Towards Eternity
العودة إلى المدونة

1 لا تكتفِ بالتلاوة، بل تواصل مع الله | حسّن صلاتك بسرّ الفاتحة - الحلقة

نُشر في

شاهد على يوتيوب

نحن نتلو سورة الفاتحة نحو أربعين مرة في اليوم ولكن لو سألتُك: هل تعرف معنى سورة الفاتحة؟ لرأيتَ أن أكثرنا سيتجنب النظر إليّ، صحيح؟ ولو أجرينا مقابلة في الشارع عن هذا الأمر لوجدنا، للأسف، أن معظم المسلمين لا يعرفون معنى سورة الفاتحة أليس ذلك أمراً غريباً؟ كيف للإنسانٍ أن يردد شيئاً أربعين مرة في اليوم ولا يعرف معناه؟ وربما نعرف ظاهرها فقط ولا ندرك معانيها العميقة تخيّل أن تكرر خريطة كنزٍ عشرات المرات لكنّك لا تحاول أبداً أن تحفر لتصل إلى الذهب هذا هو ما يحدث عندما نهمل المعنى هناك أسئلة ينبغي أن نسألها لأنفسنا إخوتى و أخواتى تذكّروا آخر صلاة أديتموها اليوم بماذا كنتم تفكرون أثناء الصلاة؟ ما الذي كان يدور في عقلكم وقلوبكم؟ لنكن صادقين، ربما لم يحدث الكثير توقفوا قليلاً وتخيلوا أنفسكم وأنتم تقفون بين يدي ملك الملوك شفاهكم تتحرك، لكن قلوبكم ساكنة نحن هنا لنقرّب تلك المسافة إن شاء الله المعاني التي سنخوض فيها عميقة وعذبة للغاية سننال منها فوائد عظيمة وسنستمتع بها حقاً اليوم وهذه ستكون سلسلة من المقاطع سورة الفاتحة، وسورة الناس، وسورة الفلق دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم سنخوض في المعاني العميقة لهذه السور والأدعية التي نرددها في الصلاة وسنحوّلها إلى سلسلة من المقاطع وهذه المشاعر لن تبقى محصورة في الدرس فقط بل سنحملها إلى صلاتنا وإن شاء الله سنحوّل صلاتنا تحوّلاً حقيقياً عندما نبدأ الصلاة ونقول "الحمد لله" سيكون هذا الدرس حاضراً في عقولنا وفي تأملاتنا وفكرنا وبعد مشاهدة هذا المقطع إن شاء الله لن نصلي كما كنا نصلي من قبل سيختلف طعم الصلاة وسيبدأ القلب بالشعور بكل كلمة على نحوٍ جديد وسيصبح كل ركوعٍ أطيب وكل سجودٍ كأنه عودة إلى الديار، إن شاء الله لنبدأ سورة الفاتحة واسمها الآخر: أمّ القرآن وما معنى ذلك؟ معناها: أصل القرآن لبّه وجوهره تتكون من سبع آيات فقط، لكنها تحمل رسالة القرآن ورد حديث في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأحد أصحابه: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن" "إلى أن قال له" "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" هذه أعظم سورة في القرآن وقد يكون معنى العظمة هنا ليس في كثرة الثواب فقط بل لأنها تحمل بين طياتها جوهر رسالة القرآن وفي حديث آخر ذُكر أربع مرات ان إبليس بكى وارتعد من شدة الألم و الخوف وكانت إحدى تلك اللحظات الأربع حين نزلت سورة الفاتحة فما سبب ذلك في رأيك؟ إنه أمر عظيم حقاً، فتأملوا ذلك إذا كانت سورة من سبع آيات فقط قد زلزلت الشيطان إلى هذا الحد فعلينا إذن أن نصغي جيداً إلى الحق الذي تحمله هذه السورة العظيمة سورة الفاتحة تتضمن دعاء من نوعٍ خاص فهي لا تروي حدثاً فحسب بل تتحدث عن أسماء الله وصفاته وهي مملوءة بالبركات وتحمل خصائص عظيمة كثيرة ما هي الجملة الأولى بعد البسملة؟ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ومعناها: الحمد والثناء والشكر كله لله ربّ العالمين فما هو معنى الحمد؟ أحياناً عندما يحدث لك أمرٌ طيب تشعر بالامتنان وتريد أن تمدح مَن فعل ذلك، صحيح؟ ذلك الشعور يُسمى "الحمد" وفي الآية، لمن يُنسب الحمد؟ ينسب الحمدلله لله رب العالمين تخيل أنك طفل من أسرة فقيرة جداً ولا تملك حتى طعاماً تأكله ثم يأتي شخص فيعتني بك ويعطيك طعاماً وشراباً، ويشتري لك ثياباً كيف سيكون شعورك؟ غالباً ستشعر بالامتنان، صحيح؟ وكأن في داخلك دَيناً معنوياً له ثم يستمر في عطائه ويقول: هذه السيارة وهذا البيت الجميل لك أحدث الهواتف، وكل ما كنت تحلم به تحقق في تلك اللحظة، تشعر بحاجةٍ قوية في أعماق قلبك لتقول: "شكراً لك" حتى لو قال لك: "لا داعي لأن تشكرني" يبقى الامتنان يغمر قلبك ولا تستطيع أن تلتزم الصمت كان النبي محمد ﷺ دائماً يقول: الحمد لله وكان في حالٍ من الشكر الدائم لله كان يقوم الليل يصلي التهجد حتى تورمت قدماه من طول القيام وسألتْه أمنا عائشة رضي الله عنها لماذا يعبد الله بهذا القدر؟ وسؤالها في غاية المنطق، صحيح؟ فالنبي ﷺ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلم يكن محتاجاً لكل هذا التعب صحيح أن صلاة التهجد كانت فريضة عليه لكن ليس عليه أن يصلي حتى تتورم قدماه فركعتان تكفيان فماذا أجاب النبي ﷺ عندما سُئل لماذا يعبد الله بهذا القدر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" ولم أفهم هذه الأجابة لسنوات طويلة لماذا كان النبي يصلي كثيراً رغم أنه لم يكن مضطراً لذلك؟ ثم فهمت لاحقاً كان في داخله شعور عميق بالامتنان امتنان لا يستطيع أن يكبته ولكي يهدّئ هذا الشعور أراد أن يقول "شكراً لك" من خلال الصلاة هذا هو "الحمد" فتذكر هذا المعنى عندما تقول في صلاتك: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ولنسأل أنفسنا : هل نحن كذلك في صلاتنا؟ منذ متى بدأت الصلاة؟ ربما منذ عشرين سنة وأنت تردد "الحمد لله رب العالمين" كل يوم لكن كم مرة شعرتَ فعلاً بذلك الامتنان العميق؟ ذلك الاتصال القلبي الحقيقي مع الله؟ أحياناً عندما يحدث أمر طيب جداً أو تتجاوز محنة شديدة يظهر ذلك الشعور فتقول: يا الله أحمدك يا الله ، يا الله أشكرك لكن عندما تستقر الحياة مرة أخرى و تعود الحياة إلى روتينها المعتاد نتوقف عن ملاحظة النعم من حولنا وننسى الشكر تأمل في أيام الإسلام الأولى الصحابة رضي الله عنهم ورسول الله ﷺ كانت حياتهم صعبة ومع ذلك كان فيهم من الحمد ما يفوقنا أضعافاً فبينما كان النبي ﷺ يصلي وضعوا على كتفيه أمعاء حيوان من الصعب حتى أن يُوصف المشهد حاول أن تتخيل الرائحة كانت رائحة كريهة قوية لدرجة أن التنفس صار صعباً طوال حياته ﷺ مرّ بابتلاء بعد آخر وامتلأت حياته بالآلام ومع ذلك أظهر من الحمد ما لا يمكن لنا ان نتصوره بينما نحن لا نجد سبباً واحداً لنقول "الحمد لله" لا نرى الحاجة لذلك ربما المشكلة الحقيقية في طريقة تفكيرنا لو أن قلوبنا وعقولنا تُبنى على القرآن وننشغل بمثل هذه المعاني فعندها حتى لو ساءت الحياة سنظل نشعر بالرضا ونقول "الحمد لله" هذا هو السرّ الذي يجلب السعادة الحقيقية في هذه الدنيا وفى الآخرة فلنسأل أنفسنا الآن: هل لدينا فعلاً أسباب لنشكر الله؟ أم أننا نُضخّم الأمور فقط؟ يوجد في اللسان نحو ثمانية آلاف مستقبل للتذوق وكل بلد لها مطبخها الخاص، وكل مطبخٍ يحتوي على مئات النكهات واللسان يستطيع تذوقها جميعاً وله القدرة على الإحساس بكل طعم منها ومع ذلك فهو مجرد قطعة صغيرة من اللحم أو اغمض عينيك وحاول أن تمضي يوماً كاملاً دون أن تفتحهما حينها ستدرك عِظَم نعمة البصر حتى رمشة العين نعمة عظيمة تحمي عينيك من الغبار والجراثيم والجفاف وكل رمشة تجدد الصورة على شبكية العين لتُظهر لعقلك مشهداً ثابتاً وواضحاً من دون اهتزاز أو انقطاع ونحن في حاجة ماسة لهذه العملية حتى إن الله جعلها تتم من غير إرادتنا فعيناك ترمشان تلقائياً بالقدر الذي تحتاجه بالضبط ومثال آخر التثبيت أو التوازن البصري هل أستطيع أن أطلب منك شيئاً يا رمضان؟ فقط ارفع الكاميرا وابدأ بالتحرك للأمام بسرعة والآن عد إلى الخلف انظر الآن، الصورة لا تبقى ثابتة كما تفعل عيناك، صحيح؟ إنها ليست كعينيك، ولماذا ؟ لأن الله منح عينيك هذه القدرة العجيبة قبل أن نعرف كيف تعمل خاصية تثبيت الصورة في الكاميرا لم نكن ندرك أصلاً ما هي هذه النعمة العظيمة أنت تتحرك، تجري لكن الشيء الذي تنظر إليه يبقى ثابتاً خلق ربنا في عقولنا نظاماً بديعاً يجعلنا نرى الأشياء ثابتة رغم الحركة لنواصل، الأن أم النعم أنت مسلم، أي نعمة أعظم من ذلك؟ لقد خلق الله نِعماً لا تُحصى حتى إن بعض الناس يعبدون النعمة نفسها لماذا يعبدون البقر؟ ولماذا يعبدون الشمس؟ لأنهم ينتفعون منها كثيراً، ويرون فيها نِعماً عظيمة حتى انتهى بهم الأمر إلى عبادتها لما وجدوه فيها من منفعة أعنى رغم أنهم أساؤوا الفهم إلا أني أذكر هذا لنتأمل كيف وصل الناس إلى ذلك الحد هناك آية أحبها كثيراً، في سورة إبراهيم من الآية الثانية والثلاثين إلى الرابعة والثلاثين "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" "وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً" "فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ" "وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ" "وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ" "وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ" "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" "وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ" "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" "إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" سبحان الله ماذا كانت الجملة الأولى في الفاتحة؟ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" كل الحمد، وكل الثناء، لله رب العالمين فماذا نتذكر حين نقول "رب العالمين"؟ ما الذي يخطر في بالك عندما تسمع كلمة "ربّ"؟ هو الذي يربّي ويهدي وينشئ ويُصلح هذا هو معنى الربّ فحين تسمع كلمة ربّ، تذكّر هذا المعنى الربّ هو الذي يُحوِّل خلقه من حالٍ إلى حال فكّر في بذرة تفاحة صغيرة ماذا يجعلها الله؟ شجرة، والربّ هو من يرعاها وينمّيها ثم تُخرج ثمرة، لكنها لم تنضج بعد فتتغير شيئاً فشيئاً حتى تحمرّ وهذا كله من رعاية الله لها ومثال آخر، كنت نطفة صغيرة، ثم أصبحت جنيناً، ثم وُلدت طفلاً ثم وقفت وبدأت تمشي، وصرت شاباً وتغيّر جسدك شيئاً فشيئاً وربّك يُحوّلك من مرحلةٍ إلى أخرى ثم تصير بالغاً، ثم تشيخ، ثم تموت وتبدأ رحلتك إلى الآخرة الأبدية وربّك لا يزال يرعاك في كل مرحلة الآن تأمل الكون كله، دقيقه وجليله من الذرات إلى المجرّات فكّر في كل ما فيه فكر في الفضاء الممتد بلا نهاية وفكّر في الله، ربّ كل ذلك الذي يُغيّر خلقه جميعاً من حالٍ إلى حال تأمل الآن في الفضاء ومجرة درب التبانة إنها مجرد مجرة واحدة في هذا الكون العظيم تخيل أننا نسافر عبر الفضاء بسرعة ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية وهي سرعة الضوء، صحيح؟ ولنا مركبة تسير بتلك السرعة وتقول: "سأصل إلى حافة مجرة درب التبانة" لاحظ، نحن لا نتحدث عن الكون كله بل عن طرف المجرة فقط وبعد مئة ألف سنة، نصل إلى حافتها فعندما نقول "الكون" أو "العوالم" فإن الفضاء نفسه مجرد عالمٍ واحد منها وفيه آلاف، بل ملايين العوالم الأخرى والله هو ربّها جميعاً، ربّ العالمين فلا تحصر معنى "العالمين" في عالمٍ واحد تخيل عالم الأسماك ومملكة الحيوانات، ومملكة النبات، وعالم الإنسان كلها عوالم قائمة بذاتها بل يمكنك أن تعتبر كل إنسانٍ عالماً مستقلاً بذاته ثم هناك آلاف أو ملايين العوالم في الفضاء وربّ واحدٌ يملكها جميعاً ويُدبّر أمر كل هذه العوالم وما فيها ونحن نقف بين يدي هذا الربّ العظيم القدير ونقرأ سورة الفاتحة في داخلي شعور بالسعادة لمجرد أن أستطيع شكر إلهٍ كهذا هناك كلمة في هذه الآية: "لله" الحمد لله رب العالمين فما الكلمة التي تعبّر عن معنى "الملكية" أو "الانتماء" هنا؟ إنها اللام في قوله "لله" وهي مهمة جداً فلمن يَرجع الحمد؟ هل يرجع لأصحاب القوة أو الزعماء؟ لا، بل لله وحده، ولماذا؟ لأنه لا شيء حولنا إلا وقد خلقه الله فكيف يمكننا أن نعطي الحمد لغيره؟ بما أن الله هو خالق كل شيء، ما نراه وما لا نراه ما نعلمه وما لا نعلمه فكل الحمد وكل الثناء له وحده ولا يُصرف شيء منه لغيره فالله هو الذي أوجد كل المخلوقات من العدم وهكذا نكون قد فهمنا قوله تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ما يعني ذلك؟ يعني أي أن كل الحمد والثناء والشكر لله، ربّ جميع العوالم فما الآية التي تليها؟ "الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ" كثير الرحمة، دائم الرحمة إذا كيف نربطها بالآية التي قبلها؟ لقد قلنا للتو: ربّ العالمين أي أن الله هو الذي يربّينا وأنه هو الذى يغيّرنا من حالة إلى حالة اخري ويعتني بنا في كل مرحلة لكن ماذا لو كان ذلك التغيير في صورةٍ لا نحبها؟ كمصيبةٍ تقع علينا لتعلّمنا وتنضجنا فجاء بعدها قوله: "الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ" لا تخف أبداً، فهو رحيمٌ بك ورحمته ليست أعظم من رحمة الأم بملايين المرات فقط بل هي أعظم من ذلك بكثير، لا نهاية لها فماذا حدث هنا؟ كلمة "ربّ العالمين" جعلتنا نشعر بالخوف وأثارت فينا إحساساً كأننا نقول: "هل سيحدث لي شيء يا ربّ العالمين؟" لكن يأتي بعدها قوله: لا تخف فالذي يُغيّرك من حالٍ إلى حال هو رحيم بك غاية الرحمة يحبك حباً عظيماً مملوء باللطف والشفقة عليك فحتى لو مررت بما لا تحبه فإن وراءه رحمة مخبوءة انت لا تعلمها بعد وهنا يأتي السؤال الذي يتعجب منه كثير من الناس "ولكن ما الفرق الحقيقي" "بين الرحمن والرحيم؟" أليسا بمعنى واحد؟ يشرح علماء التفسير ذلك على النحو الآتي: الرحمن هي رحمة الله العامة التي تشمل جميع الخلق حتى النعم التي يعطيها الله للكافرين في الدنيا هي من آثار هذه الرحمة أما الرحيم فهي رحمته الخاصة التي يختصّ بها عباده المؤمنين وهي الرحمة التي تقود إلى الجنة فمثلاً، حين ينزل المطر هل ينزل على المؤمنين فقط؟ لا، فالكفار ينتفعون به أيضاً والشمس تشرق عليهم كذلك وهذا من آثار اسم الله الرحمن أما دخول الجنة فمختصّ بالمؤمنين فقط وهذا من آثار اسم الله الرحيم حسناً والآن ننتقل إلى الآية التالية فكل آية في الفاتحة متصلة بالأخرى "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" أي: "هو مالك يوم الجزاء والحساب" ومن قوله "يوم الدين" نفهم أنه يوم المحاسبة والجزاء فما الآية التي قبلها؟ هنا نرى الترابط العظيم بينها " الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ" ..

كثير الرحمة و دائم الرحمة كثرت الأحاديث النبوية التي تصف رحمة الله وحين نقرأها نشعر بسكينة عميقة في قلوبنا ونقول لأنفسنا: "بالتأكيد سندخل الجنة" ويبدأ الإنسان يشعر بالاطمئنان ونشعر بالارتياح حتى إن بعض الناس يقولون: "نحن لا نصلي ولكن الله رحيم" "رحمته واسعة" ويُريحون أنفسهم بهذا الكلام "الله سيغفر لنا على كل حال" "سنتوب لاحقاً" "ولن نُعذَّب في جهنم على الأرجح" إذاً ما الأية التى تأتي بعد "الرحمن الرحيم"؟ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" مالك يوم الجزاء والحساب فماذا حدث هنا؟ هنا يبدأ الله يُوقظنا من الغفلة كأننا بدأنا نسترخي مع "الرحمن الرحيم" وفجأة تأتي "مالك يوم الدين" فتذكّرنا بيوم الحساب والنتائج وكأن الله يقول لنا: "استيقظ" فيضعنا بين جناحين: الخوف والرجاء وهذا هو منهج الإسلام الذي علينا ان نعيش به أن تعيش بين الخوف والرجاء هذه عقلية المسلم "هل سأدخل الجنة؟" إن شاء الله، أرجو ذلك "وهل يمكن أن أدخل النار؟" نعم، فيجب أن أكون حذراً فنعيش دائماً بين الخوف والرجاء فمن الخطأ أن نقول: "أنا بالتأكيد سأدخل جهنم" "لقد انتهيت، حياتي فوضى" "ذنوبي كثيرة، أنا هالك" ينبغي ألا نفكر بهذه الطريقة اليائسة ومن الخطأ أيضاً أن نقول: "أكيد سأدخل الجنة" فذلك أمنٌ كاذب وغرور أيها الإخوة والأخوات، فلنكن على حذر فسنُحاسب على كل ما عملناه فجاءت الآية "مالك يوم الدين" لتعيدنا إلى التوازن انظر إلى حكمة هذا الدين العظيم لا يتركك تغرق في الغفلة ولا يتركك تتيه في اليأس تأمل الآن في واقع العالم انظر إلى الظالمين في الأرض تأمل أولئك الذين يظلمون الناس في فلسطين قتلوا آلاف الأطفال قرأت مؤخراً تقريراً في صحيفة "واشنطن بوست" سردت فيه أسماء ثمانية عشر ألفاً وخمسمائة طفلٍ قُتلوا في غزة وروت قصصهم واحداً واحداً وأنت تتصفح الصفحة تشعر أنها لا تنتهي آلاف الأطفال، وأعمارهم مكتوبة: "ثلاث سنوات، أربع، خمس، وهكذا" وبعضهم كُتب عنده: "قُتل قبل أن يتم عامه الأول" ومن بين نحو ستين ألف قتيل كان واحد وثلاثون في المئة منهم أطفالاً وتأمل في الذين يملكون السلطة في الغرب يبدو أنهم المتحكمون بالأمر يأمرون فيُطاعون يقول "أطلقوا الصواريخ" فيُنفَّذ الأمر فوراً لكن الآية تقول إن هناك مالكاً واحداً حقيقياً ليوم الدين في ذلك اليوم ستتسع الأعين من الفزع ويرى الظالمون من هو الملك الحقيقي "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" الذين يسيرون اليوم في الأرض متكبرين سيطأطئون رؤوسهم غداً الظالمون الذين يظنون أنفسهم أعظم من الناس سيتذللون ويتوسلون وسيتوسلون لمن ظلموهم لن تنفعهم أموالهم ولا أسلحتهم فهذه الدنيا دار اختبار ولذلك لا يتدخل الله دائماً لإيقاف الظلم فوراً لكن في يوم القيامة سيدرك كل إنسان يقيناً من هو مالك يوم الدين شاهدت بعض مقاطع الفيديو من فلسطين طفل ينظر إلى جسد أمه الشهيدة كانت في حالة يُرثى لها وبينما الطفل ينظر إليها كنت أتساءل: ما الذي كان يدور في خاطره؟ هل كان يأمل أن تعود أمه إلى الحياة؟ وفي مقطع آخر، رجل يزيح الأنقاض بيديه فسأله المصور: "ماذا تفعل؟" قال: "كان لي ثلاثة أطفال" "أبحث عن أجسادهم" كان يبكي وينادي بأسمائهم: "صفية، صفية، صفية" يصرخ من بين الركام وأولئك الذين يفعلون هذا والذين يوافقون عليه أو يصمتون عنه تظنون أنكم المتحكمون؟ لا أحد يستطيع أن يقول لكم لا؟ لكن المالك الحقيقي ليوم الدين هو الله وحده وفي ذلك اليوم لن تملكوا شيئاً ولن تسيطروا على من ظلمتموهم ولو بأدنى قدر كبائر ذنوبكم حتى صغائر ذنوبكم ستُعرض كلها أمامكم ونحن على يقينٍ تام بذلك فاليوم الذي يُنصف فيه المظلوم سيكون أشدّ ب100 مرة علي الظالم وذلك اليوم هو يوم القيامة ذلك اليوم لا يملكه إلا الله فما الآية التي تليها؟ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أي: "نعبدك وحدك، ولا نستعين إلا بك" هل لاحظت شيئاً بعد أول ثلاث آيات؟ بدأنا نتحدث بصيغة الخطاب المباشر "إياك" في البداية كنا نتعرف على أسماء الله وصفاته الحمد لله رب العالمين تعلمنا أن الحمد كله لله رب كل العوالم ثم الرحمن الرحيم ذو الرحمة اللامتناهية ثم مالك يوم الدين المالك الحقيقي ليوم الجزاء حتي هذه اللحظة كنا نقول "هو"، اما من هذه الآية فإننا نقول "أنت" إياك أنت نعبد وإياك نستعين وهذا تعبير عن القرب والإخلاص فما معنى "نستعين"؟ أي نطلب المساعدة ولا يعني ذلك أن نترك العمل أو اننا لا نذهب إلى المدرسة ..

اذهب إلى عملك و مدرستك اطرق ابواب الرزق لكن تذكّر أن الرازق الحقيقي ليس صاحب العمل الذي بخلف الباب بل الله نعم، راتبك يأتيك من مديرك لكن اعتقادك يجب أن يكون: الله هو الذي رزقني وأنا لا أطلب العون إلا منه الآن نحن نطلب العون و المساعدة من الله، ولكن على ماذا؟ على العبادة مثلاً فنقول: يا الله، أعني على ذكرك و شكرك وحسن عبادتك لأن نفسي وشيطاني و كل المغريات حولي تحاول أن تبعدني عنك ولذلك أطلب منك العون أو خذ مثالاً آخر: يقول بعض الناس: "يا رجل، لا يمكن أن تعيش بلا ربا في هذا الزمان" فيستثمرون أموالهم في الربا وينتظرون أن تنمو منها الأرباح لكن لا، نحن نعبد الله وحده، ونطلب العون من الله وحده أما أنت فقد تعلّق قلبك بالمال وجعلته في موضعٍ أعلى من الله فيمَ أيضاً نطلب العون من الله وحده؟ في المصاعب والابتلاءات التي نمر بها في حياتنا في تلك الأمور التي لا نرغب أن تحدث ونواجه اختبارات تحرق قلوبنا فنقول: يا الله، قلبي موجوع صدري يضيق أريد أن أخرج من هذه الكآبة ومن هذا الصراع يا الله، نطلب العون منك وحدك وهذا ما نقوله في سورة الفاتحة حين نقول إياك نعبد وإياك نستعين هل سمعت من قبل عن تأملات العالم بديع الزمان عن حرف النون؟ أعني الحرف العربي (ن) ذات يوم، أثناء صلاته، لاحظ بديع الزمان حكمة في هذا الحرف في آية إياك نعبد وإياك نستعين فسأل نفسه: لماذا نقول "نعبد" لا "أعبد"؟ فألقى الله في قلبه إلهاماً جميلاً وانفتح له باب من التفكر نظر حوله إلى الناس في المسجد فرآهم جميعاً يقولون نفس الكلمات: يا الله، نعبدك وحدك ونستعين بك وحدك فشعر كأنهم جميعاً يقولون "آمين" لدعائه بمجرد وجودهم هناك ثم تعمّق تأمله أكثر تخيّل المدينة كلها تقول هذه الآية في الوقت نفسه، بنفس الطريقة ثم اتّسعت الدائرة أكثر في خياله ففكر في الصفوف الدائرية حول الكعبة صفاً بعد صفّ يمتدّ في أرجاء الأرض والكعبة في المركز وكل الأمة الإسلامية تقول في صلاتها نفس الحقيقة: إياك نعبد وإياك نستعين لهذا نحن نقول "نعبد" لا "أعبد" ذلك الحرف الواحد، النون، فتح باباً عظيماً للتأمل ينقلنا من عبادة الفرد إلى دعاء الأمة كلها معاً ثم بدأ يتأمل في جسده وأعضائه كيف خُلقَت بدقةٍ وإتقان وكيف تشهد بعظمة الله وكيف تُسبّح صنع الله بمجرد وجودها ثم قال: إياك نعبد وإياك نستعين وكأنه جمع كل ذرات جسده حوله فكل ذرة تقول: إياك نعبد وإياك نستعين ثم فكر في الكون وكيف ان كل شيء في الكون يعكس أسماء الله وصفاته ومن هذا التأمل تخيّل نفسه داخل هذا الكون وقال: إياك نعبد وإياك نستعين يا له من معنى عميقٍ ومهيب، صحيح؟ إنه يذكّرنا أن النون ليس مجرد حرف بل جسرٌ روحيّ يربط كل مؤمنٍ بكل ذرة تسبّح الله أيها الإخوة والأخوات حين تقرؤون هذه الآية في صلاتكم اعلموا أن أصواتكم تمتزج في نسيجٍ كوني واسع من الحمد والشكر لله والآن وصلنا إلى الآية التالية اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أي: يا الله، اهدنا إلى الطريق القويم فما الذي يخطر ببالك حين تسمع هذا الدعاء؟ انظر حولك كم ترى من عقائد وأديان ومذاهب مختلفة؟ حدثني رجلٌ جاء من الهند بشيء غريب أثناء مشيه في الهند رأى جمعاً من الناس قرابة مئتين شخص يسيرون في اتجاه واحد وفي وسطهم رجل عارٍ تماماً وكلهم يتبعونه لماذا؟ لأنه بالنسبة لهم رجلٌ مقدس مختار ومميّز فهناك آلاف العقائد كهذه وأنواع لا تُحصى من المعتقدات بل حتى هناك من يعبد الشمس أفكار ومذاهب متباينة في كل مكان ومع كل هذه الطرق المختلفة يشعر الإنسان كأنه يقول: يا الله، هناك الكثير من الطرق و الكثير من الأفكار أرجوك أهدني إلى الصراط المستقيم وليس الأمر مقتصراً على الدين فقط بل يشمل حياتنا كلها ففي حياتنا مفترقات كثيرة هل أختار هذا أم ذاك؟ هل أجعل ابني يتعلم في هذا المجال أم شيئاً اخر ؟ الحياة مليئة بالقرارات ربما نتخذ آلاف القرارات في العام الواحد لكننا لا نعلم حقاً هل تقودنا هذه الخيارات إلى الصواب أم إلى طريق الضلال لهذا نقول في الآية التالية: اهدنا الصراط المستقيم يا الله، دلّني على الطريق القويم وما هو هذا الطريق ؟ هو الطريق الذي لا يميل يميناً ولا يساراً بل يمضي مستقيماً نحو الغاية قد يكون طريقٌ آخر مسدوداً وآخر يوصل بعد معاناة لكن هناك طريق مستقيم واحد وهذا ما نطلبه من الله يا له من دعاء جميل صحيح ؟ في بداية السورة عرفنا من هو الله وتعلّمنا صفاته العُليا وعرفنا من الذي نصلي له ثم ختمنا بدعاءٍ بديعٍ جامع يجعلك ترغب في تكراره مراراً وقد جعلنا الله نقول هذا الدعاء أربعين مرة في اليوم في سورة الفاتحة، الحمد لله فما الآية التالية؟ "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" أي: طريق الذين أنعمتَ عليهم لا طريق الذين غضبتَ عليهم ولا طريق الذين ضلّوا عن سبيلك في الآية السابقة قلنا: اهدنا الصراط المستقيم فما هو هذا الصراط؟ الآية التالية تجيب: صراط الذين أنعمتَ عليهم ومن ليسوا كذلك؟ غير الذين غضبت عليهم ولا الذين ضلوا عن سبيلك فهذه الآية توضح لنا ليس فقط ما نطلبه بل أيضا ما علينا ان نحذر منه ففي كل مرة نقرأ سورة الفاتحة نحن في الواقع نقوم بالدعاء لأنفسنا يا الله، دلّنا على طريق الذين أنعمتَ عليهم ومن هم هؤلاء الذين أنعمتَ عليهم؟ يُبيّن الله ذلك في سورة النساء، الآية 69 "وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ" "فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم" "مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ" "وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقاً" فحين نسير على نهج هؤلاء الصالحين نكون بالفعل على الصراط المستقيم فلنقرأ الآن على مهل السورة مرة أخرى وسيكون للمعنى هذه المرة أثر أعمق في قلوبنا فقط حاول أن تتذكر المعاني التي تعلّمناها بسم الله الرحمن الرحيم تخيل قولك: الحمد لله ..الحمد لك يا الله "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" "الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ" "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" "وَلَا الضَّالِّينَ" وهكذا تكتمل سورة الفاتحة وسنواصل إن شاء الله هذه السلسلة ومع كل درس سنتقدم في الفهم والإدراك وإن شاء الله سنرتقي بصلاتنا إلى مستوى أعمق من الخشوع والتأمل وسنواصل الحديث عن السور التي نقرأها يومياً في الصلاة حتى تصل معانيها إلى قلوبنا فقد علّمنا النبي ﷺ أن العبادة مع العلم أعظم أجراً من العبادة بلا علم وسورة الفاتحة كانت البداية فقط وبعدها سنتناول سورة الفلق وسورة الناس المعروفتان بأثريهما في الحماية والوقاية وبعد ذلك سوف نتحدث عن دعاء الاستفتاح سبحانك اللهم وما فيه من معان جميلة وعميقة وإن شاء الله، بعد أن نكمل هذه السلسلة نسأل الله أن يمنّ علينا جميعاً بصلاة عامرة بالخشوع والإيمان