قتلتُ محمدًا ! - كواليس غزوة أحد - تصوير الذكاء الاصطناعي - يا رسول الله | الحلقة 7
نُشر في
كان المسلمون على بُعد خطوات من النصر "أنا أسدُ الله!" لكن خطأً واحداً حاسماً قلب كلَّ شيء رأساً على عقب وجد المجاهدون أنفسهم فجأةً محاصَرين من الأمام والخلف معاً عالقين بين هجومين عنيفين في يوم أُحُد، ذلك اليوم الذي امتلأ بالابتلاءات والمشقة انتشرت الفوضى والذعر في صفوف جيش المسلمين وأصبح الصحابة في حيرةٍ تامة، لا يدرون ماذا يفعلون فهل سيجدون مخرجاً من هذا الفخ القاتل؟ وحين كان النصر قريباً إلى هذا الحد كيف آلت الأمور إلى هذا المصير؟ فلنعد إلى البداية، ولنرَ كيف جرت الأحداث هذه السلسلة المرئية تعتمد على مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثوقة وقد أُعِدَّت جميع مشاهد الذكاء الاصطناعي بالتشاور مع علماء مسلمين مؤهَّلين و متوافقة مع الضوابط الإسلامية بعد مقتل عددٍ كبيرٍ من كبار رجال مكة أصبح
أبو سفيان زعيم قريش الجديد وكان كلُّ من حوله يضغط عليه للأخذ بالثأر ومن جهةٍ أخرى، فإن سمعة قبيلته كانت قد تضرّرت بشدة بسبب هزيمة بدر فلم يستطيعوا تقبُّل ذلك، ولم يقدروا على نسيانه حتى العبيد الذين كانوا يعملون لديهم من قبل صاروا الآن يتحدَّون سادتهم السابقين علانيةً وكان كلُّ ذلك لا يُطاق عند قريش فاجتمع بعض سادتهم مثل جبير بن مطعم، وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وطرحوا اقتراحاً "إنَّ محمداً قد قتل خيارَنا وأشرافَنا" "والآن آن لنا أن نأخذ بثأرِنا" "نعم، فلنَرُدَّ رأسَ مالِ العير إلى أهلها" "ونجعلُ ربحَها عُدَّةً لحرب المسلمين" فوافق الجميع على الخطة فباعوا البضائع، وحوَّلوها إلى أموال واستخدموا الأرباح في تمويل الاستعدادات للحرب وبذل الجميع، ولا سيما الذين فقدوا أحبتهم في بدر كلَّ جهدهم
استعداداً لمعركةٍ أخرى وقد أخبر العباس عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم رسولَ الله بما كان يجري في مكة فعَلِم أن جيشاً قوامه ثلاثة آلاف رجل يستعدُّ للمسير إلى المدينة فلما سمع رسول الله ﷺ ذلك، جمع أصحابه واستشارهم في الأمر وكان رأيه صلى الله عليه وسلم أن تُدافَع المدينة من داخلها لكن مشورة أصحابه كانت من سُنَّته حتى في اللحظات المصيرية كهذه فلم يُرِد أن ينفرد بالقرار بل أراد أن يسمع ما يراه أصحابه أيضاً وخلال ذلك الاجتماع، برز رأيان أساسيان فقد أراد صغار الصحابة أن يخرجوا لملاقاة العدو في قتالٍ مكشوف كما حدث في بدر، وكان حمزة أيضاً مؤيداً لهذا الرأي وفي الوقت نفسه، فإن الذين لم يشهدوا بدر كانوا يشعرون أنهم قد فاتهم شرفٌ عظيم ولذلك أرادوا هم أيضاً القتال في الميدان المفتوح وكان من الصحابة الذين
أيدوا هذا الرأي خيثمة فقبل بدر، كان هو وابنه سعد قد اقترعا ليحددا أيهما يخرج إلى ساحة القتال فوقعت القرعة على ابنه، فكان سعد من شهداء بدر وأما الآن، فقد اشتد شوق خيثمة إلى الشهادة فجاء إلى رسول الله وقال: "يا رسولَ الله" "إني لأرجو" "أن ينصرَنا اللهُ عز وجل على قريشٍ نصراً مبيناً" "وإن كان الآخرُ، وهو الشهادة" "فقد فاتني شرفُها يوم بدر" "وناله ابني سعدٌ دوني" "وقد اشتدَّ شوقي أن أكون معه في الجنة" "وقد كبرتُ، وأتمنى أن ألقى ربي شهيداً" "فلا تحرمني هذا" "وادعُ الله أن يرزقني الشهادةَ فألحق بابني سعدٍ في الجنة" لقد كانوا يهرعون إلى الموت الذي يفرُّ منه سائر الناس ويُعرضون عن الدنيا التي يتمسك بها غيرهم بكلتا يديه شوقاً إلى دار الآخرة الخالدة أما رسول الله ﷺ وأصحابه الأكثر خبرةً فكانوا يرون
الدفاع عن المدينة من داخلها لكن بعد الشورى، اختارت الأغلبية مواجهة العدو في قتالٍ مكشوف وهكذا اخذ رسول الله برأي الأغلبية وقرّر القتال خارج المدينة وبعد أن أمَّ الناس في صلاة الجمعة خطب رسول الله ﷺ في أصحابه مبيِّناً لهم كيف يستعدون للجهاد، وقال: "لا تتثاقلوا عن الجهاد؛ فإن في ذلك ضعفاً" "وإن صبرتم وثابرتم، جاءكم نصرُ الله" "فاصبروا واثبتوا" وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على هاتين الخصلتين على وجه الخصوص فكل كلمةٍ نطق بها كانت مقصودةً ومليئةً بالمعنى وسرعان ما كان سيقع في ساحة المعركة حدثٌ عظيم يُغيِّر مجرى القتال ويفتح باباً لابتلاءاتٍ كثيرة وهناك تحديداً ستكون الحاجة ماسَّة إلى الصبر والثبات ثم بعد أن أمَّ الناس في صلاة العصر دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته فلبس درعه وتقلد سيفه وفي
هذه الأثناء، تحدَّث سعد بن معاذ وأُسيد بن حُضير إلى المسلمين الذين كانوا مجتمعين في الخارج، "إن كان رسولُ الله ﷺ لا يرى الخروج" "فقد ألححتم عليه حتى خرج" "وهو يُؤتَى الأمرَ من السماء" "فدعوا الأمرَ له، وامضوا لما يأمر به" هذه الكلمات غيَّرت آراء الذين كانوا يريدون مواجهة العدو خارج المدينة، حتى إن بعضهم بدأ يشعر بالندم فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لابساً درعه وحاملاً سيفه، قالوا: "يا رسول الله ﷺ، لا نريد شيئاً تكرهه" "إن رأيت أن تقيم بالمدينة فافعل" "فإنما خرجنا على رأيك" فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لَأْمَتَه" "أن يضعها حتى يقاتل" "أو يحكمَ الله بينه وبين عدوِّه" ثم خرج رسول الله بجيشه حتى نزل بالشيخين ثم مضى إلى أُحد وكان فيهم أيضاً منافقو
المدينة الذين كانوا يبحثون عن كل سبيلٍ لإضعاف وحدة المسلمين وكسر عزيمتهم وهل تذكَّرون زعيمهم، عبد الله بن أُبيِّ بن سلول ذلك الرجل الذي لم يفتأ يكيد لرسول الله حسداً وبغضا وقد كان يُضمِر خطة خبيثة كان يزعم أنه يؤمن بالله ورسوله ولم يكن في قلبه أثرٌ من إيمان لقد سار معهم إلى ذلك الموضع، ولكن منذ البداية كان متردداً وخائفاً ثم فجأةً وقف وصاح: "لقد أخذ محمدٌ برأي أحداثٍ لا خبرة لهم، وترك رأيي!" "يا قوم!" "ما ندري" "علام نقتل أنفسنا هاهنا وقد ترك رأينا" ثم انصرف معه فجأةً نحو ثلاثمائة رجل من قومه ومن المنافقين الذين كانوا يساندونه فعادوا إلى المدينة معه وبهذه الخيانة، تقلَّص جيش المسلمين إلى سبعمائة رجل فقط أي إلى ربع جيش قريش وكان الله عز وجل، من وجهٍ ما يبتلي المسلمين بابتلاء أُحُد ليُميِّز
الصادقين في إيمانهم من غيرهم وقد كشف ذلك لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: "وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ" "فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ" "وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا" ولم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن جيشه قد صار أقل عدداً بل واصل السير مع أصحابه الباقين غير أنه، في الوقت نفسه كان غارقاً في التفكير بسبب رؤيا رآها فما هذه الرؤيا؟ لقد حدَّث بها أصحابه، فقال: "رأيتُ في سيفي ثُلْمَةً" "فأوَّلتُها رجلاً يُصاب من المؤمنين" "يوم أُحُد" "ثم ضربته مرةً أخرى فعاد كما كان، سليماً مستقيماً" "ورأيتُ أني أدخلتُ يدي في دِرعٍ حصينة" "فأوَّلتُها المدينة" ووصلوا إلى أُحُد في وقتٍ متأخر من الليل فنظر النبي صلى الله عليه وسلم بعنايةٍ في أرض المعركة واختار
أكثر المواضع الاستراتيجيةً لينزل فيها المسلمون وكان أمامهم جيشٌ يفوقهم بأربعة أضعاف، وفيه نحو مائتي فارس ولذلك كان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطط لكل حركةٍ بدقةٍ بالغة فوضع خمسين من الرماة المهرة على جبل عينين فلو أن فرسان العدو هاجموا من تلك الجهة لأمكن أن يقع المسلمون بسهولةٍ بين قوتين ولهذا كان حراسةُ الجبل في غاية الأهمية فإن ترك الرماة مواقعهم استطاع العدو أن يكسب الأفضلية سريعاً وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة أمراً واضحاً: "إن رأيتمونا هزمنا القوم" "فلا تبرحوا مكانكم حتى آذن لكم أو أرسل إليكم" "وإن رأيتم العدو قد غلبنا، فلا تتركوا مكانكم قائلين" "لنذهب فنُعينهم" وبعد أن كرّر هذه التعليمات عليهم مراراً قال لهم صلى الله عليه و سلم: "وإن رأيتمونا تُخَطَّفُنا الطير" "فلا
تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم" ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه في موضعٍ استراتيجي، ، وجبل أُحُد خلفهم وكان سبب ذلك واضحاً فإذا هاجم العدو، كان الجبل وراءهم ساتراً لهم وإن هاجم المسلمون كان ذلك أيسر لهروب العدو وقد وُضِعت هذه الخطة لتحقيق النصر بأقل خسارةٍ ممكنة من الجانبين وفي أحد المواقف، رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً وسأل أصحابه: من يأخذ هذا السيف مني ؟ فتشوَّق كثيرٌ من الصحابة إلى أخذه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرة: "من يأخذ هذا السيف بحقِّه؟" أي: من يقوم بحقه كما ينبغي فناداه صوتٌ قائلاً: "وما حقُّه يا رسول الله؟" وكان ذلك أبا دجانة وهو رجلٌ من الأنصار عُرف بالشجاعة والإقدام فقال رسول الله: "حقُّه أن تضرب به العدو" "حتى ينحني أو ينكسر" "أنا آخذه بحقِّه يا
رسول الله" فأخذ السيف والآن أصبح الجيشان يرى بعضُهما بعضاً وكان كلٌّ منهما قد اصطفَّ في صفوف القتال، لقد حانت اللحظة ولمَّا لم يعد الانتظار ممكناً اندفع الفريقان أخيراً إلى القتال وبدأ الاشتباك بسرعةٍ خاطفة وانطلق المجاهدون، وهم يتوقون للقتال في سبيل الله إلى المعركة بشجاعةٍ عظيمة وقد حان الوقت لأبي دجانة أن يفي بوعده "أنا آخذه بحقِّه!" فاندفع في صفوف العدو بسرعةٍ مذهلة، يضرب بسيفه بقوةٍ لا تُقاوَم وكان مع كل ضربةٍ يصرع من يقف في طريقه ويواصل التقدم بخطواتٍ ثابتة وفي تلك الأثناء، كان حمزة رضي الله عنه يهتف: "أنا أسدُ الله!" وهو يندفع في صفوف العدو بلا خوف، يضرب يميناً وشمالاً وفي ذلك الوقت، كان خالد بن الوليد، وكان يومئذٍ في صفِّ قريش يقف خلف جبل عينين ومعه مائتا فارس وكان جيش قريش يتعرض
لغلبة المسلمين فأراد أن يدخل القتال ليُعينهم وكان بين الحين والآخر يحاول عبور الجبل لكن الرماة الذين وضعهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعوه يمر لكنه ظل ينتظر، ويراقب بعنايةٍ اللحظةَ المناسبة للانقضاض وكان جيش المسلمين يقاتل بكل ما أوتي من قوة ويُظهر عزيمةً وشجاعةً مدهشتين ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى لم يعد جيش المشركين قادراً على الثبات فبدأ يفرُّ مذعوراً وكانت نساء قريش، بالدفوف والإنشاد يحاولن استدعاء الجنود الفارِّين للعودة لكن القلوب التي خلت من الإيمان لم تُغنِ معها تلك المحاولات شيئاً فقد فرُّوا لينجوا بأنفسهم ولكن، ما المصيبة التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياه؟ لقد كانت الأمور كلها تسير في صالح المسلمين حتى وقع أمرٌ لم يكن في الحسبان إطلاقاً فلما رأى الرماة الذين على الجبل
المشركين يتراجعون ظنوا أن المعركة قد انتهت وأن مهمتهم قد انتهت معها وكان فيهم عبد الله بن جبير فذكَّرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال "أنسيتم عهدَ رسولِ اللهِ إليكم؟" "ألم يأمركم ألا تبرحوا مكانكم؟" ولكن على الرغم من تحذيره، فإن أكثرهم تركوا جبل عينين إلا قليلا، وذهبوا ليجمعوا الغنائم ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدّد على الصبر والثبات بعينيهما "اهجموا!" وفي تلك اللحظة نفسها، رأى خالد بن الوليد الذي كان لا يزال ينتظر خلف عينين ، الفرصةَ سانحةً، فتحرك فوراً ومعه مائتا فارس فقتلوا الصحابة العشرة الذين بقوا على الجبل وهاجموا جيش المسلمين من الخلف فلما رأى جيش قريش ذلك، عادوا إلى القتال وفجأةً وجد المسلمون أنفسهم محاصَرين من الجهتين وكانت لحظةً صادمةً ومفجعةً للمسلمين ولكن، هل
تعلمون ما الأمر الأكثر إدهاشاً في هذه الحادثة؟ إلى يومنا هذا، لا أحد يعلم من هم أولئك الأربعون صحابياً الذين تركوا الجبل فلا يعرف أحدٌ أسماءهم قط، إلا من كان حاضراً يومئذٍ ولماذا؟ لأن أحداً لم يكن ينبغي له أن يلومهم فقد كان بعض الناس وهم دون أولئك الصحابة منزلةً بكثير ربما حكموا عليهم بقسوة، وتناسوا فضائلهم وتضحياتهم وكل خصالهم الكريمة وفوق ذلك، فإن كشف زلَّةِ أحدٍ أو ذِكره بما يكره ولو كان حقّاً، فإن هذا الشيء يعتبر غِيبة وهو إثم ولهذا لم يُفشِ الصحابة عن أسمائهم أبداً لقد تعلَّموا هذا الخُلُق الرفيع والأدب الجميل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تلك هي المرحلة الثانية من غزوة أُحُد كانت تلك هي اللحظات التي ابتُلِيَ فيها المسلمون ببعض أشدِّ الابتلاءات في حياتهم وقد أُخِذ المجاهدون على
حين غِرَّة، وأصابهم ذهولٌ تام فلم يتمكنوا من لَمِّ شتات أنفسهم واضطروا إلى التفرُّق في أرجاء ساحة القتال ورغم كل ذلك الذعر بقي نحو عشرةٍ إلى خمسة عشر صحابياً إلى جوار رسول الله ثبتت هذه الفئة القليلة في مواقعها وقاتلت بكل ما تملك وكانوا يلقون بأنفسهم أمام النبي ﷺ ليَحُولوا بينه وبين وابل السهام والرماح وضربات السيوف الآتية من جهة العدو ثم في خِضَمِّ ذلك الاضطراب، أصاب حجرٌ رماه المشركون وجهَ رسول الله المبارك فكسر رباعيته اليمنى وشجَّ آخرُ جبهتَه، وشقَّ شفتَه السفلى ثم ضربه كافرٌ يُدعى عبد الله بن قَمِئَة بسيفه فكَسَر المِغفرَ الذي كان على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت حلقتان من حلقه الحديدية في وجهه الشريف فغطَّت الدماء وجهَ رسول الله ﷺ فجعل يمسح الدم بيده ويقول: "كيف يُفلِح قومٌ"
"شَجُّوا وجهَ نبيِّهم بالدم" "وهو يدعوهم إلى الله؟" وفي الجهة الأخرى، كان حمزة رضي الله عنه ثابتاً في مكانه، يصدُّ هجمات المشركين بكل ما أوتي من قوة وكان صامداً، يواجه العدو وجهاً لوجه، ويتحداهم بلا خوف ومنذ بداية المعركة كان هناك من يراقب حمزة عن كثب ينتظر اللحظة المناسبة لقتله وهو وَحشي، غلام جبير بن مطعم وكان عمُّ جبير قد قُتل يوم بدر فأراد الثأر، فاختار وَحشياً على وجه الخصوص، وقال له: "اخرج مع الجيش، فإن قتلتَ حمزة عمَّ محمد" "بعمِّي طُعيمة بن عدي، فأنت حرٌّ" وكانت هناك أيضاً امرأةٌ تريد الثأر من حمزة، وهي هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان فقد قُتل أبوها وعمُّها وأخوها جميعاً يوم بدر فحملت في قلبها حقداً شديداً على حمزة وأقسمت أن تأكل من كبده ووعدت وَحشياً بحُلِيِّها مكافأةً له ولتحقيق كل هذه
الرغبات في الانتقام أُرسِل وَحشي إلى ساحة المعركة ليقتل حمزة وكان حمزة يعلم أنه سيقاتل حتى آخر لحظة فبإيمانه، وشجاعته، وتوكله الراسخ على الله ثبت في وجه العدو وفي أثناء ذلك، كان وَحشي يطوف حول حمزة طويلاً وهو يحمل حربته لكن الاقتراب منه كان أمراً مستحيلاً فقد كان أسد الله يُلقي الرعب في قلوب أعدائه بشجاعته الفريدة وقوته التي لا تُجارى "أنا أسدُ الله!" وبينما كان حمزة يضرب المشركين بسيفه كان وَحشي مختبئاً خلف صخرة وكان بارعاً في الرمي بالحربة فانتظر اللحظة المثلى لينقضَّ فاغتنم الفرصة، ورمى حربته، فاخترقت صدر ذلك الصحابي الجليل وفي ذلك اليوم المفجع من يوم أُحُد، استُشهِد حمزة ولم يتوقف وَحشي عند هذا الحد فليُرضي هنداً زوجة أبي سفيان، شقَّ صدر حمزة واستخرج كبده، ثم جاء به إليها وقد أعمتها
رغبتها في الانتقام فأخذت من كبد ذلك الشهيد الكريم قطعةً ومضغتها لكن حتى ذلك لم يكن كافياً لإطفاء غيظها فذهبت إلى جسد حمزة رضي الله عنه ومثَّلت به تمثيلاً مروِّعاً؛ فقطعت أنفه وأذنيه لتتخذ منهما أساور وخلاخيل لنفسها وكان الصحابة، وهم لا يزالون تحت وقع الصدمة لفقد حمزة رضي الله عنه قد نزل بهم خبرٌ آخر مدمِّر "لقد قتلتُ محمداً!" فلما سمع الصحابة ذلك جمدوا في أماكنهم، لا يدرون ماذا يفعلون حتى إن بعضهم فكَّر في الرجوع إلى المدينة "أحقّاً استُشهِد رسول الله؟" وبينما هم واقفون في حيرتهم، دوَّى صوتٌ قويٌّ يقول: "ما يجلسكم؟" وكان ذلك أنس بن النضر "ماذا نصنع؟" "قُتل رسول الله ﷺ" "إن كان محمدٌ قد قُتل" "فإن ربَّ محمدٍ لم يُقتَل" "ثم ماذا تصنعون بالحياة بعد موت النبي؟" "قوموا فقاتلوا، وموتوا على ما مات
عليه" ثم اندفع، من غير لحظة تردد، مباشرةً إلى صفوف العدو وفي ذلك اليوم، وهو يفيض حبّاً لرسول الله ﷺ لقي أنسٌ ربَّه شهيداً وقد تمزق جسده تمزقاً حتى إن أخته لم تستطع أن تعرفه بعد المعركة إلا ببنانه وتشجَّع الصحابة بكلمات أنس، فاستجمعوا أنفسهم من جديد وأرادوا أن يتحققوا: هل استُشهِد رسول الله حقّاً؟ فأخذوا يبحثون عنه في كل مكان فماذا كان قد حدث في الحقيقة؟ وأين كان النبي صلى الله عليه وسلم؟ في ذلك الوقت، كان رسول الله قد سقط في حفرة قد حفرها المشركون لكن جراحه كانت قد أنهكته، فلم يكن به قوةٌ ليخرج منها وأخيراً، عثر عليه نفرٌ من الصحابة فأعانوه على الخروج من الحفرة لكن من يكون الرجل الذي صاح ابنُ قَمِئَة "بأنه قتله ؟ كان مُصعب بن عمير وكان شديد الشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تبدأ
المعركة، كان قد لبس بُردةَ رسول الله ﷺ وكان يحمل راية جيش المسلمين وفي أثناء القتال، واجه ابنَ قَمِئَة وقاتله ببسالة فضرب ابنُ قَمِئَة يدَ مُصعب التي كانت تحمل الراية فقطعها بضربةٍ واحدة وكان مُصعب يرى راية الإسلام أعظمَ قدراً من حياته نفسها فأخذها بيده الأخرى حتى لا تسقط ثم ضربه مرةً أخرى، فقطع يده الثانية ورغم الألم الذي لا يُحتمل ضمَّ مُصعب الراية إلى صدره بعضُدَيه محاولاً أن يُبقيها مرفوعة لكن حين ضربه ابنُ قَمِئَة الضربة الأخيرة، استُشهِد لقد قاتل مُصعب بن عمير، الذي علَّم أهل المدينة الإسلام بشجاعةٍ عظيمة يوم أُحُد وبذل روحه في سبيل الراية التي كرَّس لها حياته وبالنسبة إليه، فقد انتهى وقت السعي، وبدأ الآن وقت الجزاء وإنما صاح ابنُ قَمِئَة بتلك الكلمات لأنه ظنَّ أن مُصعباً هو رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثم لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ قليلٌ من أصحابه إلى غارٍ صغير وكان أمام النبي صلى الله عليه وسلم خياران لا ثالث لهما فإما أن يلتزم الصمت وإما أن يحاول جمع جيشه الذي تفرَّق لكن لفعل ذلك عليه أن يرفع صوته فإن فعل ذلك، سمعه المشركون وجاؤوا إليه ليقتلوه فعرَّض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسَه للخطر واختار الخيار الثاني فنادى بأعلى صوته، وجمع أصحابه مرةً أخرى فلما أدرك المشركون أن رسول الله لا يزال حيّاً أعادوا تجمُّعهم فوراً وأمطروا المسلمين بالسهام من كل جانب وكانوا يريدون أن يحسموا الأمر نهائياً بضربةٍ أخيرة لكن الصحابة القلائل الذين كانوا حول رسول الله ﷺ حموه بأجسادهم وكانوا مستعدين لبذل أرواحهم فداءً له وكانت هناك أيضاً صحابيةٌ أخرى ممّن قال عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيما بعد: "ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً يوم أُحُدٍ إلا وأنا أراها تقاتل دوني" وكانت تلك هي السيدة نُسيبة فقد كانت تدافع عن رسول الله ﷺ بشجاعةٍ خارقة وتقاتل العدو بكل ما تملك ومع زوجها وابنيها ظلت قريبةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أُصيبت يومئذٍ بنحو ثلاث عشر جرح واستغرق شفاؤها قرابة عامٍ كامل رضي الله عنها وفي ذلك اليوم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي من النبال كثيراً حتى انكسر قوسه وكان سعد بن أبي وقاص إلى جواره يرمي سهماً بعد سهمٍ حمايةً له وظل يرمي حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقلها لغيره: "ارمِ، فداك أبي وأمي" ولما أدرك المشركون انهم لن يستطيعوا فعل أكثر من ذلك رأوا أن أفضل سبيلٍ لتجنُّب هزيمةٍ أخرى هو الانسحاب فتراجعوا عن ساحة القتال وهم في
شعورٍ من الكِبر والغرور وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنهِكَ من شدة الجراح والتعب حتى إنه لم يعد يقدر على المشي وحده فاستند إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسار ببطءٍ نحو المنحدر الصخري في الشِّعب الذي احتمى فيه المسلمون وكان يريد أن يستريح هناك، ويستعيد شيئاً من قوته وبعد أن مشى قليلاً، ذهبت حتى تلك القوة اليسيرة فقد كان الدرعان اللذان عليه قد أثقلاه كثيرا فعندئذٍ جثا طلحة بن عبيد الله، وقال: "هلمَّ يا رسول الله" "اركب على ظهري" "فإني جَلْدٌ" ثم حمل النبي صلى الله عليه وسلم على ظهره وصعد به إلى الصخور وكان جيش قريش يتراجع ببطءٍ عن ساحة المعركة وبعد أن دار قائدهم أبو سفيان حول أرض المعركة مرةً صعد على تلٍّ قريب، ثم نادى: "أفي القوم محمد؟" فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه: "لا
تجيبوه" ثم كرر أبو سفيان السؤال ثلاث مرات، فلم يجبه أحد "أفي القوم ابن أبي قُحافة؟" وكان يعني أبا بكر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلزموا الصمت "أفي القوم ابن الخطاب؟" وكان يعني عمر رضي الله عنه ومع ذلك، لم يأذن النبي لأحدٍ أن يجيبه "إن هؤلاء قُتلوا" وهنا لم يملك عمر رضي الله عنه أن يحبس نفسه "كذبتَ يا عدوَّ الله!" "والله، إنها لكذبة" "إن الذي ذكرتَ لأحياءٌ كلُّهم!" فلما سمع أبو سفيان صوتَ عمر علم أنهم لم يقتلوا "إذن فأنتم الثلاثة أحياء؟" "نعم!" "هذا ببدر" "يومٌ بيوم بدر" "الحربُ سِجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ علينا" "وقد كان اليوم ثأراً لبدر" "أبداً!" "ليسوا سواء!" "قتلانا في الجنة" "وقتلاكم في النار!" "لا يستويان أبداً، يا عدوَّ الله!" "موعدُنا معكم العام المقبل في بدر!" "رسولُ اللهِ ﷺ
قد رضي بذلك" "هو بيننا وبينكم موعد، إن شاء الله" ثم غادر أبو سفيان وهكذا انتهت المعركة وبالنسبة لمجاهدي الإسلام، فقد حان الآن وقت الراحة ومداواة الجراح، ودفن الشهداء تخيَّل نفسك هناك للحظة حاوِل أن تتصوَّر ذلك المشهد كم من الصحابة قد سقطوا أصدقاؤك الذين تقاسمتَ معهم ذكرياتٍ لا تُحصى وإخوانك الذين شاركتَهم لحظات الفرح والحزن ها هم الآن مُلقَون أمامك على الأرض شهداء وكلما سرتَ بينهم، وتعرَّفتَ إلى وجهٍ بعد وجه ازداد قلبك انكساراً بعضهم قد تمزَّق حتى تعذَّر التعرُّف إليه وتتهاطل الذكريات في ذهنك ألمٌ لا تصفه الكلمات وفي تلك اللحظة، لا يخفف عنك إلا إيمانك الراسخ بأنك ستلقاهم مرةً أخرى في دارٍ خالدة في موطننا الحقيقي، الجنة، إن شاء الله دارٌ بعيدةٌ عن كل حزنٍ وألم، دار لا فراق فيها بعد ذلك أبداً
ولولا الإيمان بالآخرة لكان الألم الذي ستشعر به في تلك اللحظة لا يُحتمل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يعلم ما الذي جرى لحمزة بين الشهداء فأرسل صحابياً يُدعى الحارث ليبحث عنه فلما وجد حمزة رضي الله عنه صُدِم ولم يدرِ كيف يمكنه أن يُخبِر النبي صلى الله عليه وسلم بما يراه فجلس وانفجر باكياً ولما لم يرجع الحارث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه في أثره فلما جاء عليٌّ ورأى حمزة رضي الله عنه انهار هو أيضاً باكياً كيف له أن يصف ذلك المشهد لرسول الله ﷺ؟ وبعد أن تماسك قليلاً، عاد فقد كان لا يريد أن يرى رسول الله حمزةَ على تلك الحال لكن النبي صلى الله عليه وسلم أصرَّ فسار إلى الموضع الذي استُشهِد فيه حمزة فلما رآه، قال: "يا حمزة، يا عمَّ رسول الله" "يا حمزة، يا أسدَ الله
وأسدَ رسوله" "يا حمزة، يا فاعلَ الخيرات" "يا حمزة، يا ذابَّاً عن رسول الله" "رحمك الله" لقد كان حمزة دوماً ثابتاً في وجه المشركين يُلقي الرعب في قلوبهم في ساحة القتال وكان دائماً يدافع عن ابن أخيه في وجه أذى أبي جهل أتذكرون يوم أسلم؟ وكيف امتلأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحاً بذلك؟ لقد كان المسلمون يستمدون منه القوة دوما وأما الآن، فقد استُشهِد واحترق قلب رسول الله ﷺ من شدة الحزن حتى سالت الدموع من عينيه الشريفتين وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي هناك لمدة طويلة وغلبته مشاعره البشرية، فقال: "والله لَأُمَثِّلَنَّ بثلاثين منهم" لكن بعد ذلك نزلت الآية السادسة والعشرون بعد المائة من سورة النحل، زاجرةً ومنبِّهة: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ" "وَلَئِن
صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ" فحُفِرَت القبور، وأُدِّيَت صلاة الجنازة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادفنوا الشهداء في مصارعهم" ورأى بين الشهداء مُصعب بن عمير حاملَ لواء الجيش وأولَ معلِّمٍ للإسلام في المدينة ولما تذكَّر رسول الله ﷺ أيامَ مُصعب الماضية امتلأ قلبه بحزنٍ عميق فلم يكن هناك ما يُكَفَّن فيه عند دفنه لم يكن عليه إلا بُردةٌ واحدة فإذا غطى الصحابة بها رأسه، بدت رجلاه وإذا غطوا رجليه، بدا رأسه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: "غطُّوا بها رأسَه، واجعلوا على رجليه من الإذخر" لقد كان مُصعب في يومٍ من الأيام شاباً يعيش في ثراءٍ ونعيم لكنه ترك ذلك كله في سبيل الله وهاجر إلى المدينة والآن، لم يكن يملك حتى ما يكفي لستر جسده لقد ضحَّى بكل شيءٍ في سبيل دين الله
وبذل كل ما كان يملكه وقد بلغوا الآن منزلة الشهادة التي اشتاقوا إليها دائماً وأما الذين بقوا أحياء، مجروحين مُنهَكين فقد بدأوا رحلتهم عائدين إلى المدينة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً: "المجاهدُ من جاهد نفسَه في طاعةِ الله" والآن كان الجهاد الأكبر على وشك أن يبدأ بالنسبة لهم فسرعان ما كان إيمان الصحابة ووفاؤهم سيُختبر من جديد وفي هذه الأثناء، كانت مشكلةٌ أخرى تتصاعد في المدينة فقد بدأ يهود بني النضير يهددون أمن المدينة وكانوا يدبِّرون للمسلمين في الخفاء لكن فعلتهم الأخيرة من الخيانة ستكون القشَّة التي قصمت ظهر البعير فما هذه المؤامرة؟ وكيف سيتعامل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "حتى يقضيَ اللهُ لنا بالفتح" "لن تكونَ لهم علينا مثلُها" كانت هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه
وسلم عزاءً رقيقاً وسلوىً تهدِّئ القلوب التي لا تزال تنزف بعد أُحُد وقد خلَّفت الهزيمة في أُحُد كثيراً من نساء المسلمين أرامل وفقدت الكثير من الأمهاتٌ أبناءهن وبقي كثير من الأطفال بلا آباء وكانوا جميعاً يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخفف آلامهم ويُسكِّن قلوبهم، ويجبر خواطرهم وكان لكل واحدٍ منهم نوعٌ مختلف من الفقد فمنهم من فقد زوجَه، ومن فقد أباه، ومن فقد ابنَه ومع ذلك، خرجت من أفواههم جميعاً الكلمات نفسها: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله" وكان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال مشغولاً فقد ظل يفكر في احتمال أن تعود قريش فتهاجم المدينة وكانت المدينة مضطربةً بعد الهزيمة وكان لا بد من رفع هذا الشعور عنها وكان لا بد للمسلمين أن يُظهِروا أن شجاعتهم وقوتهم ما زالت حيَّة وفي صباح اليوم
التالي مباشرةً بعد العودة من أُحُد أمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر ودعا بلالاً رضي الله عنه وأمره أن يُنادي بهذا الإعلان: "إنَّ رسولَ الله ﷺ يأمركم بطلبِ عدوِّكم" "ولا يخرج معنا إلا من شهد أُحُداً بالأمس" "لا يخرج إلا من حضر القتال!" وكان أكثر الصحابة قد شهدوا المعركة لكن الصحابة كانوا جرحى وكان رسول الله أيضاً جريحاً وكان الجميع متعبين مستنزَفين ولم يمضِ إلا وقتٌ يسير منذ عودتهم من أُحُد ومع ذلك، فلما دعاهم رسول الله مجدداً لم يتردد واحدٌ منهم وكان في الصحابة أخوان وكان كلاهما جريحاً جرحاً شديداً لكن حبَّهما للجهاد أنساهما آلامهما فخرجا مرةً أخرى فإذا عجز أحدهما عن المشي، حمله الآخر على ظهره واستمرا في سيرهما على هذه الحال وكان من بين الصحابة الذين أثخنتهم الجراح أُسيد بن
حُضير فقد كانت به سبعُ جراح غائرة لا تزال تؤلمه وكان ينبغي له أن يستريح ويعتني بجرحه لكن لما سمع أمر رسول الله ترك تضميد جراحه، وانضمَّ إلى الجيش ثم دخل رسول الله المسجد فصلَّى ركعتين ثم لبس درعه، ووضع المِغفر على رأسه ولم يكن يُرى منه إلا عيناه وعلى هذه الحال، تولى قيادة جيشه وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة رجالٍ أمامه ليتحرَّوا خبرَ العدو فتخلَّف أحدهم من شدة الإعياء ومضى الآخران حتى وجدا جيش قريش وكما توقَّع النبي صلى الله عليه وسلم كان الكفار يتهيَّؤون للمسير على المسلمين فأُمسِكَ بالرجلين المستطلعين، واستُشهِدا هناك ثم وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع حمراء الأسد، ونزل فيه ثم أمر الصحابة أن يجمعوا حطباً لليل فلما أقبل الظلام، أُوقدت مئاتُ النيران في أنحاء المعسكر وكان
مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرهب العدو وأن يُوهمهم أن المسلمين قد اجتمع لهم جيشٌ عظيم وهذا ما حدث بالفعل فأُضرِمت قرابةُ خمسمائةِ نارٍ في أرجاء المعسكر فأوقعت الرعب في قلوب المشركين ففرُّوا مذعورين ولم يكن جيش قريش يُرى له أثر ولم يبقَ إلا رجلٌ واحد كان قد غلبه النوم وكان ذلك أبا عِزَّة، الشاعر الذي أُسِر يوم بدر فقد كان بشعره يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويهجو المسلمين، ويؤذيهم أذىً شديداً و قد وعد ألا يعود إلى ذلك مجدداً فأُطلِق بلا فداء يوم بدر لكنه نكث وعده، وجاء إلى أُحُد وبقصائده، ظل يُحرِّض قريشاً على المسلمين ويهجوهم "لن أفعلها مجدداً!" "أعدك لن أكررها!" لكن الجواب الذي تلقَّاه من رسول الله ﷺ كان حازماً فاصلاً "لا يُلدغ المؤمن من جُحرٍ مرتين" "والله لا أدعك ترجع إلى مكة"
"ثم تمسح عارضيك وتقول" "خدعتُ محمداً مرتين وسخرتُ منه" ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فضُرِبَت عنقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال في حمراء الأسد حين جاءه معبد بن أبي معبد من خزاعة وكان يسكن ناحية تهامة ومع أنه لم يكن قد أسلم بعد فقد كان صادقاً مخلصاً لرسول الله "يا محمدُ، لقد ساءنا ما أصابكم يوم أُحُد" "ونسألُ اللهَ أن يمنحك العافية، ويصرف عنك كيد عدوِّك" وبهذه الكلمات، حاول أن يُواسي النبي صلى الله عليه وسلم وكان يريد أن ينفع المسلمين بشيء ثم مضى في طريقه وهو يحمل هذا القصد وفي موضعٍ يُقال له الروحاء مرَّ على قريش وهم في مجلسٍ يتشاورون وكانوا قد اجتمعوا ليستأنفوا المسير على المسلمين "لقد قتلنا من أصحابِ محمدٍ خيارَهم وأشدَّهم" "لكنّا لم نستأصلْ شأفتَهم" "فكيف نرجعُ إلى
مكةَ على هذا؟" "لا بُدَّ أن نلحقَ ببقيتهم فنُجهِزَ عليهم!" فلما رأى أبو سفيان، زعيم قريش، معبداً، سأله: "يا معبد!" "ما وراءَك؟ وما الخبرُ عندك؟" "لقد خرج محمدٌ وأصحابُه في طلبِكم" "في جمعٍ لم يُرَ مثلُه قط" "وَيْحِي!" "ما تقولُ يا مَعْبَد؟" ولمَّا كان أبو سفيان يعلم أن معبداً ليس بمسلم فقد أصغى إلى كلامه بعناية ولكن ما سمعه لم يكن أبداً كما توقَّع ثم بدأ معبد يُشيد بجيش المسلمين شعراً وكلما مضى في كلامه، ازداد خوف أبي سفيان غير أن الخوف كان قد استولى بالفعل على قلوبهم، وفي النهاية عدلوا عن خطتهم لمهاجمة المسلمين، وعادوا إلى مكة وبهذه الحيلة الذكية، قدَّم معبد خدمةً عظيمةً للمسلمين ثم أرسل رجلاً من قومه ليُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث ومرةً أخرى، تصرَّف رسول الله ﷺ بحذرٍ وتثبُّت فأقام
في حمراء الأسد ثلاث ليالٍ فلما لم يرَ أيَّ تحرُّكٍ من العدو، عاد أخيراً إلى المدينة ويُذكِّرنا ربُّنا بتلك الأيام في القرآن بهذه الآيات: "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ" "مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ" "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ" "وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ" "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ" "إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ" "فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" لقد كانوا جديرين حقّاً بكل هذا الثناء فبكلمةٍ واحدة، وبأمرٍ واحدٍ من رسول الله كانوا يغيِّرون مجرى حياتهم كلها وكان هذا الوفاء يتجلَّى مرةً بعد مرة على امتداد السيرة النبوية وكانوا الآن عائدين من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ولكن ما هو الجهاد الأكبر؟ إنه
الجهاد الذي يواجهونه في حياتهم اليومية جهادُ النفس وسرعان ما كان إخلاصهم سيُختبَر مرةً أخرى في المدينة مع تحريم الخمر وكان ذلك في السنة الرابعة بعد الهجرة ولم تكن الخمر قد حُرِّمت بعد فلم تكن الآية التي تُحرِّمها قد نزلت بعد وفي ذلك الوقت، كانت هناك أربعة أشربةٍ شائعة في جزيرة العرب: الماء، واللبن، والشربات، والخمر ولذلك كانت الخمر واسعة الانتشار، ومتجذِّرةً في الثقافة العربية وكان الناس يحبون شربها، وينظمون فيها الأشعار وكانت أوعية الخمر موجودةً في كثيرٍ من البيوت كانت يومئذٍ شائعةً كما هي المشروبات الغازية في زماننا فلنحاول أن نتخيَّل ذلك الجو من خلال عينَي عمر رضي الله عنه لأن ما كان يجري في تلك الأيام يُفهَم على أحسن وجهٍ من خلال مشاعره فقد كان يُبغِض الخمر ويتمنى تحريمها أكثر من أيِّ
أحد وكان ذلك يؤلمه في أعماقه حتى إنه كان يدعو الله بشأنها باستمرار ولكن ما الذي كان يزعجه إلى هذا الحد؟ لقد كان لا يطيق أن يرى إخوانه المسلمين على تلك الحال وكان يرى أن ذلك لا يليق بشرف المؤمنين وكرامتهم أبداً وفي الوقت نفسه، كان بعض الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الخمر والميسر مستعدين للامتثال لأيِّ أمرٍ يأمرهم به فدعا عمر: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً" وسرعان ما نزلت أول آيةٍ تُحذِّر منها "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ" "قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" "وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" فلما سمع المسلمون ذلك ترك بعضهم الخمر لما فيها من الضرر بينما استمر آخرون في شربها لأنها لم تكن قد حُرِّمت تحريماً قاطعاً بعد وهنا قد يسأل
سائل: "ولم لم تُحرّم دفعة واحدة؟" وهنا تتجلَّى المنهجية الحكيمة في الإسلام فالعادات المتأصلة، كتعاطي الخمر، وما يُورِث الإدمان لا يسهل على النفوس تركه بين عشيةٍ وضحاها ولاقتلاع الخمر من المجتمع، استخدم القرآن منهج التدرُّج أي: التحريم على مراحل، خطوةً بعد خطوة فكان ربُّنا يُهيِّئ المؤمنين للتحريم التام شيئاً فشيئاً وخلال هذه العملية، كان بعض المسلمين إمَّا يتركونها بالكلية أو يبدؤون في التقليل من شربها وكان ذلك في ذاته تقدُّماً فحتى إن تعذَّر بلوغ المقصد كله دفعةً واحدة فلا ينبغي تركه بالكلية فإن أهل ذلك الزمان الذين كانوا شديدي التعلُّق بالخمر ربما وجدوا صعوبةً في تقبُّل الإسلام لو حُرِّمت عليهم منذ اللحظة الأولى فلعلهم ما كانوا ليرضوا بتركها ولهذا السبب، جاءت آيات الخمر في القرآن تنزل
بالتدرج، ومن زاوية علم النفس والسلوك فإن منهج القرآن في ذلك كان بالغ الإدهاش حقّاً فينبغي لنا أن نتذكر هذا فحتى الصلوات الخمس نفسها لم تُفرَض إلا قبل الهجرة بنحو سنةٍ ونصف في ليلة الإسراء والمعراج أي بعد نحو إحدى عشرة سنة من بدء الوحي على رسول الله لقد تعلَّموا غايةَ الخلق وسببَ إرسال الإنسان إلى هذه الدنيا ورسالةَ النبوة من أول إنسانٍ إلى زمانهم وتعلَّموا أسماءَ الله وصفاته وحقائقَ التوكل والتفكر العميقة وتعلَّموا عن الآخرة، والجنة، والنار فالمنهجُ الذي يقدِّم الإيمانَ أساساً ويجعل أوَّل دروسه الإيمان، لا يعرف الفشل وبعدما وُضِع هذا الأساس المتين فإن الأوامر التي جاءت بعد ذلك كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحجاب أو تحريم الخمر لم تعد تشكِّل عبئاً على الصحابة بل كانوا يؤدُّون هذه العبادات لا
على سبيل الإكراه أو التثاقل وإنما بحبٍّ وشوق ولما حان وقت الصلاة نادى منادٍ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول رسول الله ألا يقرَبَنَّ" "الصلاةَ سكران" ومع ذلك، شرب أحد المسلمين الخمر تلك الليلة، ثم جاء إلى الصلاة فعاد عمر رضي الله عنه فاشتد ألمه مرةً أخري لما حدث ولم يكن بيده شيءٌ إلا أن يرفع يديه من جديد ويدعو: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً" ثم أخيراً، نزل الأمر الذي طال انتظاره في هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ" "وَالْأَزْلَامُ" "رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" "فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ" "فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ"
"وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ" "فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" وكانت هذه هي المرحلة الثالثة والأخيرة من تحريم الخمر فماذا حدث بعد ذلك؟ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم طاف منادٍ في طرقات المدينة يُعلن: "اسمعوا أيها الناس" "ألا إن الخمر قد حُرِّمت!" وقال أنس بن مالك، وهو أحد الشهود على ذلك اليوم: فلما سمع المسلمون هذا الأمر أراقوا فوراً كل ما في بيوتهم من الخمر وشقُّوا أوعيتها، وكسروا دِنانها فجرت الخمر في طرقات المدينة كأنها نهر ومنذ تلك اللحظة، تخلَّص المسلمون من كل قطرة خمرٍ كانت عندهم وأحياناً، كل ما تحتاج إليه هو أن تقولها بصدقٍ ووضوح: تركته يا رب مهما كان الذنب، فإذا كنتَ لا تريدني أن أفعله، فقد تركتُه هذا الجسد ملكٌ لك وهو أمانةٌ منك وأنا لستُ إلا حافظاً له زمناً يسيراً
وما دمتَ أنت وحدك من ينبغي أن أطلب رضاه فإني أترك السعي لإرضاء شهواتي أو الناس من حولي لقد تركوا أشياءَ ابتغاءَ محبة ربهم ورضوانه لأن الذين يقدرون على التضحية لله هم الذين يفوزون حقّاً أفترون كيف أثَّر فيهم أمرُ القرآن وأمرُ رسول الله؟ إن الناس اليوم، لكي يتركوا حتى أبسط العادات يلجؤون إلى المعالجين والخبراء ومع ذلك كثيراً ما لا ينجحون فكيف كان لكلمات رجلٍ واحدٍ كل هذه القوة حتى تقتلع عادةً متجذِّرةً من مجتمعٍ كامل؟ فهل بعد ذلك من دليلٍ أوضح على أن قوةً ربانيةً معه؟ وتذكَّروا، لقد كان الخمر من أشهر اربعة أشربة آنذاك فإزالة شيءٍ شائعٍ إلى هذا الحد كانت تكاد تكون مستحيلة ولكن برجلٍ واحد، وبالشرائع الإلهية التي نزلت عليه تحوَّل مجتمعٌ كان غارقاً في ظلمات الجاهلية إلى النور وعن هذا النجاح الذي
لا نظير له قال العلَّامة الكبير بديع الزمان سعيد النورسي: "فليأخذوا مئةَ فيلسوف، وليذهبوا إلى هناك" "وليعملوا مئةَ سنة" "أكانوا يستطيعون أن ينجزوا واحداً بالمئة مما أنجزه في سنةٍ واحدة؟" كانت شعائر الإسلام، أي رموزه ومعالمه وأحكامه ونظمه، تُقام واحدةً بعد الأخرى بأوامر ونواهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وفي الوقت نفسه ظل رسول الله ﷺ متيقظاً بعد أحداث أُحُد متخذاً كل التدابير اللازمة لحماية المدينة ومع أن جماعة المسلمين كانت تنمو يوماً بعد يوم فقد كانت لا تزال حول المدينة عدة قبائل يهودية وكان من بينها بنو النضير وهم قبيلةٌ غنيةٌ قوية ينتسبون إلى هارون عليه السلام كانوا يسكنون في حصونٍ منيعة على الطريق المؤدي إلى مكة على مسافة ساعتين من المدينة وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
عهدٌ ألا يعملوا ضد المسلمين، ولا يعاونوا أعداءهم لكنهم، مع ذلك، ظلوا يعقدون الاتفاقات السرية مع قريش ومع منافقي المدينة وخاصةً بعد غزوة أُحُد زادوا صلاتهم بالمشركين والمنافقين أكثر ولهذا، ولحوادث أخرى كثيرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يترقَّب أمرهم وليرى مدى وفاء بني النضير بعهد المدينة خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه فلما وصلوا إلى مساكن القوم استقبلته اليهود بحفاوةٍ في أول الأمر وأكدوا له أيضاً أنهم سيفُون بما عليهم من العهد "نحن معك، ونحن على عهدنا ووعدنا" لكنهم لما خلا بعضهم إلى بعض أخذوا يتناجون فيما بينهم "لن تجدوا فرصةً خيراً من هذه لقتل الرجل" "فلنصعد إلى ذلك السطح ونُلقي عليه صخرةً، فنستريح منه" وفي تلك اللحظة، تكلَّم أحد سادتهم، سلام بن مِشكم "والله، لئن فعلتم مثل هذا"
"لَيُخبَرَنَّ به بالوحي" "ثم إن في ذلك نقضاً للعهد الذي بيننا وبينه" "اسمعوا مني، واتركوا هذا الرأي" "وإلا كان ذلك هلاكَ اليهود" "وظهورَ الإسلام إلى يوم القيامة" وكما قال، فإن خطة الاغتيال الغادرة تلك أوحى بها جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله فجأةً، ومن غير أن يتكلم بكلمة وانصرف عن جانب البيت كأنه أراد حاجةً ثم اتجه مباشرةً راجعاً إلى المدينة وأما الصحابة الذين كانوا معه فانتظروا قليلاً وظنوا أنه سيعود فلما أدركوا أنه لن يرجع قاموا هم أيضاً وانصرفوا وبهذه المؤامرة الخبيثة، أظهر بنو النضير بوضوحٍ أنهم لم يعودوا أوفياء لعهدهم وفوق ذلك، فإن تعاونهم السرّي مع المنافقين ومساندتهم للمشركين كان أمراً لا يُقبَل فدعا رسول الله محمدَ بن مسلمة وأمره أن يذهب إلى بني النضير
ويبلغهم أن لهم عشرة أيامٍ ليخرجوا من المدينة "يقول رسول الله: لكم عشرة أيامٍ لتخرجوا من المدينة" فلما سمع بنو النضير هذا الأمر، لم ينكروا ذنبهم ووافقوا على الخروج، وشرعوا في الاستعداد فلما بلغ ذلك رأسَ المنافقين، عبدَ الله بن أُبيٍّ بن سلول اشتد انزعاجه فإن خرجوا، خسر حليفاً آخر وازداد سلطان المسلمين قوةً وثباتاً فسرعان ما دبَّر حيلةً ماكرة، ومن غير إبطاء أرسل رسالةً إلى اليهود "لا تخرجوا من دياركم ولا من أموالكم أبداً" "سأبعث إليكم ألفين من رجال قبائل العرب لينصروكم" "سيقاتلون معكم حتى آخر نَفَس" "وكذلك ستأتي يهود بني قريظة لنجدتكم" ومن شدة خوفه أرسل رأس المنافقين تلك الرسالة سراً فلما وصلت إلى بني النضير، غيَّروا رأيهم في الخروج وأرسلوا إلى رسول الله يقولون: "لن نخرج!" "فافعل ما بدا لك!"
وبعد هذا الجواب، صار ما يجب فعله واضحاً كان لا بد من محاصرة الحصن، وإخراج بني النضير منه فلما اكتملت الاستعدادات خرج رسول الله وأصحابه إلى أرض بني النضير وبعد أن صلّى العصر بين بساتينهم وحقولهم فرض الحصار على حصنهم، وكرَّر أمره "اخرجوا من المدينة" ولم يقتصر بنو النضير على رفض أمر النبي صلى الله عليه وسلم بل أجابوا بتحدٍّ قائلين: "الموت أهون علينا مما تدعونا إليه" "ولأن نموت أحب إلينا من أن نقبل بذلك" وبقي اليهود أياماً محصورين داخل حصونهم "لقد انقطعت السبل" "لا بد ان نستسلم ، لا طريق غير ذلك" وأما العون الذي وعدهم به رأس المنافقين عبد الله بن أُبيٍّ، فلم يأتِ أبداً ولن يأتي لأن تلك هي حقيقة المنافقين إخلاف الوعد، والكذب، والخداع فبعد كل شيء، فإن انتظار العون ممّن خان غيره من قبل ، كان أمراً
لا جدوى منه وطبعاً، لم يكن شيءٌ من هذا ممّا يُستغرَب فلما أدرك اليهود أنهم لم يعودوا قادرين على المقاومة وافقوا على الاستسلام، وطلبوا ألا يُؤذَوا فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبهم ولم يُصَب منهم أحدٌ بأذًى وأذن لهم أن يأخذوا من أموالهم ما حملت الإبل إلا السلاح وقبيل أن يغادروا المدينة ارتفع الدخان في السماء لكن من أين كان يتصاعد؟ ولم يطل الأمر حتى تبيَّن لقد كان اليهود يُحرقون بيوتهم بأيديهم حتى لا يسكنها المسلمون بعد رحيلهم ومع أن دماءهم قد عُصِمَت فقد خرجوا من المدينة وقلوبهم مملوءةً غضباً وحقداً لكن عداوتهم لم تنتهِ عند ذلك بل ستعود إلى الظهور فيما بعد وخلفهم، كان حلفاؤهم المنافقون يكتوون غيظاً فالقبيلة اليهودية التي كانوا يتآمرون معها سرّاً على المسلمين قد ذهبت لكن ذلك لم يمنعهم من
البحث عن وسائل جديدة لإثارة الفتنة وإشعال الاضطراب غير أن المشكلة لم تكن المنافقين وحدهم فأعداء الإسلام سيتركون خلافاتهم قريباً ويتّحدون للقضاء على المسلمين قضاءً تاماً وكانت معركةٌ عظيمة تنتظر رسول الله وأصحابه خططٌ حربية لم يُسبق لها مثيل واستعداداتٌ شاقةٌ وخيانات فمن الذي سيفوز هذه المرة؟ وهل سينجح المشركون أخيراً في بلوغ غايتهم؟ سنرى ذلك في الحلقة القادمة، إن شاء الله، فترقَّبوا
أبو سفيان زعيم قريش الجديد وكان كلُّ من حوله يضغط عليه للأخذ بالثأر ومن جهةٍ أخرى، فإن سمعة قبيلته كانت قد تضرّرت بشدة بسبب هزيمة بدر فلم يستطيعوا تقبُّل ذلك، ولم يقدروا على نسيانه حتى العبيد الذين كانوا يعملون لديهم من قبل صاروا الآن يتحدَّون سادتهم السابقين علانيةً وكان كلُّ ذلك لا يُطاق عند قريش فاجتمع بعض سادتهم مثل جبير بن مطعم، وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وطرحوا اقتراحاً "إنَّ محمداً قد قتل خيارَنا وأشرافَنا" "والآن آن لنا أن نأخذ بثأرِنا" "نعم، فلنَرُدَّ رأسَ مالِ العير إلى أهلها" "ونجعلُ ربحَها عُدَّةً لحرب المسلمين" فوافق الجميع على الخطة فباعوا البضائع، وحوَّلوها إلى أموال واستخدموا الأرباح في تمويل الاستعدادات للحرب وبذل الجميع، ولا سيما الذين فقدوا أحبتهم في بدر كلَّ جهدهم
استعداداً لمعركةٍ أخرى وقد أخبر العباس عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم رسولَ الله بما كان يجري في مكة فعَلِم أن جيشاً قوامه ثلاثة آلاف رجل يستعدُّ للمسير إلى المدينة فلما سمع رسول الله ﷺ ذلك، جمع أصحابه واستشارهم في الأمر وكان رأيه صلى الله عليه وسلم أن تُدافَع المدينة من داخلها لكن مشورة أصحابه كانت من سُنَّته حتى في اللحظات المصيرية كهذه فلم يُرِد أن ينفرد بالقرار بل أراد أن يسمع ما يراه أصحابه أيضاً وخلال ذلك الاجتماع، برز رأيان أساسيان فقد أراد صغار الصحابة أن يخرجوا لملاقاة العدو في قتالٍ مكشوف كما حدث في بدر، وكان حمزة أيضاً مؤيداً لهذا الرأي وفي الوقت نفسه، فإن الذين لم يشهدوا بدر كانوا يشعرون أنهم قد فاتهم شرفٌ عظيم ولذلك أرادوا هم أيضاً القتال في الميدان المفتوح وكان من الصحابة الذين
أيدوا هذا الرأي خيثمة فقبل بدر، كان هو وابنه سعد قد اقترعا ليحددا أيهما يخرج إلى ساحة القتال فوقعت القرعة على ابنه، فكان سعد من شهداء بدر وأما الآن، فقد اشتد شوق خيثمة إلى الشهادة فجاء إلى رسول الله وقال: "يا رسولَ الله" "إني لأرجو" "أن ينصرَنا اللهُ عز وجل على قريشٍ نصراً مبيناً" "وإن كان الآخرُ، وهو الشهادة" "فقد فاتني شرفُها يوم بدر" "وناله ابني سعدٌ دوني" "وقد اشتدَّ شوقي أن أكون معه في الجنة" "وقد كبرتُ، وأتمنى أن ألقى ربي شهيداً" "فلا تحرمني هذا" "وادعُ الله أن يرزقني الشهادةَ فألحق بابني سعدٍ في الجنة" لقد كانوا يهرعون إلى الموت الذي يفرُّ منه سائر الناس ويُعرضون عن الدنيا التي يتمسك بها غيرهم بكلتا يديه شوقاً إلى دار الآخرة الخالدة أما رسول الله ﷺ وأصحابه الأكثر خبرةً فكانوا يرون
الدفاع عن المدينة من داخلها لكن بعد الشورى، اختارت الأغلبية مواجهة العدو في قتالٍ مكشوف وهكذا اخذ رسول الله برأي الأغلبية وقرّر القتال خارج المدينة وبعد أن أمَّ الناس في صلاة الجمعة خطب رسول الله ﷺ في أصحابه مبيِّناً لهم كيف يستعدون للجهاد، وقال: "لا تتثاقلوا عن الجهاد؛ فإن في ذلك ضعفاً" "وإن صبرتم وثابرتم، جاءكم نصرُ الله" "فاصبروا واثبتوا" وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على هاتين الخصلتين على وجه الخصوص فكل كلمةٍ نطق بها كانت مقصودةً ومليئةً بالمعنى وسرعان ما كان سيقع في ساحة المعركة حدثٌ عظيم يُغيِّر مجرى القتال ويفتح باباً لابتلاءاتٍ كثيرة وهناك تحديداً ستكون الحاجة ماسَّة إلى الصبر والثبات ثم بعد أن أمَّ الناس في صلاة العصر دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته فلبس درعه وتقلد سيفه وفي
هذه الأثناء، تحدَّث سعد بن معاذ وأُسيد بن حُضير إلى المسلمين الذين كانوا مجتمعين في الخارج، "إن كان رسولُ الله ﷺ لا يرى الخروج" "فقد ألححتم عليه حتى خرج" "وهو يُؤتَى الأمرَ من السماء" "فدعوا الأمرَ له، وامضوا لما يأمر به" هذه الكلمات غيَّرت آراء الذين كانوا يريدون مواجهة العدو خارج المدينة، حتى إن بعضهم بدأ يشعر بالندم فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لابساً درعه وحاملاً سيفه، قالوا: "يا رسول الله ﷺ، لا نريد شيئاً تكرهه" "إن رأيت أن تقيم بالمدينة فافعل" "فإنما خرجنا على رأيك" فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لَأْمَتَه" "أن يضعها حتى يقاتل" "أو يحكمَ الله بينه وبين عدوِّه" ثم خرج رسول الله بجيشه حتى نزل بالشيخين ثم مضى إلى أُحد وكان فيهم أيضاً منافقو
المدينة الذين كانوا يبحثون عن كل سبيلٍ لإضعاف وحدة المسلمين وكسر عزيمتهم وهل تذكَّرون زعيمهم، عبد الله بن أُبيِّ بن سلول ذلك الرجل الذي لم يفتأ يكيد لرسول الله حسداً وبغضا وقد كان يُضمِر خطة خبيثة كان يزعم أنه يؤمن بالله ورسوله ولم يكن في قلبه أثرٌ من إيمان لقد سار معهم إلى ذلك الموضع، ولكن منذ البداية كان متردداً وخائفاً ثم فجأةً وقف وصاح: "لقد أخذ محمدٌ برأي أحداثٍ لا خبرة لهم، وترك رأيي!" "يا قوم!" "ما ندري" "علام نقتل أنفسنا هاهنا وقد ترك رأينا" ثم انصرف معه فجأةً نحو ثلاثمائة رجل من قومه ومن المنافقين الذين كانوا يساندونه فعادوا إلى المدينة معه وبهذه الخيانة، تقلَّص جيش المسلمين إلى سبعمائة رجل فقط أي إلى ربع جيش قريش وكان الله عز وجل، من وجهٍ ما يبتلي المسلمين بابتلاء أُحُد ليُميِّز
الصادقين في إيمانهم من غيرهم وقد كشف ذلك لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: "وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ" "فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ" "وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا" ولم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن جيشه قد صار أقل عدداً بل واصل السير مع أصحابه الباقين غير أنه، في الوقت نفسه كان غارقاً في التفكير بسبب رؤيا رآها فما هذه الرؤيا؟ لقد حدَّث بها أصحابه، فقال: "رأيتُ في سيفي ثُلْمَةً" "فأوَّلتُها رجلاً يُصاب من المؤمنين" "يوم أُحُد" "ثم ضربته مرةً أخرى فعاد كما كان، سليماً مستقيماً" "ورأيتُ أني أدخلتُ يدي في دِرعٍ حصينة" "فأوَّلتُها المدينة" ووصلوا إلى أُحُد في وقتٍ متأخر من الليل فنظر النبي صلى الله عليه وسلم بعنايةٍ في أرض المعركة واختار
أكثر المواضع الاستراتيجيةً لينزل فيها المسلمون وكان أمامهم جيشٌ يفوقهم بأربعة أضعاف، وفيه نحو مائتي فارس ولذلك كان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطط لكل حركةٍ بدقةٍ بالغة فوضع خمسين من الرماة المهرة على جبل عينين فلو أن فرسان العدو هاجموا من تلك الجهة لأمكن أن يقع المسلمون بسهولةٍ بين قوتين ولهذا كان حراسةُ الجبل في غاية الأهمية فإن ترك الرماة مواقعهم استطاع العدو أن يكسب الأفضلية سريعاً وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة أمراً واضحاً: "إن رأيتمونا هزمنا القوم" "فلا تبرحوا مكانكم حتى آذن لكم أو أرسل إليكم" "وإن رأيتم العدو قد غلبنا، فلا تتركوا مكانكم قائلين" "لنذهب فنُعينهم" وبعد أن كرّر هذه التعليمات عليهم مراراً قال لهم صلى الله عليه و سلم: "وإن رأيتمونا تُخَطَّفُنا الطير" "فلا
تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم" ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه في موضعٍ استراتيجي، ، وجبل أُحُد خلفهم وكان سبب ذلك واضحاً فإذا هاجم العدو، كان الجبل وراءهم ساتراً لهم وإن هاجم المسلمون كان ذلك أيسر لهروب العدو وقد وُضِعت هذه الخطة لتحقيق النصر بأقل خسارةٍ ممكنة من الجانبين وفي أحد المواقف، رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً وسأل أصحابه: من يأخذ هذا السيف مني ؟ فتشوَّق كثيرٌ من الصحابة إلى أخذه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرة: "من يأخذ هذا السيف بحقِّه؟" أي: من يقوم بحقه كما ينبغي فناداه صوتٌ قائلاً: "وما حقُّه يا رسول الله؟" وكان ذلك أبا دجانة وهو رجلٌ من الأنصار عُرف بالشجاعة والإقدام فقال رسول الله: "حقُّه أن تضرب به العدو" "حتى ينحني أو ينكسر" "أنا آخذه بحقِّه يا
رسول الله" فأخذ السيف والآن أصبح الجيشان يرى بعضُهما بعضاً وكان كلٌّ منهما قد اصطفَّ في صفوف القتال، لقد حانت اللحظة ولمَّا لم يعد الانتظار ممكناً اندفع الفريقان أخيراً إلى القتال وبدأ الاشتباك بسرعةٍ خاطفة وانطلق المجاهدون، وهم يتوقون للقتال في سبيل الله إلى المعركة بشجاعةٍ عظيمة وقد حان الوقت لأبي دجانة أن يفي بوعده "أنا آخذه بحقِّه!" فاندفع في صفوف العدو بسرعةٍ مذهلة، يضرب بسيفه بقوةٍ لا تُقاوَم وكان مع كل ضربةٍ يصرع من يقف في طريقه ويواصل التقدم بخطواتٍ ثابتة وفي تلك الأثناء، كان حمزة رضي الله عنه يهتف: "أنا أسدُ الله!" وهو يندفع في صفوف العدو بلا خوف، يضرب يميناً وشمالاً وفي ذلك الوقت، كان خالد بن الوليد، وكان يومئذٍ في صفِّ قريش يقف خلف جبل عينين ومعه مائتا فارس وكان جيش قريش يتعرض
لغلبة المسلمين فأراد أن يدخل القتال ليُعينهم وكان بين الحين والآخر يحاول عبور الجبل لكن الرماة الذين وضعهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعوه يمر لكنه ظل ينتظر، ويراقب بعنايةٍ اللحظةَ المناسبة للانقضاض وكان جيش المسلمين يقاتل بكل ما أوتي من قوة ويُظهر عزيمةً وشجاعةً مدهشتين ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى لم يعد جيش المشركين قادراً على الثبات فبدأ يفرُّ مذعوراً وكانت نساء قريش، بالدفوف والإنشاد يحاولن استدعاء الجنود الفارِّين للعودة لكن القلوب التي خلت من الإيمان لم تُغنِ معها تلك المحاولات شيئاً فقد فرُّوا لينجوا بأنفسهم ولكن، ما المصيبة التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياه؟ لقد كانت الأمور كلها تسير في صالح المسلمين حتى وقع أمرٌ لم يكن في الحسبان إطلاقاً فلما رأى الرماة الذين على الجبل
المشركين يتراجعون ظنوا أن المعركة قد انتهت وأن مهمتهم قد انتهت معها وكان فيهم عبد الله بن جبير فذكَّرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال "أنسيتم عهدَ رسولِ اللهِ إليكم؟" "ألم يأمركم ألا تبرحوا مكانكم؟" ولكن على الرغم من تحذيره، فإن أكثرهم تركوا جبل عينين إلا قليلا، وذهبوا ليجمعوا الغنائم ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدّد على الصبر والثبات بعينيهما "اهجموا!" وفي تلك اللحظة نفسها، رأى خالد بن الوليد الذي كان لا يزال ينتظر خلف عينين ، الفرصةَ سانحةً، فتحرك فوراً ومعه مائتا فارس فقتلوا الصحابة العشرة الذين بقوا على الجبل وهاجموا جيش المسلمين من الخلف فلما رأى جيش قريش ذلك، عادوا إلى القتال وفجأةً وجد المسلمون أنفسهم محاصَرين من الجهتين وكانت لحظةً صادمةً ومفجعةً للمسلمين ولكن، هل
تعلمون ما الأمر الأكثر إدهاشاً في هذه الحادثة؟ إلى يومنا هذا، لا أحد يعلم من هم أولئك الأربعون صحابياً الذين تركوا الجبل فلا يعرف أحدٌ أسماءهم قط، إلا من كان حاضراً يومئذٍ ولماذا؟ لأن أحداً لم يكن ينبغي له أن يلومهم فقد كان بعض الناس وهم دون أولئك الصحابة منزلةً بكثير ربما حكموا عليهم بقسوة، وتناسوا فضائلهم وتضحياتهم وكل خصالهم الكريمة وفوق ذلك، فإن كشف زلَّةِ أحدٍ أو ذِكره بما يكره ولو كان حقّاً، فإن هذا الشيء يعتبر غِيبة وهو إثم ولهذا لم يُفشِ الصحابة عن أسمائهم أبداً لقد تعلَّموا هذا الخُلُق الرفيع والأدب الجميل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تلك هي المرحلة الثانية من غزوة أُحُد كانت تلك هي اللحظات التي ابتُلِيَ فيها المسلمون ببعض أشدِّ الابتلاءات في حياتهم وقد أُخِذ المجاهدون على
حين غِرَّة، وأصابهم ذهولٌ تام فلم يتمكنوا من لَمِّ شتات أنفسهم واضطروا إلى التفرُّق في أرجاء ساحة القتال ورغم كل ذلك الذعر بقي نحو عشرةٍ إلى خمسة عشر صحابياً إلى جوار رسول الله ثبتت هذه الفئة القليلة في مواقعها وقاتلت بكل ما تملك وكانوا يلقون بأنفسهم أمام النبي ﷺ ليَحُولوا بينه وبين وابل السهام والرماح وضربات السيوف الآتية من جهة العدو ثم في خِضَمِّ ذلك الاضطراب، أصاب حجرٌ رماه المشركون وجهَ رسول الله المبارك فكسر رباعيته اليمنى وشجَّ آخرُ جبهتَه، وشقَّ شفتَه السفلى ثم ضربه كافرٌ يُدعى عبد الله بن قَمِئَة بسيفه فكَسَر المِغفرَ الذي كان على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت حلقتان من حلقه الحديدية في وجهه الشريف فغطَّت الدماء وجهَ رسول الله ﷺ فجعل يمسح الدم بيده ويقول: "كيف يُفلِح قومٌ"
"شَجُّوا وجهَ نبيِّهم بالدم" "وهو يدعوهم إلى الله؟" وفي الجهة الأخرى، كان حمزة رضي الله عنه ثابتاً في مكانه، يصدُّ هجمات المشركين بكل ما أوتي من قوة وكان صامداً، يواجه العدو وجهاً لوجه، ويتحداهم بلا خوف ومنذ بداية المعركة كان هناك من يراقب حمزة عن كثب ينتظر اللحظة المناسبة لقتله وهو وَحشي، غلام جبير بن مطعم وكان عمُّ جبير قد قُتل يوم بدر فأراد الثأر، فاختار وَحشياً على وجه الخصوص، وقال له: "اخرج مع الجيش، فإن قتلتَ حمزة عمَّ محمد" "بعمِّي طُعيمة بن عدي، فأنت حرٌّ" وكانت هناك أيضاً امرأةٌ تريد الثأر من حمزة، وهي هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان فقد قُتل أبوها وعمُّها وأخوها جميعاً يوم بدر فحملت في قلبها حقداً شديداً على حمزة وأقسمت أن تأكل من كبده ووعدت وَحشياً بحُلِيِّها مكافأةً له ولتحقيق كل هذه
الرغبات في الانتقام أُرسِل وَحشي إلى ساحة المعركة ليقتل حمزة وكان حمزة يعلم أنه سيقاتل حتى آخر لحظة فبإيمانه، وشجاعته، وتوكله الراسخ على الله ثبت في وجه العدو وفي أثناء ذلك، كان وَحشي يطوف حول حمزة طويلاً وهو يحمل حربته لكن الاقتراب منه كان أمراً مستحيلاً فقد كان أسد الله يُلقي الرعب في قلوب أعدائه بشجاعته الفريدة وقوته التي لا تُجارى "أنا أسدُ الله!" وبينما كان حمزة يضرب المشركين بسيفه كان وَحشي مختبئاً خلف صخرة وكان بارعاً في الرمي بالحربة فانتظر اللحظة المثلى لينقضَّ فاغتنم الفرصة، ورمى حربته، فاخترقت صدر ذلك الصحابي الجليل وفي ذلك اليوم المفجع من يوم أُحُد، استُشهِد حمزة ولم يتوقف وَحشي عند هذا الحد فليُرضي هنداً زوجة أبي سفيان، شقَّ صدر حمزة واستخرج كبده، ثم جاء به إليها وقد أعمتها
رغبتها في الانتقام فأخذت من كبد ذلك الشهيد الكريم قطعةً ومضغتها لكن حتى ذلك لم يكن كافياً لإطفاء غيظها فذهبت إلى جسد حمزة رضي الله عنه ومثَّلت به تمثيلاً مروِّعاً؛ فقطعت أنفه وأذنيه لتتخذ منهما أساور وخلاخيل لنفسها وكان الصحابة، وهم لا يزالون تحت وقع الصدمة لفقد حمزة رضي الله عنه قد نزل بهم خبرٌ آخر مدمِّر "لقد قتلتُ محمداً!" فلما سمع الصحابة ذلك جمدوا في أماكنهم، لا يدرون ماذا يفعلون حتى إن بعضهم فكَّر في الرجوع إلى المدينة "أحقّاً استُشهِد رسول الله؟" وبينما هم واقفون في حيرتهم، دوَّى صوتٌ قويٌّ يقول: "ما يجلسكم؟" وكان ذلك أنس بن النضر "ماذا نصنع؟" "قُتل رسول الله ﷺ" "إن كان محمدٌ قد قُتل" "فإن ربَّ محمدٍ لم يُقتَل" "ثم ماذا تصنعون بالحياة بعد موت النبي؟" "قوموا فقاتلوا، وموتوا على ما مات
عليه" ثم اندفع، من غير لحظة تردد، مباشرةً إلى صفوف العدو وفي ذلك اليوم، وهو يفيض حبّاً لرسول الله ﷺ لقي أنسٌ ربَّه شهيداً وقد تمزق جسده تمزقاً حتى إن أخته لم تستطع أن تعرفه بعد المعركة إلا ببنانه وتشجَّع الصحابة بكلمات أنس، فاستجمعوا أنفسهم من جديد وأرادوا أن يتحققوا: هل استُشهِد رسول الله حقّاً؟ فأخذوا يبحثون عنه في كل مكان فماذا كان قد حدث في الحقيقة؟ وأين كان النبي صلى الله عليه وسلم؟ في ذلك الوقت، كان رسول الله قد سقط في حفرة قد حفرها المشركون لكن جراحه كانت قد أنهكته، فلم يكن به قوةٌ ليخرج منها وأخيراً، عثر عليه نفرٌ من الصحابة فأعانوه على الخروج من الحفرة لكن من يكون الرجل الذي صاح ابنُ قَمِئَة "بأنه قتله ؟ كان مُصعب بن عمير وكان شديد الشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تبدأ
المعركة، كان قد لبس بُردةَ رسول الله ﷺ وكان يحمل راية جيش المسلمين وفي أثناء القتال، واجه ابنَ قَمِئَة وقاتله ببسالة فضرب ابنُ قَمِئَة يدَ مُصعب التي كانت تحمل الراية فقطعها بضربةٍ واحدة وكان مُصعب يرى راية الإسلام أعظمَ قدراً من حياته نفسها فأخذها بيده الأخرى حتى لا تسقط ثم ضربه مرةً أخرى، فقطع يده الثانية ورغم الألم الذي لا يُحتمل ضمَّ مُصعب الراية إلى صدره بعضُدَيه محاولاً أن يُبقيها مرفوعة لكن حين ضربه ابنُ قَمِئَة الضربة الأخيرة، استُشهِد لقد قاتل مُصعب بن عمير، الذي علَّم أهل المدينة الإسلام بشجاعةٍ عظيمة يوم أُحُد وبذل روحه في سبيل الراية التي كرَّس لها حياته وبالنسبة إليه، فقد انتهى وقت السعي، وبدأ الآن وقت الجزاء وإنما صاح ابنُ قَمِئَة بتلك الكلمات لأنه ظنَّ أن مُصعباً هو رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثم لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ قليلٌ من أصحابه إلى غارٍ صغير وكان أمام النبي صلى الله عليه وسلم خياران لا ثالث لهما فإما أن يلتزم الصمت وإما أن يحاول جمع جيشه الذي تفرَّق لكن لفعل ذلك عليه أن يرفع صوته فإن فعل ذلك، سمعه المشركون وجاؤوا إليه ليقتلوه فعرَّض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسَه للخطر واختار الخيار الثاني فنادى بأعلى صوته، وجمع أصحابه مرةً أخرى فلما أدرك المشركون أن رسول الله لا يزال حيّاً أعادوا تجمُّعهم فوراً وأمطروا المسلمين بالسهام من كل جانب وكانوا يريدون أن يحسموا الأمر نهائياً بضربةٍ أخيرة لكن الصحابة القلائل الذين كانوا حول رسول الله ﷺ حموه بأجسادهم وكانوا مستعدين لبذل أرواحهم فداءً له وكانت هناك أيضاً صحابيةٌ أخرى ممّن قال عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيما بعد: "ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً يوم أُحُدٍ إلا وأنا أراها تقاتل دوني" وكانت تلك هي السيدة نُسيبة فقد كانت تدافع عن رسول الله ﷺ بشجاعةٍ خارقة وتقاتل العدو بكل ما تملك ومع زوجها وابنيها ظلت قريبةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أُصيبت يومئذٍ بنحو ثلاث عشر جرح واستغرق شفاؤها قرابة عامٍ كامل رضي الله عنها وفي ذلك اليوم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي من النبال كثيراً حتى انكسر قوسه وكان سعد بن أبي وقاص إلى جواره يرمي سهماً بعد سهمٍ حمايةً له وظل يرمي حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقلها لغيره: "ارمِ، فداك أبي وأمي" ولما أدرك المشركون انهم لن يستطيعوا فعل أكثر من ذلك رأوا أن أفضل سبيلٍ لتجنُّب هزيمةٍ أخرى هو الانسحاب فتراجعوا عن ساحة القتال وهم في
شعورٍ من الكِبر والغرور وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنهِكَ من شدة الجراح والتعب حتى إنه لم يعد يقدر على المشي وحده فاستند إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسار ببطءٍ نحو المنحدر الصخري في الشِّعب الذي احتمى فيه المسلمون وكان يريد أن يستريح هناك، ويستعيد شيئاً من قوته وبعد أن مشى قليلاً، ذهبت حتى تلك القوة اليسيرة فقد كان الدرعان اللذان عليه قد أثقلاه كثيرا فعندئذٍ جثا طلحة بن عبيد الله، وقال: "هلمَّ يا رسول الله" "اركب على ظهري" "فإني جَلْدٌ" ثم حمل النبي صلى الله عليه وسلم على ظهره وصعد به إلى الصخور وكان جيش قريش يتراجع ببطءٍ عن ساحة المعركة وبعد أن دار قائدهم أبو سفيان حول أرض المعركة مرةً صعد على تلٍّ قريب، ثم نادى: "أفي القوم محمد؟" فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه: "لا
تجيبوه" ثم كرر أبو سفيان السؤال ثلاث مرات، فلم يجبه أحد "أفي القوم ابن أبي قُحافة؟" وكان يعني أبا بكر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلزموا الصمت "أفي القوم ابن الخطاب؟" وكان يعني عمر رضي الله عنه ومع ذلك، لم يأذن النبي لأحدٍ أن يجيبه "إن هؤلاء قُتلوا" وهنا لم يملك عمر رضي الله عنه أن يحبس نفسه "كذبتَ يا عدوَّ الله!" "والله، إنها لكذبة" "إن الذي ذكرتَ لأحياءٌ كلُّهم!" فلما سمع أبو سفيان صوتَ عمر علم أنهم لم يقتلوا "إذن فأنتم الثلاثة أحياء؟" "نعم!" "هذا ببدر" "يومٌ بيوم بدر" "الحربُ سِجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ علينا" "وقد كان اليوم ثأراً لبدر" "أبداً!" "ليسوا سواء!" "قتلانا في الجنة" "وقتلاكم في النار!" "لا يستويان أبداً، يا عدوَّ الله!" "موعدُنا معكم العام المقبل في بدر!" "رسولُ اللهِ ﷺ
قد رضي بذلك" "هو بيننا وبينكم موعد، إن شاء الله" ثم غادر أبو سفيان وهكذا انتهت المعركة وبالنسبة لمجاهدي الإسلام، فقد حان الآن وقت الراحة ومداواة الجراح، ودفن الشهداء تخيَّل نفسك هناك للحظة حاوِل أن تتصوَّر ذلك المشهد كم من الصحابة قد سقطوا أصدقاؤك الذين تقاسمتَ معهم ذكرياتٍ لا تُحصى وإخوانك الذين شاركتَهم لحظات الفرح والحزن ها هم الآن مُلقَون أمامك على الأرض شهداء وكلما سرتَ بينهم، وتعرَّفتَ إلى وجهٍ بعد وجه ازداد قلبك انكساراً بعضهم قد تمزَّق حتى تعذَّر التعرُّف إليه وتتهاطل الذكريات في ذهنك ألمٌ لا تصفه الكلمات وفي تلك اللحظة، لا يخفف عنك إلا إيمانك الراسخ بأنك ستلقاهم مرةً أخرى في دارٍ خالدة في موطننا الحقيقي، الجنة، إن شاء الله دارٌ بعيدةٌ عن كل حزنٍ وألم، دار لا فراق فيها بعد ذلك أبداً
ولولا الإيمان بالآخرة لكان الألم الذي ستشعر به في تلك اللحظة لا يُحتمل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يعلم ما الذي جرى لحمزة بين الشهداء فأرسل صحابياً يُدعى الحارث ليبحث عنه فلما وجد حمزة رضي الله عنه صُدِم ولم يدرِ كيف يمكنه أن يُخبِر النبي صلى الله عليه وسلم بما يراه فجلس وانفجر باكياً ولما لم يرجع الحارث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه في أثره فلما جاء عليٌّ ورأى حمزة رضي الله عنه انهار هو أيضاً باكياً كيف له أن يصف ذلك المشهد لرسول الله ﷺ؟ وبعد أن تماسك قليلاً، عاد فقد كان لا يريد أن يرى رسول الله حمزةَ على تلك الحال لكن النبي صلى الله عليه وسلم أصرَّ فسار إلى الموضع الذي استُشهِد فيه حمزة فلما رآه، قال: "يا حمزة، يا عمَّ رسول الله" "يا حمزة، يا أسدَ الله
وأسدَ رسوله" "يا حمزة، يا فاعلَ الخيرات" "يا حمزة، يا ذابَّاً عن رسول الله" "رحمك الله" لقد كان حمزة دوماً ثابتاً في وجه المشركين يُلقي الرعب في قلوبهم في ساحة القتال وكان دائماً يدافع عن ابن أخيه في وجه أذى أبي جهل أتذكرون يوم أسلم؟ وكيف امتلأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحاً بذلك؟ لقد كان المسلمون يستمدون منه القوة دوما وأما الآن، فقد استُشهِد واحترق قلب رسول الله ﷺ من شدة الحزن حتى سالت الدموع من عينيه الشريفتين وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي هناك لمدة طويلة وغلبته مشاعره البشرية، فقال: "والله لَأُمَثِّلَنَّ بثلاثين منهم" لكن بعد ذلك نزلت الآية السادسة والعشرون بعد المائة من سورة النحل، زاجرةً ومنبِّهة: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ" "وَلَئِن
صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ" فحُفِرَت القبور، وأُدِّيَت صلاة الجنازة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادفنوا الشهداء في مصارعهم" ورأى بين الشهداء مُصعب بن عمير حاملَ لواء الجيش وأولَ معلِّمٍ للإسلام في المدينة ولما تذكَّر رسول الله ﷺ أيامَ مُصعب الماضية امتلأ قلبه بحزنٍ عميق فلم يكن هناك ما يُكَفَّن فيه عند دفنه لم يكن عليه إلا بُردةٌ واحدة فإذا غطى الصحابة بها رأسه، بدت رجلاه وإذا غطوا رجليه، بدا رأسه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: "غطُّوا بها رأسَه، واجعلوا على رجليه من الإذخر" لقد كان مُصعب في يومٍ من الأيام شاباً يعيش في ثراءٍ ونعيم لكنه ترك ذلك كله في سبيل الله وهاجر إلى المدينة والآن، لم يكن يملك حتى ما يكفي لستر جسده لقد ضحَّى بكل شيءٍ في سبيل دين الله
وبذل كل ما كان يملكه وقد بلغوا الآن منزلة الشهادة التي اشتاقوا إليها دائماً وأما الذين بقوا أحياء، مجروحين مُنهَكين فقد بدأوا رحلتهم عائدين إلى المدينة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً: "المجاهدُ من جاهد نفسَه في طاعةِ الله" والآن كان الجهاد الأكبر على وشك أن يبدأ بالنسبة لهم فسرعان ما كان إيمان الصحابة ووفاؤهم سيُختبر من جديد وفي هذه الأثناء، كانت مشكلةٌ أخرى تتصاعد في المدينة فقد بدأ يهود بني النضير يهددون أمن المدينة وكانوا يدبِّرون للمسلمين في الخفاء لكن فعلتهم الأخيرة من الخيانة ستكون القشَّة التي قصمت ظهر البعير فما هذه المؤامرة؟ وكيف سيتعامل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "حتى يقضيَ اللهُ لنا بالفتح" "لن تكونَ لهم علينا مثلُها" كانت هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه
وسلم عزاءً رقيقاً وسلوىً تهدِّئ القلوب التي لا تزال تنزف بعد أُحُد وقد خلَّفت الهزيمة في أُحُد كثيراً من نساء المسلمين أرامل وفقدت الكثير من الأمهاتٌ أبناءهن وبقي كثير من الأطفال بلا آباء وكانوا جميعاً يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخفف آلامهم ويُسكِّن قلوبهم، ويجبر خواطرهم وكان لكل واحدٍ منهم نوعٌ مختلف من الفقد فمنهم من فقد زوجَه، ومن فقد أباه، ومن فقد ابنَه ومع ذلك، خرجت من أفواههم جميعاً الكلمات نفسها: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله" وكان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال مشغولاً فقد ظل يفكر في احتمال أن تعود قريش فتهاجم المدينة وكانت المدينة مضطربةً بعد الهزيمة وكان لا بد من رفع هذا الشعور عنها وكان لا بد للمسلمين أن يُظهِروا أن شجاعتهم وقوتهم ما زالت حيَّة وفي صباح اليوم
التالي مباشرةً بعد العودة من أُحُد أمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر ودعا بلالاً رضي الله عنه وأمره أن يُنادي بهذا الإعلان: "إنَّ رسولَ الله ﷺ يأمركم بطلبِ عدوِّكم" "ولا يخرج معنا إلا من شهد أُحُداً بالأمس" "لا يخرج إلا من حضر القتال!" وكان أكثر الصحابة قد شهدوا المعركة لكن الصحابة كانوا جرحى وكان رسول الله أيضاً جريحاً وكان الجميع متعبين مستنزَفين ولم يمضِ إلا وقتٌ يسير منذ عودتهم من أُحُد ومع ذلك، فلما دعاهم رسول الله مجدداً لم يتردد واحدٌ منهم وكان في الصحابة أخوان وكان كلاهما جريحاً جرحاً شديداً لكن حبَّهما للجهاد أنساهما آلامهما فخرجا مرةً أخرى فإذا عجز أحدهما عن المشي، حمله الآخر على ظهره واستمرا في سيرهما على هذه الحال وكان من بين الصحابة الذين أثخنتهم الجراح أُسيد بن
حُضير فقد كانت به سبعُ جراح غائرة لا تزال تؤلمه وكان ينبغي له أن يستريح ويعتني بجرحه لكن لما سمع أمر رسول الله ترك تضميد جراحه، وانضمَّ إلى الجيش ثم دخل رسول الله المسجد فصلَّى ركعتين ثم لبس درعه، ووضع المِغفر على رأسه ولم يكن يُرى منه إلا عيناه وعلى هذه الحال، تولى قيادة جيشه وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة رجالٍ أمامه ليتحرَّوا خبرَ العدو فتخلَّف أحدهم من شدة الإعياء ومضى الآخران حتى وجدا جيش قريش وكما توقَّع النبي صلى الله عليه وسلم كان الكفار يتهيَّؤون للمسير على المسلمين فأُمسِكَ بالرجلين المستطلعين، واستُشهِدا هناك ثم وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع حمراء الأسد، ونزل فيه ثم أمر الصحابة أن يجمعوا حطباً لليل فلما أقبل الظلام، أُوقدت مئاتُ النيران في أنحاء المعسكر وكان
مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرهب العدو وأن يُوهمهم أن المسلمين قد اجتمع لهم جيشٌ عظيم وهذا ما حدث بالفعل فأُضرِمت قرابةُ خمسمائةِ نارٍ في أرجاء المعسكر فأوقعت الرعب في قلوب المشركين ففرُّوا مذعورين ولم يكن جيش قريش يُرى له أثر ولم يبقَ إلا رجلٌ واحد كان قد غلبه النوم وكان ذلك أبا عِزَّة، الشاعر الذي أُسِر يوم بدر فقد كان بشعره يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويهجو المسلمين، ويؤذيهم أذىً شديداً و قد وعد ألا يعود إلى ذلك مجدداً فأُطلِق بلا فداء يوم بدر لكنه نكث وعده، وجاء إلى أُحُد وبقصائده، ظل يُحرِّض قريشاً على المسلمين ويهجوهم "لن أفعلها مجدداً!" "أعدك لن أكررها!" لكن الجواب الذي تلقَّاه من رسول الله ﷺ كان حازماً فاصلاً "لا يُلدغ المؤمن من جُحرٍ مرتين" "والله لا أدعك ترجع إلى مكة"
"ثم تمسح عارضيك وتقول" "خدعتُ محمداً مرتين وسخرتُ منه" ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فضُرِبَت عنقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال في حمراء الأسد حين جاءه معبد بن أبي معبد من خزاعة وكان يسكن ناحية تهامة ومع أنه لم يكن قد أسلم بعد فقد كان صادقاً مخلصاً لرسول الله "يا محمدُ، لقد ساءنا ما أصابكم يوم أُحُد" "ونسألُ اللهَ أن يمنحك العافية، ويصرف عنك كيد عدوِّك" وبهذه الكلمات، حاول أن يُواسي النبي صلى الله عليه وسلم وكان يريد أن ينفع المسلمين بشيء ثم مضى في طريقه وهو يحمل هذا القصد وفي موضعٍ يُقال له الروحاء مرَّ على قريش وهم في مجلسٍ يتشاورون وكانوا قد اجتمعوا ليستأنفوا المسير على المسلمين "لقد قتلنا من أصحابِ محمدٍ خيارَهم وأشدَّهم" "لكنّا لم نستأصلْ شأفتَهم" "فكيف نرجعُ إلى
مكةَ على هذا؟" "لا بُدَّ أن نلحقَ ببقيتهم فنُجهِزَ عليهم!" فلما رأى أبو سفيان، زعيم قريش، معبداً، سأله: "يا معبد!" "ما وراءَك؟ وما الخبرُ عندك؟" "لقد خرج محمدٌ وأصحابُه في طلبِكم" "في جمعٍ لم يُرَ مثلُه قط" "وَيْحِي!" "ما تقولُ يا مَعْبَد؟" ولمَّا كان أبو سفيان يعلم أن معبداً ليس بمسلم فقد أصغى إلى كلامه بعناية ولكن ما سمعه لم يكن أبداً كما توقَّع ثم بدأ معبد يُشيد بجيش المسلمين شعراً وكلما مضى في كلامه، ازداد خوف أبي سفيان غير أن الخوف كان قد استولى بالفعل على قلوبهم، وفي النهاية عدلوا عن خطتهم لمهاجمة المسلمين، وعادوا إلى مكة وبهذه الحيلة الذكية، قدَّم معبد خدمةً عظيمةً للمسلمين ثم أرسل رجلاً من قومه ليُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث ومرةً أخرى، تصرَّف رسول الله ﷺ بحذرٍ وتثبُّت فأقام
في حمراء الأسد ثلاث ليالٍ فلما لم يرَ أيَّ تحرُّكٍ من العدو، عاد أخيراً إلى المدينة ويُذكِّرنا ربُّنا بتلك الأيام في القرآن بهذه الآيات: "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ" "مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ" "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ" "وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ" "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ" "إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ" "فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" لقد كانوا جديرين حقّاً بكل هذا الثناء فبكلمةٍ واحدة، وبأمرٍ واحدٍ من رسول الله كانوا يغيِّرون مجرى حياتهم كلها وكان هذا الوفاء يتجلَّى مرةً بعد مرة على امتداد السيرة النبوية وكانوا الآن عائدين من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ولكن ما هو الجهاد الأكبر؟ إنه
الجهاد الذي يواجهونه في حياتهم اليومية جهادُ النفس وسرعان ما كان إخلاصهم سيُختبَر مرةً أخرى في المدينة مع تحريم الخمر وكان ذلك في السنة الرابعة بعد الهجرة ولم تكن الخمر قد حُرِّمت بعد فلم تكن الآية التي تُحرِّمها قد نزلت بعد وفي ذلك الوقت، كانت هناك أربعة أشربةٍ شائعة في جزيرة العرب: الماء، واللبن، والشربات، والخمر ولذلك كانت الخمر واسعة الانتشار، ومتجذِّرةً في الثقافة العربية وكان الناس يحبون شربها، وينظمون فيها الأشعار وكانت أوعية الخمر موجودةً في كثيرٍ من البيوت كانت يومئذٍ شائعةً كما هي المشروبات الغازية في زماننا فلنحاول أن نتخيَّل ذلك الجو من خلال عينَي عمر رضي الله عنه لأن ما كان يجري في تلك الأيام يُفهَم على أحسن وجهٍ من خلال مشاعره فقد كان يُبغِض الخمر ويتمنى تحريمها أكثر من أيِّ
أحد وكان ذلك يؤلمه في أعماقه حتى إنه كان يدعو الله بشأنها باستمرار ولكن ما الذي كان يزعجه إلى هذا الحد؟ لقد كان لا يطيق أن يرى إخوانه المسلمين على تلك الحال وكان يرى أن ذلك لا يليق بشرف المؤمنين وكرامتهم أبداً وفي الوقت نفسه، كان بعض الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الخمر والميسر مستعدين للامتثال لأيِّ أمرٍ يأمرهم به فدعا عمر: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً" وسرعان ما نزلت أول آيةٍ تُحذِّر منها "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ" "قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" "وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" فلما سمع المسلمون ذلك ترك بعضهم الخمر لما فيها من الضرر بينما استمر آخرون في شربها لأنها لم تكن قد حُرِّمت تحريماً قاطعاً بعد وهنا قد يسأل
سائل: "ولم لم تُحرّم دفعة واحدة؟" وهنا تتجلَّى المنهجية الحكيمة في الإسلام فالعادات المتأصلة، كتعاطي الخمر، وما يُورِث الإدمان لا يسهل على النفوس تركه بين عشيةٍ وضحاها ولاقتلاع الخمر من المجتمع، استخدم القرآن منهج التدرُّج أي: التحريم على مراحل، خطوةً بعد خطوة فكان ربُّنا يُهيِّئ المؤمنين للتحريم التام شيئاً فشيئاً وخلال هذه العملية، كان بعض المسلمين إمَّا يتركونها بالكلية أو يبدؤون في التقليل من شربها وكان ذلك في ذاته تقدُّماً فحتى إن تعذَّر بلوغ المقصد كله دفعةً واحدة فلا ينبغي تركه بالكلية فإن أهل ذلك الزمان الذين كانوا شديدي التعلُّق بالخمر ربما وجدوا صعوبةً في تقبُّل الإسلام لو حُرِّمت عليهم منذ اللحظة الأولى فلعلهم ما كانوا ليرضوا بتركها ولهذا السبب، جاءت آيات الخمر في القرآن تنزل
بالتدرج، ومن زاوية علم النفس والسلوك فإن منهج القرآن في ذلك كان بالغ الإدهاش حقّاً فينبغي لنا أن نتذكر هذا فحتى الصلوات الخمس نفسها لم تُفرَض إلا قبل الهجرة بنحو سنةٍ ونصف في ليلة الإسراء والمعراج أي بعد نحو إحدى عشرة سنة من بدء الوحي على رسول الله لقد تعلَّموا غايةَ الخلق وسببَ إرسال الإنسان إلى هذه الدنيا ورسالةَ النبوة من أول إنسانٍ إلى زمانهم وتعلَّموا أسماءَ الله وصفاته وحقائقَ التوكل والتفكر العميقة وتعلَّموا عن الآخرة، والجنة، والنار فالمنهجُ الذي يقدِّم الإيمانَ أساساً ويجعل أوَّل دروسه الإيمان، لا يعرف الفشل وبعدما وُضِع هذا الأساس المتين فإن الأوامر التي جاءت بعد ذلك كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحجاب أو تحريم الخمر لم تعد تشكِّل عبئاً على الصحابة بل كانوا يؤدُّون هذه العبادات لا
على سبيل الإكراه أو التثاقل وإنما بحبٍّ وشوق ولما حان وقت الصلاة نادى منادٍ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول رسول الله ألا يقرَبَنَّ" "الصلاةَ سكران" ومع ذلك، شرب أحد المسلمين الخمر تلك الليلة، ثم جاء إلى الصلاة فعاد عمر رضي الله عنه فاشتد ألمه مرةً أخري لما حدث ولم يكن بيده شيءٌ إلا أن يرفع يديه من جديد ويدعو: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً" ثم أخيراً، نزل الأمر الذي طال انتظاره في هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ" "وَالْأَزْلَامُ" "رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" "فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ" "فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ"
"وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ" "فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" وكانت هذه هي المرحلة الثالثة والأخيرة من تحريم الخمر فماذا حدث بعد ذلك؟ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم طاف منادٍ في طرقات المدينة يُعلن: "اسمعوا أيها الناس" "ألا إن الخمر قد حُرِّمت!" وقال أنس بن مالك، وهو أحد الشهود على ذلك اليوم: فلما سمع المسلمون هذا الأمر أراقوا فوراً كل ما في بيوتهم من الخمر وشقُّوا أوعيتها، وكسروا دِنانها فجرت الخمر في طرقات المدينة كأنها نهر ومنذ تلك اللحظة، تخلَّص المسلمون من كل قطرة خمرٍ كانت عندهم وأحياناً، كل ما تحتاج إليه هو أن تقولها بصدقٍ ووضوح: تركته يا رب مهما كان الذنب، فإذا كنتَ لا تريدني أن أفعله، فقد تركتُه هذا الجسد ملكٌ لك وهو أمانةٌ منك وأنا لستُ إلا حافظاً له زمناً يسيراً
وما دمتَ أنت وحدك من ينبغي أن أطلب رضاه فإني أترك السعي لإرضاء شهواتي أو الناس من حولي لقد تركوا أشياءَ ابتغاءَ محبة ربهم ورضوانه لأن الذين يقدرون على التضحية لله هم الذين يفوزون حقّاً أفترون كيف أثَّر فيهم أمرُ القرآن وأمرُ رسول الله؟ إن الناس اليوم، لكي يتركوا حتى أبسط العادات يلجؤون إلى المعالجين والخبراء ومع ذلك كثيراً ما لا ينجحون فكيف كان لكلمات رجلٍ واحدٍ كل هذه القوة حتى تقتلع عادةً متجذِّرةً من مجتمعٍ كامل؟ فهل بعد ذلك من دليلٍ أوضح على أن قوةً ربانيةً معه؟ وتذكَّروا، لقد كان الخمر من أشهر اربعة أشربة آنذاك فإزالة شيءٍ شائعٍ إلى هذا الحد كانت تكاد تكون مستحيلة ولكن برجلٍ واحد، وبالشرائع الإلهية التي نزلت عليه تحوَّل مجتمعٌ كان غارقاً في ظلمات الجاهلية إلى النور وعن هذا النجاح الذي
لا نظير له قال العلَّامة الكبير بديع الزمان سعيد النورسي: "فليأخذوا مئةَ فيلسوف، وليذهبوا إلى هناك" "وليعملوا مئةَ سنة" "أكانوا يستطيعون أن ينجزوا واحداً بالمئة مما أنجزه في سنةٍ واحدة؟" كانت شعائر الإسلام، أي رموزه ومعالمه وأحكامه ونظمه، تُقام واحدةً بعد الأخرى بأوامر ونواهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وفي الوقت نفسه ظل رسول الله ﷺ متيقظاً بعد أحداث أُحُد متخذاً كل التدابير اللازمة لحماية المدينة ومع أن جماعة المسلمين كانت تنمو يوماً بعد يوم فقد كانت لا تزال حول المدينة عدة قبائل يهودية وكان من بينها بنو النضير وهم قبيلةٌ غنيةٌ قوية ينتسبون إلى هارون عليه السلام كانوا يسكنون في حصونٍ منيعة على الطريق المؤدي إلى مكة على مسافة ساعتين من المدينة وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
عهدٌ ألا يعملوا ضد المسلمين، ولا يعاونوا أعداءهم لكنهم، مع ذلك، ظلوا يعقدون الاتفاقات السرية مع قريش ومع منافقي المدينة وخاصةً بعد غزوة أُحُد زادوا صلاتهم بالمشركين والمنافقين أكثر ولهذا، ولحوادث أخرى كثيرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يترقَّب أمرهم وليرى مدى وفاء بني النضير بعهد المدينة خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه فلما وصلوا إلى مساكن القوم استقبلته اليهود بحفاوةٍ في أول الأمر وأكدوا له أيضاً أنهم سيفُون بما عليهم من العهد "نحن معك، ونحن على عهدنا ووعدنا" لكنهم لما خلا بعضهم إلى بعض أخذوا يتناجون فيما بينهم "لن تجدوا فرصةً خيراً من هذه لقتل الرجل" "فلنصعد إلى ذلك السطح ونُلقي عليه صخرةً، فنستريح منه" وفي تلك اللحظة، تكلَّم أحد سادتهم، سلام بن مِشكم "والله، لئن فعلتم مثل هذا"
"لَيُخبَرَنَّ به بالوحي" "ثم إن في ذلك نقضاً للعهد الذي بيننا وبينه" "اسمعوا مني، واتركوا هذا الرأي" "وإلا كان ذلك هلاكَ اليهود" "وظهورَ الإسلام إلى يوم القيامة" وكما قال، فإن خطة الاغتيال الغادرة تلك أوحى بها جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله فجأةً، ومن غير أن يتكلم بكلمة وانصرف عن جانب البيت كأنه أراد حاجةً ثم اتجه مباشرةً راجعاً إلى المدينة وأما الصحابة الذين كانوا معه فانتظروا قليلاً وظنوا أنه سيعود فلما أدركوا أنه لن يرجع قاموا هم أيضاً وانصرفوا وبهذه المؤامرة الخبيثة، أظهر بنو النضير بوضوحٍ أنهم لم يعودوا أوفياء لعهدهم وفوق ذلك، فإن تعاونهم السرّي مع المنافقين ومساندتهم للمشركين كان أمراً لا يُقبَل فدعا رسول الله محمدَ بن مسلمة وأمره أن يذهب إلى بني النضير
ويبلغهم أن لهم عشرة أيامٍ ليخرجوا من المدينة "يقول رسول الله: لكم عشرة أيامٍ لتخرجوا من المدينة" فلما سمع بنو النضير هذا الأمر، لم ينكروا ذنبهم ووافقوا على الخروج، وشرعوا في الاستعداد فلما بلغ ذلك رأسَ المنافقين، عبدَ الله بن أُبيٍّ بن سلول اشتد انزعاجه فإن خرجوا، خسر حليفاً آخر وازداد سلطان المسلمين قوةً وثباتاً فسرعان ما دبَّر حيلةً ماكرة، ومن غير إبطاء أرسل رسالةً إلى اليهود "لا تخرجوا من دياركم ولا من أموالكم أبداً" "سأبعث إليكم ألفين من رجال قبائل العرب لينصروكم" "سيقاتلون معكم حتى آخر نَفَس" "وكذلك ستأتي يهود بني قريظة لنجدتكم" ومن شدة خوفه أرسل رأس المنافقين تلك الرسالة سراً فلما وصلت إلى بني النضير، غيَّروا رأيهم في الخروج وأرسلوا إلى رسول الله يقولون: "لن نخرج!" "فافعل ما بدا لك!"
وبعد هذا الجواب، صار ما يجب فعله واضحاً كان لا بد من محاصرة الحصن، وإخراج بني النضير منه فلما اكتملت الاستعدادات خرج رسول الله وأصحابه إلى أرض بني النضير وبعد أن صلّى العصر بين بساتينهم وحقولهم فرض الحصار على حصنهم، وكرَّر أمره "اخرجوا من المدينة" ولم يقتصر بنو النضير على رفض أمر النبي صلى الله عليه وسلم بل أجابوا بتحدٍّ قائلين: "الموت أهون علينا مما تدعونا إليه" "ولأن نموت أحب إلينا من أن نقبل بذلك" وبقي اليهود أياماً محصورين داخل حصونهم "لقد انقطعت السبل" "لا بد ان نستسلم ، لا طريق غير ذلك" وأما العون الذي وعدهم به رأس المنافقين عبد الله بن أُبيٍّ، فلم يأتِ أبداً ولن يأتي لأن تلك هي حقيقة المنافقين إخلاف الوعد، والكذب، والخداع فبعد كل شيء، فإن انتظار العون ممّن خان غيره من قبل ، كان أمراً
لا جدوى منه وطبعاً، لم يكن شيءٌ من هذا ممّا يُستغرَب فلما أدرك اليهود أنهم لم يعودوا قادرين على المقاومة وافقوا على الاستسلام، وطلبوا ألا يُؤذَوا فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبهم ولم يُصَب منهم أحدٌ بأذًى وأذن لهم أن يأخذوا من أموالهم ما حملت الإبل إلا السلاح وقبيل أن يغادروا المدينة ارتفع الدخان في السماء لكن من أين كان يتصاعد؟ ولم يطل الأمر حتى تبيَّن لقد كان اليهود يُحرقون بيوتهم بأيديهم حتى لا يسكنها المسلمون بعد رحيلهم ومع أن دماءهم قد عُصِمَت فقد خرجوا من المدينة وقلوبهم مملوءةً غضباً وحقداً لكن عداوتهم لم تنتهِ عند ذلك بل ستعود إلى الظهور فيما بعد وخلفهم، كان حلفاؤهم المنافقون يكتوون غيظاً فالقبيلة اليهودية التي كانوا يتآمرون معها سرّاً على المسلمين قد ذهبت لكن ذلك لم يمنعهم من
البحث عن وسائل جديدة لإثارة الفتنة وإشعال الاضطراب غير أن المشكلة لم تكن المنافقين وحدهم فأعداء الإسلام سيتركون خلافاتهم قريباً ويتّحدون للقضاء على المسلمين قضاءً تاماً وكانت معركةٌ عظيمة تنتظر رسول الله وأصحابه خططٌ حربية لم يُسبق لها مثيل واستعداداتٌ شاقةٌ وخيانات فمن الذي سيفوز هذه المرة؟ وهل سينجح المشركون أخيراً في بلوغ غايتهم؟ سنرى ذلك في الحلقة القادمة، إن شاء الله، فترقَّبوا