي إلى حصصٍ بقيمة 25 دولاراً لتشاركوا برعايةِ حصةٍ أو أكثر حسب استطاعتكم، إن شاء الله إن أردتم أن تكونوا شركاءَ في الأجر فتبرّعوا لـ "نحو الخلود" ولا تفوّتوا هذه الفرصة لقد استُشهد في بدر أربعةَ عشرَ مسلماً كانوا رجالاً شجعاناً جعلوا حياتَهم حصناً للإسلام ودرعاً لرسولِ الله ﷺ وأما من بقي حيّاً فسيظلّ مكرّماً إلى الأبد باسم أصحاب بدر لأن بدراً لم تكن معركةً عادية بل كانت للمسلمين، لعلّها، أشدَّ معركةٍ حَسماً في التاريخ لأن عددَهم كان قليلاً جداً ولو هُزموا هنا، لأصبحوا أقلَّ مما هم عليه ولكان ذلك قد منح قريشاً فرصةً مثاليةً لاستئصال المسلمين تماماً فكيف كان حالُ العدو؟ في تلك المعركة قُتل من قريش سبعون رجلاً وأُسر سبعون آخرون فماذا كان سيُفعل بهم؟ وُضع شرطان "يعرض عليكم رسولُ الله ﷺ خيارين" "إما أن تفدوا أنفسكم بمالٍ لتنالوا الحرية" "وإما أن تعلّموا عشرةَ أطفالٍ من أهلِ المدينة القراءةَ والكتابة" ولا يُطلق سراحُهم إلا بهذه الشروط وهذا يدلّ على مدى تعظيم الإسلام للعلم والتعلّم وكان من بين الأسرى عمُّ النبي ﷺ العباس وقد كان يقاتل في صفِّ قريش وكغيره، كان عليه أن يعلّم عشرةَ أطفالٍ القراءةَ والكتابة أو يدفع فديةً لكنه قال لرسولِ الله ﷺ "لا مالَ لي" فقال له رسولُ الله ﷺ: "يا عباس، " "فأين المال الذي دفعتَه إلى أم الفضل حين خرجتَ من مكة" "حين سلّمتَه لها" "ولم يكن هناك أحدٌ إلا أنتما" فقلت لها: "لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا" "فإن حدث بي حدث" "فهذا القدرُ لكِ، وهذا للفَضل" "وهذا لعبد الله، وهذا لعبيد الله، وهذا لقُثَم" " اذن أين ذلك المال؟" لقد وقع الأمرُ كما وصفه النبي ﷺ تماماً فدُهش العباس وقال: "من أخبرك بهذا؟" "ف والله ما علم بهذا أحد غيري انا و أم الفضل" فقال النبي ﷺ: "أخبرني الله" وقبل تلك اللحظة لم يكن واضحاً هل أسلم العباس سرّاً أم لا كان لا يزال في نفسه تردّد لكن في ذلك اليوم، بعد أن شهد هذه الآية، أسلم "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمداً رسولُ الله" ثم رجع إلى مكة وكتم إيمانه ومن هناك كان يرسل الأخبار إلى النبي ﷺ سرّاً ويُعين المسلمين في بلده ومن الأسرى أيضاً سُهيلُ بنُ عمرو كان خطيباً مفوّهاً، وقد اشتدّ كلامُه على المسلمين في السابق وكان عمرُ رضي الله عنه يعرف سُهيلاً جيداً كان من وجوه قريش فلما رآه عمرُ بين الأسرى قال: "يا رسولَ الله، دعني أخلع ثنيّتَي هذا الرجل" "فلا يقوم عليك خطيباً أبداً" "فكان بكلامه يُحرّض قريشاً علينا" لكن نبيَّ الرحمة ﷺ أجاب بكلماتٍ لن يتجلّى معناها الكامل إلا بعد سنوات: "دعه يا عمر، فلعله يقوم" "مقاماً يسرك" وسيُسلم سُهيلٌ بعد ذلك وفي اليوم الذي تُوفي فيه رسول الله ﷺ حين غمر الحزنُ مكة سيلقي خطبةً تُسكّن القلوب وبينما كان الناس منهارين كأن دنياهم قد تهدّمت كانت كلماتُ سُهيل المطمئنة تبعث السكينة في الجمع وفي ذلك اليوم سيفهم عمرُ رضي الله عنه ما كان يعنيه النبي ﷺ وبهذا النصر أصبح المسلمون قوةً لا يمكن الاستهانة بها وبينما كان الفرحُ والاحتفاء في المدينة كانت مكة تغصّ بالحزن فقدت المدينة رجالَها الأهم في ساحة ذلك القتال وكان أبو لهب مريضاً قد اشتد به الهرم فلم يحتمل وقعَ هذا الخبر فمات بعد أسبوعٍ وهو يأكلُه الغيظُ والحزن وخوفاً من عدوى مرضه لم يقترب حتى أبناؤه من جثمانه مدةً من الزمن فلما اشتدّت الرائحة جرّوه أخيراً ودفنوه في مكانٍ ما وهكذا زال عدوٌّ آخر شديدٌ للإسلام كانت الأمورُ تمضي لصالح المسلمين وبعد أن قدّم المسلمون أربعةَ عشر شهيداً، عادوا من بدر لقد انتهت المعركةُ بنصرٍ ساحقٍ على قريش فامتلأ الجيشُ بفرحةِ الظفر لكن تلك الفرحةَ لم تدم طويلاً "يا رسولَ الله ﷺ، ابنتك رُقيّة" "قد توفيت" وحين وصل رسولُ الله ﷺ بلغه الخبرُ المفجع فتزلزل قلبُه حزناً لم يستطع حتى أن يراها في لحظاتها الأخيرة وقد قال رسولُ الله ﷺ يوماً: "أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء" "ثم الأمثل فالأمثل" "يُبتلى المرء على قدر دينه" ولم تكن هذه أول مرةٍ يذوق فيها ألمَ فقدِ ولد فقد كان قبل ذلك وارى ابنيه القاسم وعبدَ الله ثم ابنته الكبرى زينب كانت قد تزوّجت قبل الإسلام لكن زوجَها أبا العاص لم يكن قد أسلم بعد وفي يوم بدر كان أبو العاص أيضاً من الأسرى فأطلقه رسولُ الله ﷺ على شرط أن يبعث زينب إلى المدينة وكانت يومئذٍ حبلي لكن المشركين، وقد أعمتهم أحقادُ بعد بدر، أرادوا أذيتها فلما همّت بالخروج روّعوا بعيرها بعنف فسقطت زينب على صخرة فأسقطت جنينَها ووصلت إلى المدينة على تلك الحال فتلقّاها أبوها بحزنٍ عميق أيحزن النبي لفقدِ حفيده أم يحزن لألمِ ابنته؟ وقد ترك الإجهاضُ الذي أصاب زينب آثاراً باقيةً في صحتها وبعد سنواتٍ قليلة توفيت هي أيضاً إن فقْدَ طفلٍ واحدٍ ألمٌ لا يدركه حقَّ الإدراك إلا من ذاقه ومع ذلك صبر رسولُ الله ﷺ لا مرةً واحدة، بل ستَّ مرات ولم تكن الابتلاءاتُ التي واجهها مقتصرةً على فقد أحبته لقد أذن الله له أن يمرّ بهذه الابتلاءات الشديدة لحكمة فلو كانت حياتُه خاليةً من الحزن والمشقة فكيف يكون قدوةً لنا حقاً؟ وكيف يواسي ويهدي من يواجهون صعوبات الحياة ولأكثرَ من 1400 عام وجد كلُّ من ابتُلي من أمته السلوى و الصبر في سيرته كان كلُّ واحدٍ يرى ألمَه منعكساً في حياته ومن أعجبِ صفات النبي ﷺ أنه على الرغم من كل الشدائد التي مرّ بها كان لا يزال يبتسم كان يفتح قلبه لربه ويَبُثّ همومه، ويستعيذ به وكان يرى الخيرَ في كل شيء وينظر دائماً إلى الجانب المشرق وكان يُحسن الظنّ ويتفاءل وهكذا استطاع أن يترك أحزانَه وراءه وكان يلتفت إلى النِّعم الجديدة التي يبعثها الله إليه فيجد فيها السكينة ومن تلك النِّعم زواجُ ابنته الحبيبة فاطمة فمِن بين الناس جميعاً كانت فاطمة أشبهَ الناس برسولِ الله ﷺ وكانت ستتزوج علياً رضي الله عنه الذي ربّاه النبي ﷺ بنفسه وعلّمه منذ الصغر وكان النسبُ المبارك لرسولِ الله ﷺ سيستمرّ من فاطمة وعليٍّ رضي الله عنهما وبعرسٍ بسيطٍ متواضع، لا تكلّف فيه ولا مباهاة تأسس بيتٌ هادئٌ ملؤه المودة ورُزق ذلك البيت بطفلين جميلين: الحسن والحسين وأظهر النبي ﷺ لحفيديه حباً ورحمة لا نظير لهما كان رسولُ الله ﷺ يخطب بالناس فإذا به يلمح الحسنَ والحسين يتعثّران أمام الناس فنزل من المنبر، وحملهما، ثم عاد فصعد كان رسولُ الله ﷺ ساجداً في الصلاة فركب الحسنُ على ظهره فأطال السجود كي لا يقطع عليه لعبَه وكان يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" وكان يقبّلهما على رأسيهما وأعناقهما ويضمّهما إليه وكان هذا القدرُ من الحنان ولا سيما في ذلك الزمان، نادراً جداً ففي مرة رأى رجلٌ النبيَّ ﷺ يقبّل الحسن فقال: "أتقبّلون أبناءكم؟" "إن لي عشرةً من الولد، ما قبّلتُ واحداً منهم قط" فقال له رسولُ الله ﷺ: "من لا يَرحم لا يُرحم" ولم تكن رحمته لحفيديه فقط بل كانت رحمته لجميع الأطفال ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة قُدِّم له غلامٌ ابنُ اثنتي عشرة سنة يُقال له أنسُ بنُ مالك ليعينه في شؤون يومه فبنى رسولُ الله ﷺ في نفسه ثقةً عظيمة وربّاه بعنايةٍ ولطفٍ ومن خلاله قدّم رسولُ الله ﷺ مثالاً آخر جميلاً في تربية الاطفال وكان أنسٌ رضي الله عنه يقول فيما بعد: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أُفٍّ قط" "ولا قال لي لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟" "ولا لشيء تركته: لما تركته؟" خدم النبيَّ ﷺ وكان في كنفه عشر سنين ثم صار أنسٌ من أعلم الصحابة وأجلّهم قدراً وزوّج رسولُ الله ﷺ ابنته فاطمةَ من عليٍّ رضي الله عنه وكان معروفاً ممدوحاً بشجاعته وعلمه العميق وحكمته ابنته أمَّ كلثومٍ تزوجت من عثمانَ رضي الله عنه الذي كان يسمّيه "صاحبي في الجنة" وكان عثمانُ شديدَ الحياء حتى إن الملائكة كانت تستحيي منه وتُعجب بحيائه وكان من أجلّ الصحابة، وله شرفٌ فريد أنه صار صهراً للنبي ﷺ مرتين فزوّج رسولُ الله ﷺ زهرَتيه الحبيبتين من رجلين من أبرِّ أهل الأرض ولكن ماذا عن النبي ﷺ نفسه؟ هل تزوّج بعد خديجةَ رضي الله عنها؟ لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وجد مجتمعاً مسلماً كبيراً متنامياً وبالطبع، لم يكن المجتمع رجالاً فقط بل كان بين الصحابة نساءٌ كثيرات وكانت النساء أيضاً يردن أن يعشن الدين ويتعلمنه ولكن لم يكن لائقاً بالنبي ﷺ أن يكثر من مخالطة النساء مباشرةً ثم إنهن لم يكنّ يستطعن سؤالَه عن كل شيء بحرية فهو رجل، وهناك أمور تستحيي النساء من سؤالها فكنّ بحاجةٍ إلى نساءٍ يتعلمن منهن وكانت تلك النساء زوجاتُ النبي ﷺ اللواتي قمن بدور المعلمات لنساء الأمة فكنّ يسألن زوجاتِه عن أمور لا يستطعن سؤالَ النبي ﷺ عنها وكان الصحابة يقضون أيامهم يراقبون أقوال رسولِ الله ﷺ وأفعاله لكنهم لا يرون حياته في بيته، فكانت زوجاتُه هن اللاتي ينقلن للناس تلك الجوانب من حياته في مكة عاش رسولُ الله ﷺ نحو خمسة و عشرين سنة مع زوجةٍ واحدة لكن بعد الهجرة إلى المدينة عاش مع أكثر من زوجة وللأسف، حاول بعض أعداءِ الإسلام أن يطعنوا فيه وزعموا أنه تحرّكه الشهوة، معاذَ الله ولما لم يجدوا سبيلاً آخر للطعن في نبوّته التجؤوا إلى هذه الادعائات لكن سيرتَه في الحياة تُكذّب هذا الزعم كلياً ففي سن الخامسة والعشرين وقد كان مُعجباً به كثيرون في قومه تزوّج امرأةً في الأربعين من عمرها، امنا خديجةَ ولو أراد، لما كاد يوجد أحدٌ إلا و أراد ان يزوّجه ابنته ومع ذلك، إلى سن الخمسين لم يتزوّج غيرها والشهوةُ إنما تبلغ أشدَّها في الإنسان بين الخامسة عشرة والأربعين وفي تلك المدة نفسها عاش مع زوجةٍ واحدة وضرب أروع الأمثلة في العفّة والأخلاق ثم لم يبدأ حياةَ التعدد إلا بعد سن الخمسين وكان سبب ذلك تعليماً دينياً واضحاً فنصفُ الأمة من النساء، والنصفُ الآخر من الرجال تربّيهم النساء، فكان تعليمُ النساء المسلمات أمراً بالغ الأهمية ولهذا كان النبي ﷺ بحاجةٍ إلى زوجاتٍ ذواتِ قدراتٍ وصفاتٍ مختلفة لأن ما يقارب نصفَ ديننا تعلّمه الناسُ على أيدي زوجاتِ النبي ﷺ وكانت أعظمَهن أثراً أمُّنا عائشةُ رضي الله عنها كانت امرأةً فائقةَ الذكاء، عظيمةَ الكفاية وكان الصحابةُ إذا عرضت لهم مسألةٌ دينية لم يستطيعوا حلَّها أو فهمَها أتَوا إليها وسألوها من وراء حجاب ومن ذلك أن أبا موسى الأشعري وهو صحابيٌّ معروفٌ بعلمه بالقرآن والحديث، قال يوماً: "ما أشكل علينا حديثٌ قط" "فسألنا عنه عائشةَ رضي الله عنها" "إلا وجدنا عندها منه علماً" لقد سخّرت شبابَها وكلَّ قدراتها لتعلّم الإسلام على وجهٍ أعمق وبهذا، بقيت بعد وفاة النبي ﷺ منبعاً للعلم مدةَ ستٍ وأربعين سنة يرجع إليها الناسُ بأسئلتهم على الدوام والحقيقة أن هذا أمرٌ بالغُ الأهمية لنا فدينُنا له مصدران رئيسان أحدهما القرآن والآخر حياةُ النبي ﷺ وهَدْيُه، أي باختصار: سنّتُه فلو أردت أن تسأل عن رسولِ الله ﷺ وهو حيّ، لكان يمكنك أن تسأله مباشرة لكن ماذا بعد وفاته؟ لا بد أن ترجع إلى مَن عرفه على وجه الخصوص أقربِ الناس إليه، زوجاته اللواتي شهدن دقائقَ حياته كلَّها وكانت أمُّنا عائشةُ رضي الله عنها من أكثرِ سبعةٍ روايةً للحديث تخيّلوا: لو أن جميع زوجات النبي ﷺ تُوفين بعده بسنواتٍ قليلة، أما كان سيترك ذلك فراغاً عظيماً؟ والأعجب أن بعض الناس، كما قلنا سابقاً لما كان لرسول الله ﷺ أكثر من زوجة اتّهموه بالشهوة لكن هؤلاء لا ينظرون إلى حقيقةِ زيجاته كلها لقد تزوّج نساءً في الأربعينيات والخمسينيات من أعمارهن أراملَ يعشن مع أولادهن وبهذه الزيجات صار أباً لاثني عشر يتيماً وتحمّل مسؤولية رعايتهم واليوم يتردد الناس حتى في الزواج من أرملةٍ لها طفلٌ واحد وحتى إن تزوّجوا فكيف يؤدّون دور الأب؟ ومع ذلك، كان أولئك الأطفال الاثنا عشر ينظرون إلى النبي ﷺ بإعجابٍ وتوقير فهل يمكن، مع هذا المسؤولية العظيمة أن تكون زيجاته متعلقةً بالشهوة؟ سأترك لكم الأجابة فكيف كانت علاقة النبي ﷺ بزوجاته في هذه الزيجات كلها؟ ، أليس للزعيم أو الحاكم عشراتُ الأمور بل مئاتُها، ليتعامل معها؟ وكثيراً ما لا يجد وقتاً لكثيرٍ منها وخاصةً في شأنِ أهله فغالباً ما يضطر إلى تضحياتٍ كثيرة لكن رسولَ الله ﷺ كان يملك قدرةً مدهشة على إدارة الوقت تأملوا ذلك كانت التوترات السياسية مع مكة لا تنقطع وكان لا بدّ أن يكون دائماً على أهبة الاستعداد والحذر منها وفي الوقت نفسه، داخل المدينة نفسها كانت هناك عواملُ سياسيةٌ كثيرة تسعى لإثارة الفتن كاليهود و المنافقين وسنرى ذلك أوضح في الحلقات التالية وفي نفس الوقت، كان لا بدّ أن يراقب القبائل العربية الأخرى والدولَ المجاورة كذلك وفوق ذلك كله كان يؤمّ الناس في المسجد خمس مراتٍ في اليوم ويجيب عن أسئلة عشراتِ الصحابة ويعلّمهم وفي أوقات الحرب كان يقود الجيش وكان يقوم من الليل كلَّ ليلةٍ ليتهجد لله عاش حياةَ عبادةٍ لم يسبق لها أحدٌ طوالَ أربعةَ عشرَ قرناً صدقوني، كلما قلّبتم صفحات السيرة وجدتم هذه القائمة تزداد طولاً وكان عليه أن يقوم بكل هذه المسؤوليات على أكمل وجه وقد فعل ذلك حقاً فمع هذا الانشغال، كم تظنون يمكن أن يعطي زوجاته من وقته؟ لقد أعطاهن من الرعاية والاهتمام ما لم يبلغه أحدٌ طوال أربعةَ عشرَ قرناً ومع قائمةً لا تنتهي من الواجبات كيف كان يجد وقتاً ليُسابق عائشةَ بين حينٍ وآخر؟ وحين كانت صفيةُ تريد أن تركب بعيرها انحنى رسولُ الله ﷺ وقدّم ركبته لتكون لها درجةً تصعد عليها ومع كل ما يشغله كيف يخطر له هذا اللطفُ الدقيق؟ وفي مرةً غضبت أمُّنا عائشةُ رضي الله عنها على النبي ﷺ ورفعت صوتها فلما سمع أبوها أبو بكر ذلك من خارج البيت غضب وأراد أن يضربها فماذا فعل النبي ﷺ؟ منعه، وصرفه ثم قال لعائشة رضي الله عنها مازحاً: "كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟" أظهر صبراً ولطفاً لا يكاد يوجد في غيره لم يغضب ولم يرفع صوته، بل انه حتي جعل الأمر مزحة ومن جهةٍ، ترى رجالاً لا يستشيرون زوجاتهم قط حتى في أمورٍ تمسّهم ومن جهةٍ أخرى ترى رسولَ الله ﷺ يستشير زوجاته ويعمل برأيهن حتى في المواقف العظيمة كان يقول لزوجاته إنه يحبّهن وكان يثني على محاسنهن، ويقدّرهن، ويشعرهن بقيمتهن وهو يتلقى الوحي من الله، ويُحادث جبريل والملائكة تقف بين يديه تعظيماً كيف كان لا يزال يُحسن إلى زوجاته كلّهن هذا الإحسان؟ والجوابُ بسيط لأنه القدوةُ الحسنة التي بعثها الله فعبر التاريخ، كان كلُّ مشهورٍ قدوةً في صفة أو صفتين فقط أما رسول الله ﷺ فكان قدوةً كاملةً في كل صفاته في خُلُقه، وفي أدبه، وفي كل شأنه وهل تعلمون ما الأعجب؟ حتى في الصفات التي قلّما تجتمع في أعلى درجاتها كان هو فيها أيضاً أكملَ الناس ماذا أعني بذلك؟ فمثلاً، إذا كان الإنسان شديدَ الرحمة فقد ترى عنده ضعفاً في جانب العدل وإما إن كان شديدَ العدل قد ترى نقصاً في جانب الرحمة أما هو فقد جمع الكمالَ في الصفتين معاً وإذا كان الإنسان جريئاً شجاعاً فلا تتوقع منه غالباً أن يكون هادئاً رفيقاً عند الحاجة وإن كان هادئاً حليماً فغالباً لا تراه جريئاً عند موطن الجرأة لكن النبي ﷺ فاق الناس في الصفتين معاً وكذلك إذا كان المرء سريعَ المبادرة لا تتوقع منه أن يكون شديدَ التحفّظ وإذا كان شديدَ التحفّظ نادراً ما تراه يُقدم على الأفعال السريعة الجريئة لكن رسولَ الله ﷺ سبق الجميع في الأمرين أيضاً كان رجلَ سلام، ومع ذلك كان أشدَّ الناس بُغضاً للباطل في سبيل الله وكان شديدَ الاقتصاد في النفقة، ومع ذلك كان شديدَ السخاء وهكذا دواليك حين أجرى بديع الزمان سعيد النورسي هذه المقارنة وصف هذا الجانب من رسولِ الله ﷺ بأنه "معجزةُ المعجزات" وبعد أن ألقينا نظرةً على الحياة الأسرية وخُلُق رسولِ الله ﷺ فلننتقل إلى ما حدث بعد بدر إن كنتم تذكرون، كان من أعظم تحديات النبي ﷺ منْعَ وقوع الانقسام بين أهل المدينة وقد ذكرنا أيضاً أن القبائلَ اليهودية كانت ستُثير كثيراً من المشكلات في هذا الباب ولمنع النزاعات المحتملة والعيش معاً بسلام أعدّ النبي ﷺ بعد الهجرة وثيقةً للعهد وقد وافقوا عليها لكن بعد بدر بدأت التوتراتُ ترتفع بين قبائل يهود المدينة فقد أظهر نصرُ المسلمين الغيرةَ والحقد المستترين في قلوبهم فأخذوا ينشدون أشعاراً تسبّ النبي ﷺ والمسلمين وكانوا يسلكون طرقاً أخرى للاستفزاز أيضاً ثم تجاوزوا الحد ففي يومٍ من الأيام دخلت زوجةُ رجلٍ من المسلمين دكانَ صائغٍ كان يديره يهوديٌّ من بني قينقاع وقد غطّت وجهها حياءً وبينما كانت جالسةً هناك، بدأ بعضُ اليهود يؤذونها وحاولوا كشفَ وجهها فلما رفضت، جاء أحدُهم من خلفها فعلّق طرفاً من ثوبها بشوكة فلما قامت، انكشف ثوبُها فجأة فضحك اليهودُ ضحكاً قبيحاً على هذا الفعل المستقذر فصرخت المرأةُ المسلمة مذعورة فسمع صراخَها أحدُ الصحابة فاندفع إلى الدكان مسرعاً فوثب غضباً، وأمسك اليهوديَّ من عنقه وفي الاشتباك الذي وقع قتله ثم هجم بقيةُ اليهود على الصحابي وضربوه حتى مات فاستُشهد وسرعان ما بلغ خبرُ هذه الحادثة رسولَ الله ﷺ ومن غير إبطاء جمع رسولُ الله ﷺ بني قينقاع وخاطبهم فنهاهم بشدة عن إثارة الفتنة وعن سلوكهم المتكبر المسيء ثم دعاهم إلى الإسلام لكنهم بدل أن يسمعوا ويصلحوا حالهم ردّوا بكبرٍ وتعالٍ "يا محمد!" "لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال" "لسنا مثلهم" "نحن أهلُ قتال" "إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس" وبعد هذا التحدي الصريح انصرفوا لقد نقضوا عهدَ المدينة فجمع النبي ﷺ أصحابه فوراً وأمرهم أن يستعدّوا للقتال كان سيُجيبهم على تحدّيهم وسنرى هذا الموقف نفسه مراراً في السيرة فكلما حاول أحدٌ أن يرهب المسلمين أو يتحدّاهم مهما عظُم العدو ولو كان معه جيشٌ من مائةِ ألف لم يكن النبي ﷺ ليتراجع كان يواجههم بثباتٍ ويُظهر شجاعةَ المسلمين وقوتهم أتمّ الاستعدادات وسار إلى بني قينقاع وكان لهؤلاء اليهود حصنٌ قوي فلما سمعوا بمقدَم النبي ﷺ تحصّنوا فيه وكان لبني قينقاع نحو سبعمائة مقاتل، منهم ثلاثمائة دارع وقرروا أن يدافعوا عن أنفسهم من داخل حصنهم وبقوا فيه نحو خمسةَ عشرَ يوماً غير قادرين على الخروج ولما أدركوا أنهم لم يعودوا قادرين على الصمود أمام المسلمين غلبهم الخوف، فوافقوا على الاستسلام واستسلموا من غير قتال ومع أن النبي ﷺ كان يستطيع أن يأمر بقتلهم فقد عفا عنهم وأمهلهم ثلاثةَ أيام ليخرجوا من المدينة وهكذا أُجليت قبيلةُ بني قينقاع من المدينة عقوبةً لهم على نقض العهد وبينما كانت هذه الأحداث تجري في المدينة كان الوضع في مكة يزداد توتراً يوماً بعد يوم وبعد أن قُتل سادةُ قريش في بدر صار أبو سفيان زعيمَهم الجديد وكانت قريش تتقد ناراً شديدة للثأر وأقسم أبو سفيان أن ينتقم للهزيمة فاقترب من المدينة ومعه مائتا فارس واستقى معلوماتٍ عن المسلمين من بعض يهودها وفي موضعٍ يُقال له عُرَيْض قريباً من المدينة أحرق بيتين وعدة نخلات واستشهد مسلمان لكن لما بلغه أن مئتا مسلم يسيرون نحوه فرّ سريعاً وظن أبو سفيان بهذا الفعل أنه أخذ بثأره لكن قريشاً بالطبع لم تكن لتقف عند ذلك فالذين فقدوا أحبتهم في بدر كانت نارُ الغضب لا تزال تشتعل في صدورهم وأخيراً جاءت اللحظة المناسبة عادت القافلةُ التجارية الخاصة بهم فجمعوا أرباحَها في موضعٍ واحد وطلبوا العون من القبائل المجاورة ثم شرعوا يخططون للهجوم بعنايةٍ كبيرة وبدافع عطشِهم للثأر جمعت قريش جيشاً قوامُه ثلاثةُ آلاف كانت معركةٌ شرسة تلوح في الأفق فماذا سيحدث هذه المرة؟ غزوةُ أُحد التي وصفها النبي ﷺ بأنها "أحدُ أشدِّ يومين مررتُ بهما في حياتي" تنتظرنا في الحلقة القادمة ترقّبوا
إن محمداً وأصحابه قد هاجموا قافلتكم!" "ستضيع بضائعكم كلّها!" "!
اخرجوا لنصرة أبي سفيان!" وانتشر الخوفُ في مكة لأن معظمَ الأسر كان لها مالٌ مُستثمرٌ في تلك القافلة فسارعوا إلى الاستعداد وجمعوا جيشاً قوامُه 950 رجلاً ومع مائةِ فارسٍ وسبعمائةِ بعير خرج الجيشُ المكتملُ العُدّة إلى بدر وكان على رأسهم أبو جهل، أحدُ أشدّ أعداءِ الإسلام أمّا أبو لهب، فاتخذ مرضَه عذراً وأرسل غيرَه مكانه وكان جيشُ قريش يسير إلى بدر بالأغاني والدفوف وبعد حين، وصل إلى أبي جهل خبرٌ يقول: "لقد خرجتم لحماية قافلتكم ورجالكم" "وقد سلِم الاثنان الآن، فارجعوا" وكان مرسلُ هذه الرسالة هو أبو سفيان فقد أعاد القافلةَ إلى مكة سالمةً وصار يطلب منهم الرجوع وكان أكثرُ الجيش يريد العودة لكن أبا جهل، الذي كان يحمل غيظاً على المسلمين لم يكن في نيته ذلك تحت إمرته جيشٌ يقارب الألف، مكتملُ العُدّة وكان يرى في هذا فرصةً لا تُفوّت وكان واثقاً أنه قادرٌ على استئصال المسلمين جميعاً فقال: "واللَّهِ لا نرجع" "حتى نرد بدراً" "فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجُزُر، ونُطعِم الطعام ونسقي الخمر" "وتعزف علينا القِيان" "فتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا" "فلا يزالون يهابوننا أبداً" فأقنع الجيش، وانطلقوا مرةً أخرى ولمّا بلغ النبيَّ ﷺ أن القافلة قد وصلت إلى مكة وأن قريشاً تسير إلى بدر بجيشٍ عظيم، تعجّب لم يكن يتوقّع مثلَ هذه الخطوة فجمع أصحابه ليتشاوروا في الأمر فقام أولاً المقدادُ بنُ الأسود من المهاجرين وقال: "يا رسول الله" "لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى" "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" "ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون" "افعل ما أمرك ربُّك" "فنحن معك متّبعون" فسرّت هذه الكلماتُ النبيَّ ﷺ سروراً عظيماً لكنه أراد أن يسمع من الأنصار أيضاً لأنهم في بيعةِ العقبة إنما وعدوه أن يحمُوه داخلَ المدينة فهل يقدّمون له الحمايةَ نفسها خارجَها أيضاً؟ فقام سعدُ بنُ معاذ وقال: "يا رسول الله، آمنا بك" "وصدقناك" "وشهدنا أن ما جئت به هو الحق" "وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة" تخيّلوا للحظةٍ واحدة أننا الآن نسير إلى بدرٍ مع جيشِ النبي ﷺ هل كنّا سنستطيع أن نقول ما قالوه؟ إني أكاد أسمعكم تقولون: "، بالطبع، سنقول الشيءَ نفسه" لكن القولَ سهل، والوفاءَ به أصعب بكثير فلننظر إلى حالنا اليوم أليست رسالةُ رسولِ الله ﷺ ما زالت مستمرة؟ ، بلا شك لكن ماذا قدّمنا لها حقيقةً إلى الآن؟ ألسنا كثيراً ما نختبئ خلف شتى الأعذار لِنترك حتى صلاةً واحدة؟ وبعد أن سمع رسول الله ﷺ كلماتِ سعدِ الصادقة زال ما كان على وجهه من القلق وقال: "الله عز وجل" "قد وعدني إحدى الطائفتين" "إما العير، وإما نصرٌ مبين" "والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" "نصرُ الله معكم" وكان قرارُ القتال قد حُسم وأمامهم جيشٌ مكتملُ العُدّة، يفوقهم بثلاثة أضعاف لكن ذلك لم يكن عائقاً للمسلمين فشجاعتهم من الإيمان في قلوبهم، وناصرُهم هو الله الذي قدرتُه فوق كلّ شيء وكان رسول الله ﷺ يُرتّب الصفوف ويجعل الآبارَ أمامهم وفي تلك اللحظة، جاء الحُبابُ بنُ المنذر، وكان مشهوراً بحُسن الرأي في تدبير الحرب فقال "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" فقال رسول الله ﷺ: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فعندها قدم الحباب اقتراحاً: "يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل" "فانهض بالناس حتى نأتي" "أدنى ماء من القوم فننزله" "فهناك بئرٌ كثيرةُ الماء العذب" "ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء" "ثم نغوِّر ما وراءه من القُلُب" "ثم نقاتل القوم فنشرب" "ولا يشربون، فتشتدّ عليهم الحال" فرأى النبيُّ ﷺ في هذا الرأي حِكمةً فقبِله وانظروا هنا كم كان رسولُ الله ﷺ يقدّر الشورى لم يقل: "أنا النبي، وإنما يكون ما أقول" بل أظهر مرةً أخرى أنه قدوةٌ حقاً في كلّ شيء ثم جاء دورُ تدبيرِ المعركة فأخذ النبيُّ ﷺ يُنظّم جيشَه بعناية صفَّهم بحيث يكون الرماةُ في الخلف وحملةُ الرماح في المقدمة ثم قال: "لا تتركوا صفوفكم ولا تُخلّوا بالنظام" "اثبتوا في أماكنكم بصبر، لا تتحركوا" "لا تبدأوا القتال حتى آذن لكم" "ولا تُضيّعوا سهامكم برميها قبل أن يقترب العدو" "ارموا سهامكم حين يُنزل العدوُّ تُرْسَه" "فإذا دنا العدوُّ أكثر، فاستعملوا رماحكم ونِبالكم" "والسيفُ آخرُ الأمر" "لا تستخدموه إلا في القتال القريب" وكان جيشُ المسلمين مستعدّاً لمواجهةِ قريش فلما أقبل الليل، نام الناس جميعاً ليستريحوا إلا رجلاً واحداً: رسول الله ﷺ قضى الليلَ كلَّه في الصلاة والتضرّع إلى الله "اللهم أنجز لي ما وعدتني" "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام" "فلن تُعبد في الأرض بعد اليوم" وقد أُجيب هذا الدعاءُ الصادق في القرآن في الآية التاسعة من سورة الأنفال: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ" "أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ" "مُرْدِفِينَ" نعم، لم يكن الله ليخذل هذه القلةَ من المؤمنين الذين يقاتلون في سبيله بل يمدّهم بجنوده الغيبية، بملائكته وأخيراً، جاء يومُ القتال ولما وصل جيشُ قريش إلى سهولِ بدر اضطربوا مما رأوا "لقد سيطروا على جميع الآبار!" كان المسلمون قد سبقوا فسيطروا على الموضع ذي الأهمية الاستراتيجية ومع ذلك، وباعتمادهم على كثرة عددهم ظنّوا أن النصرَ سيأتي بسهولة وحين تقابل الجيشان كان 313 مسلماً في مواجهة 950 مقاتلاً من قريش "أحدٌ أحدٌ" كان الفارقُ في العدد مرعب وكانت الأفضليةُ الماديةُ مع قريش لكن روحياً، كان الأمرُ على النقيض تماماً من جهةٍ، كانت صيحاتُ التكبير تتردد في الميدان "الله أكبر!" ومن الجهة الأخرى، كانت الطبولُ والأغاني تملأ الأجواء على جانبٍ، جيشٌ يستمدّ قوته من الله ويقف في وجه الظلم، وعلى الجانب الآخر جيشٌ يقاتل ل لا شيءٍ إلا ليظلم ويسفك الدماء ثم تقدّم أحدُ قادة قريش، عُتبةُ بنُ ربيعة ومعه أخوه شيبةُ بنُ ربيعة وابنه الوليد وكانت هذه من عادات ما قبل المعركة، وتعرف بالمبارزة وقبل أن يبدأ القتال، كان يخرج رجلٌ أو اثنان أو ثلاثةٌ فيتبارزون، ثم تبدأ المعركة الكبرى وتقدّم ثلاثةُ فتيانٍ من الأنصار عوفٌ، ومُعوِّذٌ، وعبدُ الله بنُ رواحة فنظر إليهم عتبة وقال بنبرةٍ ساخرة: "من أنتم؟" "يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش!" لم يُرِد أن يقاتل غيرهم فقد كان حقدُه على بني هاشم فدعا رسولُ الله ﷺ مسلمي المدينة أن يرجعوا ولكن مَن الذي سيختاره رسولُ الله ﷺ؟ من المهاجرين قدّم عبيدة بن الحارث وحمزةَ، وعلياً رضي الله عنهم "من الذي خرج؟" - "عبيدةُ، وعليٌّ" - "عليٌّ؟" - "والثالث من هو؟" - "حمزة" - "لا، ليس حمزة" - "هذا ليس جيداً" كان الثلاثةُ الذين اختارهم النبي ﷺ من أهل بيته وعندها رضِي عتبةُ عمّن وقفوا أمامه وبدأت المبارزات فواجه حمزةُ شيبةَ وواجه عليٌّ الوليدَ وبدأ عبيدةُ مبارزته مع عتبةَ وبعد ضرباتٍ قليلة، سقط خصما عليٍّ وحمزةَ صرعى على الأرض لكن عبيدةَ وعتبةَ كانا لا يزالان يقتتلان بشدّة وكان من عادة المبارزة أن من يغلب خصمه يذهب فيُعين الآخرين فأسرع حمزةُ وعليٌّ لنُصرة عبيدةَ وقتلا عتبةَ ثم حملا عبيدةَ الجريح إلى النبي ﷺ كان ينزف نزفاً شديداً، لكنه لم يكن يبالي كان قلبُه مشغولاً بشيءٍ آخر وكان يكرر: "يا رسولَ الله، أأنا شهيد؟" "نعم يا عبيدة، أنت شهيد" فلما سمع هذه الكلمات سكنت ملامحُ الطمأنينة على وجه عبيدة ولم يلبث بعدها أن فاضت روحُه ونال منزلةَ الشهادة فصار شهيداً وكانت على وجهه ابتسامةٌ؛ لأن الشهادة وبذل النفسِ في سبيل الله ليست موتاً عندهم، بل لقاءً بالمحبوب صُعق جيشُ قريش فأشجعُ الرجال عندهم، وقائدُ قريش القوي عتبةُ وأخوه شيبةُ، وابنه الوليد قد صاروا صرعى في أرض بدر وليرفع معنويات جيشه، صاح أبو جهل: "لا يهولنكم مصرع عتبة وشيبة والوليد" "فإنهم قد عجلوا فهلكوا بلا طائل!" "أقسمُ اليوم أن النصرَ لنا!" "إن محمداً وأصحابه لُقمةٌ صغيرةٌ لنا!" وبعدها أعاد تنظيم الصفوف ولما صدر الأمر، اندفع الفريقان إلى الأمام وانطلقت المعركةُ بكل قوتها وكان رسولُ الله ﷺ بنفسه في المقدمة يقاتلُ مع أصحابه لم يقل: "أنا النبي، اذهبوا أنتم فقاتلوا" بل كان يشجّعهم بكلماته ويملأ قلوبهم ثباتاً وشجاعة حتى قال عليٌّ رضي الله عنه لاحقاً: "كان يومئذٍ أشجعَ الناس" "ما كان أحدٌ أقربَ إلى صفوف العدو منه" وكان حمزةُ وعليٌّ وعمرُ رضي الله عنهم يصرعون كلَّ من يقف في طريقهم وبسيوفهم كانوا يشقّون صفوف العدو وهم يتقدّمون وكان الصحابة يقاتلون بكل ما أوتوا من قوة وفي ذلك اليوم كان في ساحة القتال أبو البَختري بنُ هشام أتذكرون هذا الاسم؟ لقد كان يومَ حُوصِر المسلمون في مكة بالمقاطعة كان من الرجال الخمسةُ الذين اجتمعوا على خطة ووقفوا في مواضع مختلفة وتكلموا ضد المقاطعة فنالوا تأييداً قوياً من الناس وكان أبو البَختري واحداً من أولئك الخمسة وكان من أسبابِ انهاء المقاطعة وها هو اليوم في ساحة بدر أيضاً لكنه ليس في صف المسلمين وقبل أن تبدأ المعركة أعلن رسولُ الله ﷺ أن بعضَ الأفراد لا يُتعرّض لهم بسوء وكان أبو البَختري واحداً منهم أليس هذا مثالاً مدهشاً على الوفاء وشكر الجميل؟ لقد كان النبي ﷺ يمنحه فرصةً أخرى للإيمان وخلال المعركة، واجه أبو البَختري أحدَ الصحابة وجهاً لوجه مُجذِّر بن زياد لكن مُجذِّراً تجنّب قتالَه؛ لأنه كان يعلم أمرَ النبي ﷺ ولم يفهم أبو البَختري ذلك فسأله: "لماذا لا تقاتلني؟" فلما أخبره مُجذِّر بما قاله النبي ﷺ غضب أبو البَختري وصاح: "حتى وإن قال ذلك، فسأقاتلك هنا اليوم!" وتجاهل إحسانَ النبي ﷺ وهجم على مُجذِّر حاول مُجذِّر أن يتجنّبه، لكنه لم يجد بُدّاً فدافع عن نفسه، وفي النهاية قُتل أبو البَختري وكانت المعركةُ قد بلغت ذروتها فأخذ رسولُ الله ﷺ قبضةً من ترابٍ فرماها نحو جيش العدو، ودعا قائلاً: "شاهت الوجوه!" "اللهم املأ قلوبَهم رعباً، وزلزل أقدامَهم!" فبلغت تلك القبضةُ من التراب أعينَ جيش العدو كلّه فلم يعودوا يرون شيئاً ووصف اللهُ سبحانه وتعالى هذا الحدثَ بعينه في القرآن: "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى" وبعد حين، هبّت ريحٌ لا مثيل لها فلم يُرَ شيء وتفرّقت قريشٌ في كل اتجاه ثم جاءت ريحٌ ثانية، ثم أعقبتها ثالثة لقد أنجز اللهُ وعدَه وأرسل ملائكتَه نصراً وتأييداً وأُصيبَت قريشٌ بالذهول فكانوا يظنّون أنهم يواجهون ثلاثمائة شخصاً فقط فإذا بالجيشِ المسلم يظهر في أعينهم أعظمَ عدداً وأشدَّ بأساً وكان أبو جهل، الذي قال قبل المعركة: "إنهم لُقمةٌ صغيرةٌ لنا" يبحث الآن عن مكان ليختبئ فيه فكان الجميعُ يريدون قتل عدو الإسلام هذا وجاء أخوان شابّان من الأنصار إلى عبد الرحمن بن عوف وسألاه عن أبي جهل فقال: "وماذا تريدان منه؟" فقالوا له: "بلغنا أنه شتم النبي" "وقد عاهدنا اللهَ إن رأيناه" "لا نفارقه حتى يقتل أحدُنا الآخرَ" وكان هذان الفتيان الشجاعان: مُعاذٌ ومُعوِّذ وفي تلك اللحظة أبصر عبدُ الرحمن بنُ عوف أبا جهل فأشار إليه فأسرعا يركضان نحوه في الحال لم يأخذ أبو جهل أمرَهما على محمل الجد وسخر منهما قائلاً: "يا فتيانِ الحمقى!" "أبهذه السرعة تتشوّقون إلى الموت؟" لكن الأمر لم يجرِ كما ظن اقترب معوذ وضرب ساقَه ضربةً شديدة ثم اندفع عِكرِمةُ بنُ أبي جهل فضرب مُعاذاً ضربةً موجِعة وفي تلك اللحظة وجّه مُعوِّذٌ ضربةً أخرى لأبي جهل فأسقطه أرضاً "أحقّاً مات فرعونُ هذه الأمة؟" فأسرعا إلى النبي ﷺ وأخبراه أنهما قتلا أبا جهل وأراد رسولُ الله ﷺ أن يتيقّن فأمر الصحابة أن يلتمسوا أبا جهل بين القتلى وكان عبدُ الله بنُ مسعود هو الذي وجده لم يكن أبو جهل قد مات بعد كان يلفظ أنفاسَه الأخيرة فوضع ابنُ مسعود قدمَه على عنقه وقال: "يا عدوَّ الله!
أترى؟" "لقد أخزاك الله" ومع أنه كان يحتضر، ظل أبو جهل متكبّراً فقال: "لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم" "وما الجديد أن يقتل العظيمُ على أيدي قومه وعشيرته؟ "فأخبرني الآن، لمن الدائرة اليوم؟" قال ابنُ مسعود: "للهِ ولرسوله" وبهذه الكلمات فكان قد قتله روحياً قبل أن يقتله جسدياً أتذكرون عبدَ الله بنَ مسعود؟ هو الذي ذهب يوماً إلى الكعبة وتلا سورةَ الرحمن جهراً لأول مرة فوثب عليه المشركون وضربوه حتى كادوا يقتلونه لكن الآن، انقلبت الموازين رفع سيفَ أبي جهل من الأرض وسدّد الضربةَ الأخيرة التي أنهت حياته وهنا تفصيلٌ آخر مدهش فقد كان النبي ﷺ قبل القتال قد أشار إلى المواضع التي سيُقتل فيها قادةُ مكة فمات أبو جهل في الموضع نفسه الذي وصفه وسقط قائدٌ آخر، أميّةُ بنُ خلف، في المكان الذي أشار إليه النبي ﷺ وكذلك سائرهم وقد قال عمرُ رضي الله عنه فيما بعد: "والذي بعثه بالحق" "ما سقط منهم رجلٌ خارجَ الموضع" "الذي وضع رسولُ الله ﷺ يده عليه" كانت معجزةً من الله؛ إذ أخبر ليس فقط بمن سيُقتل بل وبالموضع الذي سيُقتل فيه فلما قُتل قادةُ مكة واحداً تلو الآخر انكسر جيشُ قريش وفرّ الكافرون على وجوههم لا يلتفتون بل إن هذا المشهد نفسه قد أُخبر به في القرآن قبل ذلك بسنين في الآيتين 44 و45 من سورة القمر، يقول تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ" "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" أي: أم يقولون: نحن جماعةٌ عظيمة وسننتصر؟ سيُهزم هذا الجمع قريباً وسيولّون الأدبار ويفرّون تذكّروا أيامَ مكة كان المسلمون قلةً بالنسبة إلى الكافرين وعانوا شتى أنواع الأذى تارةً تحت حصارٍ دام ثلاث سنوات وتارةً يُرشقون بالحجارة ويُضرَبون وتارةً يُستهزأ بهم ويُذلّون وفي وقتٍ كان المسلمون فيه شديدي الضعف كانت هذه الآيات تُخبر أنهم سيظفرون قريباً بالمدينة القوية: مكة "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" فهذه النبوءة التي نزلت في أشد أوقاتهم كرباً أثبتت مرةً أخرى صدقَ القرآن: أنه من عند الله وأنجز اللهُ وعده للمسلمين ومنحهم النصر في مؤسسة "نحو الخلود"، عملنا بلا كلل لنقدّم لكم هذه السلسلة المصوّرة والآن، إن شاء الله، نريد أن ننتج سلسلةً جديدة عن حياة أنبيائنا الكرام عليهم السلام أنبياء مثل موسى، وإبراهيم، ويوسف، ويونس عليهم السلام لتشاهدوا أنتم وعائلاتكم قصصَهم بجودة إنتاج "نحو الخلود" لكن إنتاج سلسلةٍ جديدة يترتّب عليه تكاليفُ كبيرة الذكاء الاصطناعي، والتعليق الصوتي الاحترافي، والمعدات وللأسف، لم نعد قادرين على تغطية ذلك وحدَنا ولا يمكننا إتمام هذا المشروع إلا بدعمكم قسّم فريقُنا الاحتياجَ الكلي إلى حصصٍ بقيمة 25 دولاراً لتشاركوا برعايةِ حصةٍ أو أكثر حسب استطاعتكم، إن شاء الله إن أردتم أن تكونوا شركاءَ في الأجر فتبرّعوا لـ "نحو الخلود" ولا تفوّتوا هذه الفرصة لقد استُشهد في بدر أربعةَ عشرَ مسلماً كانوا رجالاً شجعاناً جعلوا حياتَهم حصناً للإسلام ودرعاً لرسولِ الله ﷺ وأما من بقي حيّاً فسيظلّ مكرّماً إلى الأبد باسم أصحاب بدر لأن بدراً لم تكن معركةً عادية بل كانت للمسلمين، لعلّها، أشدَّ معركةٍ حَسماً في التاريخ لأن عددَهم كان قليلاً جداً ولو هُزموا هنا، لأصبحوا أقلَّ مما هم عليه ولكان ذلك قد منح قريشاً فرصةً مثاليةً لاستئصال المسلمين تماماً فكيف كان حالُ العدو؟ في تلك المعركة قُتل من قريش سبعون رجلاً وأُسر سبعون آخرون فماذا كان سيُفعل بهم؟ وُضع شرطان "يعرض عليكم رسولُ الله ﷺ خيارين" "إما أن تفدوا أنفسكم بمالٍ لتنالوا الحرية" "وإما أن تعلّموا عشرةَ أطفالٍ من أهلِ المدينة القراءةَ والكتابة" ولا يُطلق سراحُهم إلا بهذه الشروط وهذا يدلّ على مدى تعظيم الإسلام للعلم والتعلّم وكان من بين الأسرى عمُّ النبي ﷺ العباس وقد كان يقاتل في صفِّ قريش وكغيره، كان عليه أن يعلّم عشرةَ أطفالٍ القراءةَ والكتابة أو يدفع فديةً لكنه قال لرسولِ الله ﷺ "لا مالَ لي" فقال له رسولُ الله ﷺ: "يا عباس، " "فأين المال الذي دفعتَه إلى أم الفضل حين خرجتَ من مكة" "حين سلّمتَه لها" "ولم يكن هناك أحدٌ إلا أنتما" فقلت لها: "لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا" "فإن حدث بي حدث" "فهذا القدرُ لكِ، وهذا للفَضل" "وهذا لعبد الله، وهذا لعبيد الله، وهذا لقُثَم" " اذن أين ذلك المال؟" لقد وقع الأمرُ كما وصفه النبي ﷺ تماماً فدُهش العباس وقال: "من أخبرك بهذا؟" "ف والله ما علم بهذا أحد غيري انا و أم الفضل" فقال النبي ﷺ: "أخبرني الله" وقبل تلك اللحظة لم يكن واضحاً هل أسلم العباس سرّاً أم لا كان لا يزال في نفسه تردّد لكن في ذلك اليوم، بعد أن شهد هذه الآية، أسلم "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمداً رسولُ الله" ثم رجع إلى مكة وكتم إيمانه ومن هناك كان يرسل الأخبار إلى النبي ﷺ سرّاً ويُعين المسلمين في بلده ومن الأسرى أيضاً سُهيلُ بنُ عمرو كان خطيباً مفوّهاً، وقد اشتدّ كلامُه على المسلمين في السابق وكان عمرُ رضي الله عنه يعرف سُهيلاً جيداً كان من وجوه قريش فلما رآه عمرُ بين الأسرى قال: "يا رسولَ الله، دعني أخلع ثنيّتَي هذا الرجل" "فلا يقوم عليك خطيباً أبداً" "فكان بكلامه يُحرّض قريشاً علينا" لكن نبيَّ الرحمة ﷺ أجاب بكلماتٍ لن يتجلّى معناها الكامل إلا بعد سنوات: "دعه يا عمر، فلعله يقوم" "مقاماً يسرك" وسيُسلم سُهيلٌ بعد ذلك وفي اليوم الذي تُوفي فيه رسول الله ﷺ حين غمر الحزنُ مكة سيلقي خطبةً تُسكّن القلوب وبينما كان الناس منهارين كأن دنياهم قد تهدّمت كانت كلماتُ سُهيل المطمئنة تبعث السكينة في الجمع وفي ذلك اليوم سيفهم عمرُ رضي الله عنه ما كان يعنيه النبي ﷺ وبهذا النصر أصبح المسلمون قوةً لا يمكن الاستهانة بها وبينما كان الفرحُ والاحتفاء في المدينة كانت مكة تغصّ بالحزن فقدت المدينة رجالَها الأهم في ساحة ذلك القتال وكان أبو لهب مريضاً قد اشتد به الهرم فلم يحتمل وقعَ هذا الخبر فمات بعد أسبوعٍ وهو يأكلُه الغيظُ والحزن وخوفاً من عدوى مرضه لم يقترب حتى أبناؤه من جثمانه مدةً من الزمن فلما اشتدّت الرائحة جرّوه أخيراً ودفنوه في مكانٍ ما وهكذا زال عدوٌّ آخر شديدٌ للإسلام كانت الأمورُ تمضي لصالح المسلمين وبعد أن قدّم المسلمون أربعةَ عشر شهيداً، عادوا من بدر لقد انتهت المعركةُ بنصرٍ ساحقٍ على قريش فامتلأ الجيشُ بفرحةِ الظفر لكن تلك الفرحةَ لم تدم طويلاً "يا رسولَ الله ﷺ، ابنتك رُقيّة" "قد توفيت" وحين وصل رسولُ الله ﷺ بلغه الخبرُ المفجع فتزلزل قلبُه حزناً لم يستطع حتى أن يراها في لحظاتها الأخيرة وقد قال رسولُ الله ﷺ يوماً: "أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء" "ثم الأمثل فالأمثل" "يُبتلى المرء على قدر دينه" ولم تكن هذه أول مرةٍ يذوق فيها ألمَ فقدِ ولد فقد كان قبل ذلك وارى ابنيه القاسم وعبدَ الله ثم ابنته الكبرى زينب كانت قد تزوّجت قبل الإسلام لكن زوجَها أبا العاص لم يكن قد أسلم بعد وفي يوم بدر كان أبو العاص أيضاً من الأسرى فأطلقه رسولُ الله ﷺ على شرط أن يبعث زينب إلى المدينة وكانت يومئذٍ حبلي لكن المشركين، وقد أعمتهم أحقادُ بعد بدر، أرادوا أذيتها فلما همّت بالخروج روّعوا بعيرها بعنف فسقطت زينب على صخرة فأسقطت جنينَها ووصلت إلى المدينة على تلك الحال فتلقّاها أبوها بحزنٍ عميق أيحزن النبي لفقدِ حفيده أم يحزن لألمِ ابنته؟ وقد ترك الإجهاضُ الذي أصاب زينب آثاراً باقيةً في صحتها وبعد سنواتٍ قليلة توفيت هي أيضاً إن فقْدَ طفلٍ واحدٍ ألمٌ لا يدركه حقَّ الإدراك إلا من ذاقه ومع ذلك صبر رسولُ الله ﷺ لا مرةً واحدة، بل ستَّ مرات ولم تكن الابتلاءاتُ التي واجهها مقتصرةً على فقد أحبته لقد أذن الله له أن يمرّ بهذه الابتلاءات الشديدة لحكمة فلو كانت حياتُه خاليةً من الحزن والمشقة فكيف يكون قدوةً لنا حقاً؟ وكيف يواسي ويهدي من يواجهون صعوبات الحياة ولأكثرَ من 1400 عام وجد كلُّ من ابتُلي من أمته السلوى و الصبر في سيرته كان كلُّ واحدٍ يرى ألمَه منعكساً في حياته ومن أعجبِ صفات النبي ﷺ أنه على الرغم من كل الشدائد التي مرّ بها كان لا يزال يبتسم كان يفتح قلبه لربه ويَبُثّ همومه، ويستعيذ به وكان يرى الخيرَ في كل شيء وينظر دائماً إلى الجانب المشرق وكان يُحسن الظنّ ويتفاءل وهكذا استطاع أن يترك أحزانَه وراءه وكان يلتفت إلى النِّعم الجديدة التي يبعثها الله إليه فيجد فيها السكينة ومن تلك النِّعم زواجُ ابنته الحبيبة فاطمة فمِن بين الناس جميعاً كانت فاطمة أشبهَ الناس برسولِ الله ﷺ وكانت ستتزوج علياً رضي الله عنه الذي ربّاه النبي ﷺ بنفسه وعلّمه منذ الصغر وكان النسبُ المبارك لرسولِ الله ﷺ سيستمرّ من فاطمة وعليٍّ رضي الله عنهما وبعرسٍ بسيطٍ متواضع، لا تكلّف فيه ولا مباهاة تأسس بيتٌ هادئٌ ملؤه المودة ورُزق ذلك البيت بطفلين جميلين: الحسن والحسين وأظهر النبي ﷺ لحفيديه حباً ورحمة لا نظير لهما كان رسولُ الله ﷺ يخطب بالناس فإذا به يلمح الحسنَ والحسين يتعثّران أمام الناس فنزل من المنبر، وحملهما، ثم عاد فصعد كان رسولُ الله ﷺ ساجداً في الصلاة فركب الحسنُ على ظهره فأطال السجود كي لا يقطع عليه لعبَه وكان يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" وكان يقبّلهما على رأسيهما وأعناقهما ويضمّهما إليه وكان هذا القدرُ من الحنان ولا سيما في ذلك الزمان، نادراً جداً ففي مرة رأى رجلٌ النبيَّ ﷺ يقبّل الحسن فقال: "أتقبّلون أبناءكم؟" "إن لي عشرةً من الولد، ما قبّلتُ واحداً منهم قط" فقال له رسولُ الله ﷺ: "من لا يَرحم لا يُرحم" ولم تكن رحمته لحفيديه فقط بل كانت رحمته لجميع الأطفال ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة قُدِّم له غلامٌ ابنُ اثنتي عشرة سنة يُقال له أنسُ بنُ مالك ليعينه في شؤون يومه فبنى رسولُ الله ﷺ في نفسه ثقةً عظيمة وربّاه بعنايةٍ ولطفٍ ومن خلاله قدّم رسولُ الله ﷺ مثالاً آخر جميلاً في تربية الاطفال وكان أنسٌ رضي الله عنه يقول فيما بعد: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أُفٍّ قط" "ولا قال لي لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟" "ولا لشيء تركته: لما تركته؟" خدم النبيَّ ﷺ وكان في كنفه عشر سنين ثم صار أنسٌ من أعلم الصحابة وأجلّهم قدراً وزوّج رسولُ الله ﷺ ابنته فاطمةَ من عليٍّ رضي الله عنه وكان معروفاً ممدوحاً بشجاعته وعلمه العميق وحكمته ابنته أمَّ كلثومٍ تزوجت من عثمانَ رضي الله عنه الذي كان يسمّيه "صاحبي في الجنة" وكان عثمانُ شديدَ الحياء حتى إن الملائكة كانت تستحيي منه وتُعجب بحيائه وكان من أجلّ الصحابة، وله شرفٌ فريد أنه صار صهراً للنبي ﷺ مرتين فزوّج رسولُ الله ﷺ زهرَتيه الحبيبتين من رجلين من أبرِّ أهل الأرض ولكن ماذا عن النبي ﷺ نفسه؟ هل تزوّج بعد خديجةَ رضي الله عنها؟ لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وجد مجتمعاً مسلماً كبيراً متنامياً وبالطبع، لم يكن المجتمع رجالاً فقط بل كان بين الصحابة نساءٌ كثيرات وكانت النساء أيضاً يردن أن يعشن الدين ويتعلمنه ولكن لم يكن لائقاً بالنبي ﷺ أن يكثر من مخالطة النساء مباشرةً ثم إنهن لم يكنّ يستطعن سؤالَه عن كل شيء بحرية فهو رجل، وهناك أمور تستحيي النساء من سؤالها فكنّ بحاجةٍ إلى نساءٍ يتعلمن منهن وكانت تلك النساء زوجاتُ النبي ﷺ اللواتي قمن بدور المعلمات لنساء الأمة فكنّ يسألن زوجاتِه عن أمور لا يستطعن سؤالَ النبي ﷺ عنها وكان الصحابة يقضون أيامهم يراقبون أقوال رسولِ الله ﷺ وأفعاله لكنهم لا يرون حياته في بيته، فكانت زوجاتُه هن اللاتي ينقلن للناس تلك الجوانب من حياته في مكة عاش رسولُ الله ﷺ نحو خمسة و عشرين سنة مع زوجةٍ واحدة لكن بعد الهجرة إلى المدينة عاش مع أكثر من زوجة وللأسف، حاول بعض أعداءِ الإسلام أن يطعنوا فيه وزعموا أنه تحرّكه الشهوة، معاذَ الله ولما لم يجدوا سبيلاً آخر للطعن في نبوّته التجؤوا إلى هذه الادعائات لكن سيرتَه في الحياة تُكذّب هذا الزعم كلياً ففي سن الخامسة والعشرين وقد كان مُعجباً به كثيرون في قومه تزوّج امرأةً في الأربعين من عمرها، امنا خديجةَ ولو أراد، لما كاد يوجد أحدٌ إلا و أراد ان يزوّجه ابنته ومع ذلك، إلى سن الخمسين لم يتزوّج غيرها والشهوةُ إنما تبلغ أشدَّها في الإنسان بين الخامسة عشرة والأربعين وفي تلك المدة نفسها عاش مع زوجةٍ واحدة وضرب أروع الأمثلة في العفّة والأخلاق ثم لم يبدأ حياةَ التعدد إلا بعد سن الخمسين وكان سبب ذلك تعليماً دينياً واضحاً فنصفُ الأمة من النساء، والنصفُ الآخر من الرجال تربّيهم النساء، فكان تعليمُ النساء المسلمات أمراً بالغ الأهمية ولهذا كان النبي ﷺ بحاجةٍ إلى زوجاتٍ ذواتِ قدراتٍ وصفاتٍ مختلفة لأن ما يقارب نصفَ ديننا تعلّمه الناسُ على أيدي زوجاتِ النبي ﷺ وكانت أعظمَهن أثراً أمُّنا عائشةُ رضي الله عنها كانت امرأةً فائقةَ الذكاء، عظيمةَ الكفاية وكان الصحابةُ إذا عرضت لهم مسألةٌ دينية لم يستطيعوا حلَّها أو فهمَها أتَوا إليها وسألوها من وراء حجاب ومن ذلك أن أبا موسى الأشعري وهو صحابيٌّ معروفٌ بعلمه بالقرآن والحديث، قال يوماً: "ما أشكل علينا حديثٌ قط" "فسألنا عنه عائشةَ رضي الله عنها" "إلا وجدنا عندها منه علماً" لقد سخّرت شبابَها وكلَّ قدراتها لتعلّم الإسلام على وجهٍ أعمق وبهذا، بقيت بعد وفاة النبي ﷺ منبعاً للعلم مدةَ ستٍ وأربعين سنة يرجع إليها الناسُ بأسئلتهم على الدوام والحقيقة أن هذا أمرٌ بالغُ الأهمية لنا فدينُنا له مصدران رئيسان أحدهما القرآن والآخر حياةُ النبي ﷺ وهَدْيُه، أي باختصار: سنّتُه فلو أردت أن تسأل عن رسولِ الله ﷺ وهو حيّ، لكان يمكنك أن تسأله مباشرة لكن ماذا بعد وفاته؟ لا بد أن ترجع إلى مَن عرفه على وجه الخصوص أقربِ الناس إليه، زوجاته اللواتي شهدن دقائقَ حياته كلَّها وكانت أمُّنا عائشةُ رضي الله عنها من أكثرِ سبعةٍ روايةً للحديث تخيّلوا: لو أن جميع زوجات النبي ﷺ تُوفين بعده بسنواتٍ قليلة، أما كان سيترك ذلك فراغاً عظيماً؟ والأعجب أن بعض الناس، كما قلنا سابقاً لما كان لرسول الله ﷺ أكثر من زوجة اتّهموه بالشهوة لكن هؤلاء لا ينظرون إلى حقيقةِ زيجاته كلها لقد تزوّج نساءً في الأربعينيات والخمسينيات من أعمارهن أراملَ يعشن مع أولادهن وبهذه الزيجات صار أباً لاثني عشر يتيماً وتحمّل مسؤولية رعايتهم واليوم يتردد الناس حتى في الزواج من أرملةٍ لها طفلٌ واحد وحتى إن تزوّجوا فكيف يؤدّون دور الأب؟ ومع ذلك، كان أولئك الأطفال الاثنا عشر ينظرون إلى النبي ﷺ بإعجابٍ وتوقير فهل يمكن، مع هذا المسؤولية العظيمة أن تكون زيجاته متعلقةً بالشهوة؟ سأترك لكم الأجابة فكيف كانت علاقة النبي ﷺ بزوجاته في هذه الزيجات كلها؟ ، أليس للزعيم أو الحاكم عشراتُ الأمور بل مئاتُها، ليتعامل معها؟ وكثيراً ما لا يجد وقتاً لكثيرٍ منها وخاصةً في شأنِ أهله فغالباً ما يضطر إلى تضحياتٍ كثيرة لكن رسولَ الله ﷺ كان يملك قدرةً مدهشة على إدارة الوقت تأملوا ذلك كانت التوترات السياسية مع مكة لا تنقطع وكان لا بدّ أن يكون دائماً على أهبة الاستعداد والحذر منها وفي الوقت نفسه، داخل المدينة نفسها كانت هناك عواملُ سياسيةٌ كثيرة تسعى لإثارة الفتن كاليهود و المنافقين وسنرى ذلك أوضح في الحلقات التالية وفي نفس الوقت، كان لا بدّ أن يراقب القبائل العربية الأخرى والدولَ المجاورة كذلك وفوق ذلك كله كان يؤمّ الناس في المسجد خمس مراتٍ في اليوم ويجيب عن أسئلة عشراتِ الصحابة ويعلّمهم وفي أوقات الحرب كان يقود الجيش وكان يقوم من الليل كلَّ ليلةٍ ليتهجد لله عاش حياةَ عبادةٍ لم يسبق لها أحدٌ طوالَ أربعةَ عشرَ قرناً صدقوني، كلما قلّبتم صفحات السيرة وجدتم هذه القائمة تزداد طولاً وكان عليه أن يقوم بكل هذه المسؤوليات على أكمل وجه وقد فعل ذلك حقاً فمع هذا الانشغال، كم تظنون يمكن أن يعطي زوجاته من وقته؟ لقد أعطاهن من الرعاية والاهتمام ما لم يبلغه أحدٌ طوال أربعةَ عشرَ قرناً ومع قائمةً لا تنتهي من الواجبات كيف كان يجد وقتاً ليُسابق عائشةَ بين حينٍ وآخر؟ وحين كانت صفيةُ تريد أن تركب بعيرها انحنى رسولُ الله ﷺ وقدّم ركبته لتكون لها درجةً تصعد عليها ومع كل ما يشغله كيف يخطر له هذا اللطفُ الدقيق؟ وفي مرةً غضبت أمُّنا عائشةُ رضي الله عنها على النبي ﷺ ورفعت صوتها فلما سمع أبوها أبو بكر ذلك من خارج البيت غضب وأراد أن يضربها فماذا فعل النبي ﷺ؟ منعه، وصرفه ثم قال لعائشة رضي الله عنها مازحاً: "كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟" أظهر صبراً ولطفاً لا يكاد يوجد في غيره لم يغضب ولم يرفع صوته، بل انه حتي جعل الأمر مزحة ومن جهةٍ، ترى رجالاً لا يستشيرون زوجاتهم قط حتى في أمورٍ تمسّهم ومن جهةٍ أخرى ترى رسولَ الله ﷺ يستشير زوجاته ويعمل برأيهن حتى في المواقف العظيمة كان يقول لزوجاته إنه يحبّهن وكان يثني على محاسنهن، ويقدّرهن، ويشعرهن بقيمتهن وهو يتلقى الوحي من الله، ويُحادث جبريل والملائكة تقف بين يديه تعظيماً كيف كان لا يزال يُحسن إلى زوجاته كلّهن هذا الإحسان؟ والجوابُ بسيط لأنه القدوةُ الحسنة التي بعثها الله فعبر التاريخ، كان كلُّ مشهورٍ قدوةً في صفة أو صفتين فقط أما رسول الله ﷺ فكان قدوةً كاملةً في كل صفاته في خُلُقه، وفي أدبه، وفي كل شأنه وهل تعلمون ما الأعجب؟ حتى في الصفات التي قلّما تجتمع في أعلى درجاتها كان هو فيها أيضاً أكملَ الناس ماذا أعني بذلك؟ فمثلاً، إذا كان الإنسان شديدَ الرحمة فقد ترى عنده ضعفاً في جانب العدل وإما إن كان شديدَ العدل قد ترى نقصاً في جانب الرحمة أما هو فقد جمع الكمالَ في الصفتين معاً وإذا كان الإنسان جريئاً شجاعاً فلا تتوقع منه غالباً أن يكون هادئاً رفيقاً عند الحاجة وإن كان هادئاً حليماً فغالباً لا تراه جريئاً عند موطن الجرأة لكن النبي ﷺ فاق الناس في الصفتين معاً وكذلك إذا كان المرء سريعَ المبادرة لا تتوقع منه أن يكون شديدَ التحفّظ وإذا كان شديدَ التحفّظ نادراً ما تراه يُقدم على الأفعال السريعة الجريئة لكن رسولَ الله ﷺ سبق الجميع في الأمرين أيضاً كان رجلَ سلام، ومع ذلك كان أشدَّ الناس بُغضاً للباطل في سبيل الله وكان شديدَ الاقتصاد في النفقة، ومع ذلك كان شديدَ السخاء وهكذا دواليك حين أجرى بديع الزمان سعيد النورسي هذه المقارنة وصف هذا الجانب من رسولِ الله ﷺ بأنه "معجزةُ المعجزات" وبعد أن ألقينا نظرةً على الحياة الأسرية وخُلُق رسولِ الله ﷺ فلننتقل إلى ما حدث بعد بدر إن كنتم تذكرون، كان من أعظم تحديات النبي ﷺ منْعَ وقوع الانقسام بين أهل المدينة وقد ذكرنا أيضاً أن القبائلَ اليهودية كانت ستُثير كثيراً من المشكلات في هذا الباب ولمنع النزاعات المحتملة والعيش معاً بسلام أعدّ النبي ﷺ بعد الهجرة وثيقةً للعهد وقد وافقوا عليها لكن بعد بدر بدأت التوتراتُ ترتفع بين قبائل يهود المدينة فقد أظهر نصرُ المسلمين الغيرةَ والحقد المستترين في قلوبهم فأخذوا ينشدون أشعاراً تسبّ النبي ﷺ والمسلمين وكانوا يسلكون طرقاً أخرى للاستفزاز أيضاً ثم تجاوزوا الحد ففي يومٍ من الأيام دخلت زوجةُ رجلٍ من المسلمين دكانَ صائغٍ كان يديره يهوديٌّ من بني قينقاع وقد غطّت وجهها حياءً وبينما كانت جالسةً هناك، بدأ بعضُ اليهود يؤذونها وحاولوا كشفَ وجهها فلما رفضت، جاء أحدُهم من خلفها فعلّق طرفاً من ثوبها بشوكة فلما قامت، انكشف ثوبُها فجأة فضحك اليهودُ ضحكاً قبيحاً على هذا الفعل المستقذر فصرخت المرأةُ المسلمة مذعورة فسمع صراخَها أحدُ الصحابة فاندفع إلى الدكان مسرعاً فوثب غضباً، وأمسك اليهوديَّ من عنقه وفي الاشتباك الذي وقع قتله ثم هجم بقيةُ اليهود على الصحابي وضربوه حتى مات فاستُشهد وسرعان ما بلغ خبرُ هذه الحادثة رسولَ الله ﷺ ومن غير إبطاء جمع رسولُ الله ﷺ بني قينقاع وخاطبهم فنهاهم بشدة عن إثارة الفتنة وعن سلوكهم المتكبر المسيء ثم دعاهم إلى الإسلام لكنهم بدل أن يسمعوا ويصلحوا حالهم ردّوا بكبرٍ وتعالٍ "يا محمد!" "لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال" "لسنا مثلهم" "نحن أهلُ قتال" "إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس" وبعد هذا التحدي الصريح انصرفوا لقد نقضوا عهدَ المدينة فجمع النبي ﷺ أصحابه فوراً وأمرهم أن يستعدّوا للقتال كان سيُجيبهم على تحدّيهم وسنرى هذا الموقف نفسه مراراً في السيرة فكلما حاول أحدٌ أن يرهب المسلمين أو يتحدّاهم مهما عظُم العدو ولو كان معه جيشٌ من مائةِ ألف لم يكن النبي ﷺ ليتراجع كان يواجههم بثباتٍ ويُظهر شجاعةَ المسلمين وقوتهم أتمّ الاستعدادات وسار إلى بني قينقاع وكان لهؤلاء اليهود حصنٌ قوي فلما سمعوا بمقدَم النبي ﷺ تحصّنوا فيه وكان لبني قينقاع نحو سبعمائة مقاتل، منهم ثلاثمائة دارع وقرروا أن يدافعوا عن أنفسهم من داخل حصنهم وبقوا فيه نحو خمسةَ عشرَ يوماً غير قادرين على الخروج ولما أدركوا أنهم لم يعودوا قادرين على الصمود أمام المسلمين غلبهم الخوف، فوافقوا على الاستسلام واستسلموا من غير قتال ومع أن النبي ﷺ كان يستطيع أن يأمر بقتلهم فقد عفا عنهم وأمهلهم ثلاثةَ أيام ليخرجوا من المدينة وهكذا أُجليت قبيلةُ بني قينقاع من المدينة عقوبةً لهم على نقض العهد وبينما كانت هذه الأحداث تجري في المدينة كان الوضع في مكة يزداد توتراً يوماً بعد يوم وبعد أن قُتل سادةُ قريش في بدر صار أبو سفيان زعيمَهم الجديد وكانت قريش تتقد ناراً شديدة للثأر وأقسم أبو سفيان أن ينتقم للهزيمة فاقترب من المدينة ومعه مائتا فارس واستقى معلوماتٍ عن المسلمين من بعض يهودها وفي موضعٍ يُقال له عُرَيْض قريباً من المدينة أحرق بيتين وعدة نخلات واستشهد مسلمان لكن لما بلغه أن مئتا مسلم يسيرون نحوه فرّ سريعاً وظن أبو سفيان بهذا الفعل أنه أخذ بثأره لكن قريشاً بالطبع لم تكن لتقف عند ذلك فالذين فقدوا أحبتهم في بدر كانت نارُ الغضب لا تزال تشتعل في صدورهم وأخيراً جاءت اللحظة المناسبة عادت القافلةُ التجارية الخاصة بهم فجمعوا أرباحَها في موضعٍ واحد وطلبوا العون من القبائل المجاورة ثم شرعوا يخططون للهجوم بعنايةٍ كبيرة وبدافع عطشِهم للثأر جمعت قريش جيشاً قوامُه ثلاثةُ آلاف كانت معركةٌ شرسة تلوح في الأفق فماذا سيحدث هذه المرة؟ غزوةُ أُحد التي وصفها النبي ﷺ بأنها "أحدُ أشدِّ يومين مررتُ بهما في حياتي" تنتظرنا في الحلقة القادمة ترقّبوا