سيرة النبي محمد - أول سلسلة مصورة بتقنية الذكاء الاصطناعي في العالم! - يا رسول الله | الحلقة 1
نُشر في
سنعود إلى نقطة التحوّل في تاريخ البشرية إلى شبه الجزيرة العربية قبل نحو 1400 عام في هذه السلسلة المكوّنة من 15 جزءاً، سنستكشف سيرة النبي محمد ﷺ بصور وأساليب لم تروها من قبل أحياناً سنجد أنفسنا في بدايات الوحي وفي الاجتماعات السرّية للمسلمين في دار الأرقم وأحياناً أخرى، يعلو التشويق حين نشهد عمر رضي الله عنه وهو يمضي بثباتٍ نحو عُبّاد الأصنام في مكة "مَن يقتل محمداً، أجعل له مئةً من النوق الحمراء والسوداء" "هذا جزاء مَن يطيع محمداً" "فاتخذوا هذا تحذيراً" ستكون هناك أوقاتٌ نحزن فيها وتدمع أعيننا وأوقات نشعر فيها بالخوف وأوقات لا نستطيع فيها كتم الابتسام ولكن في معظم الأحيان، ستملأ السكينة قلوبنا من قصة نبيّ علّمنا كيف نجد طريق الخلاص حتى في أكثر المواقف بؤساً ويأساً سنتعلم كيف نتجاوز الطرق المسدودة في حياتنا نحن لن نكتفي بالنظر إلى الأحداث و المضيّ عنها بل سنسعى لفهم المعاني العميقة الكامنة خلفها هذه الرحلة ستقودك إلى طريقٍ جديدٍ تماماً ولإعادة اكتشاف حقيقتك هذه هي قصة أحب الخلق إلى الله رجلٌ ضحّى بحياته كلها لأمته والمنافقون يخونونه ويشوّهون سمعته مراراً و تكراراً وستكون هناك أوقاتٌ يبقى فيها جائعاً لأشهر وأوقات يفقد فيها أحبّته، فيدفنهم بيديه كان يدعو الناس دائماً إلى النور والهداية، وفي المقابل كان يُرمى بالحجارة "ما رأيت أحداً جاء على أهله بشرٍّ وفسادٍ" "مثل ما جئت أنت به" سيتعرض لمحاولات اغتيالٍ لا تُحصى ولكنه، ولا للحظة تخلَّ عن رسالته وفي النهاية، سيحقّق الله وعده لعبده المخلص ها نحن نبدأ رحلةً غير مسبوقة امتدت لثلاثٍ وعشرين سنة سنشهد قصة رجلٍ عظيم رجل بدأ وحده، ووقف في وجه العالم كله واليوم له أكثر من ملياري تابع إن كنتم مستعدين، فلنبدأ "صلّوا على محمد" هذه السلسلة المرئية تستند إلى مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثقة جميع الصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي أُعدّت بالتشاور مع علماء مسلمين مؤهلين وبما يوافق الضوابط الإسلامية في تلك الليلة التي خَفَّ فيها قيظ مكة وكان اليوم هو يوم الاثنين، من عام 571 كانت شوارع مكة الهادئة على وشك أن تشهد واحداً من أعظم أحداث التاريخ الإنساني كان عبد المطلب ينتظر هذه اللحظة منذ زمن وأخيراً، وصل الخبر السار لقد وضعت آمنة مولوداً ذكراً غمر الفرح قلبه غمراً فمنذ أن توفي ابنه عبد الله حُبّه ورعايته للجنين الذي كانت تحمله كنّته آمنة ازداد بشكل أقوى تخيل تلك الليلة يسرع عبد المطلب إلى بيته فيأخذ حفيده الوليد برفقٍ بين ذراعيه ويمضي به نحو الكعبة ويحمد ربه ويدعوه، ويسمّي المولود: محمداً "لِماذا اخترت هذا الاسم؟" "لأني أريد أن يَحمَده الله والناس" وكان هذا الاسم قد أُخبِرت به آمنة في رؤيا فلما أخبرَت عبد المطلب قرر أن يُسمّيه به ولادتها السالمة للأمانة التي خلّفها زوجها عبد الله أدخل راحةً وسكينةً عظيمة على قلب آمنة في تلك الأيام في مكة كان من الشائع أن يُرسَل الأطفال إلى المرضعات نساءٌ يقمن بإرضاعهم ورعايتهم حتى يبقوا مدةً بعيدين عن مناخ مكة الشديد كان فراق مولودها شديداً على قلب الأم ولكن كان لذلك سببان مهمّان الأول هو صحّة المولود إذ إن مناخ مكة لم يكن مثالياً للمواليد حديثي الولادة وأما الثاني فلتقوية اللغة ومَلَكة البيان لديه ففي ذلك العصر، كانت الفصاحة وحسن الخطاب في صميم المجتمع العربي كان الأطفال يُرسَلون إلى أرض بني سعد حيث ينشؤون في الصحراء والسهول الفسيحة ويتعلّمون العربية في أصفى وأجمل صورها وكانت المرضعات القادمات من تلك الديار يبحثن غالباً عن أطفالٍ من بيوتٍ ثريّة وعائلاتٍ ذات مكانة ونَسَب فمن خلال هذه الرابطة تتكوّن بينها وبين أهل الطفل صلةٌ وعهد وكان النبي ﷺ من أسرةٍ عريقةٍ في الشرف فجدّه عبد المطلب كان زعيم مكة السياسي ولكنه كان شيخاً كبيراً وقد توفي والد النبي قبل ولادته ولأنه كان يتيماً لم تُقبل أيٌ من المرضعات أن تأخذ طفل آمنة اذن مما الذي سيحدث الآن؟ ألن يأخذه أحد؟ أفيكبر في هذه المدينة ذات المناخ القاسي؟ وقفت آمنة في حالة عجزٍ وحزن تنظر إلى المرضعات وهنّ يأخذن الأطفال طفلاً بعد طفل ويغادرن مكة وفي تلك الأثناء، كان زوجان يُدعَيان حليمة وحارث قد وصلا متأخرين فقد كانت دابّتهما ضعيفةً وهرِمة، فيتبادلان ركوبها بحثت حليمة مراراً وتكراراً فلم تجد في مكة من يعطيها طفله لترضعه فوق كل ما عانته في طريقها للوصول ها هي تعود أخيراً خالية الوفاض وكان الجفاف قد أصاب ديارهم حتى إنهم كانوا يجدون مشقّة في إطعام أنفسهم وطغت الهموم على قلبها وفي غمرة هذه الأفكار الثقيلة إذا بها تُفاجأ برجل يقف أمامها عبد المطلب وبعد أن تحدّثا قليلاً عرفت منه حال حفيده فسألت زوجها حارث عمّا يرى "لم أجد طفلاً أرضعه" "ولا أريد أن أرجع خالية الوفاض أمام النساء" "لا بأس أن نأخذه" "لعلّ الله يجعل فيه لنا خيراً وبركة" لقد ظهرت أعظم البركات أمامها حين لم تكن تتوقع شيئاً لكن حليمة لم تكن تدري كم كان ما وجدته نفيساً وثميناً وفي المقابل، انظر إلى حال آمنة كانت قد فقدت زوجها الحبيب ولم تستطع أن تضع طفلها بين يديه مرةً واحدة وها هي الآن فوق ذلك كله تستعد لتفارق ولدها لكن لم يكن أمامها خيارٌ آخر وبعيونٍ دامعة سلّمت وديعة عبد الله، محمداً، إلى حليمة وكان عليها أن تبقى بعيداً عنه مدةً طويلة لن تشمّ رائحته، ولن تضمّه بين ذراعيها لن تشهد خطواته الأولى، ولن تسمع كلماته الأولى وبالنسبة للأم، فساعةٌ واحدة من فراق وليدها مؤلمة ولكن من أجل مستقبل ولدها، رضيت بهذا الفراق الطويل كان قلبها يتفتّت ألماً أما حليمة وأهلها، فقد كان بانتظارهم عهدٌ جديد فمع قدوم النبي ﷺ امتلأ بيتهم بالبركة والوفرة وحدث ما لم يصدّقه أحد فإذا بدابّتهم الضعيفة العجوز تقوى وتسرع وكان حليب حليمة قليلاً فلما أرضعت النبي ﷺ جرى حليبها وفاض وكان طفلها الوليد عبد الله كثير البكاء والاضطراب فلما رضع مع النبي ﷺ هدأ واستقر وأغنامهم التي كانت تعود جائعة بسبب القحط والجفاف أصبحت تجد المرعى وتعطي لبناً وفيراً امتلأ بيتهم بالبركة وكانت الديار من حولهم لا تزال تعاني من الجفاف وفي هذه الفترة، نشأ النبي نشأة طيبة جسدياً و عقلياً و روحياً وأخيراً انقضت أربعة أعوام مباركة والوقت قد حان وجب عليهم إعادة النبي ﷺ إلى أمه لم تستطع حليمة حبس دموعها لم تُرد أن تفارقه ضمّته وقبّلته مراراً لكن لم يكن لها خيارٌ آخر وبعد طول فراق عادت آمنة تلتقي بولدها من جديد صار كلما أرادت أن تمسك بيده، وجدته إلى جوارها كانا يتعانقان بقوة وكأنهما يعوّضان الأيام التي مضت و هما بعيدين ولم يريدا أن يفترقا أبداً وقد خفّف هذا اللقاء ألم تلك السنوات الطوال وبعد عامٍ ونصف من اجتماعها بولدها خرجت إلى المدينة تزور أهلها وقبر زوجها فلما بلغت القبر، ظهرت الحسرة في عيني آمنة وامتلأ قلبها شوقاً إلى الأيام التي قضتها مع زوجها وكأنها تفقده من جديد، ففاضت عيناها رسول الله ﷺ وُلد يتيماً فتح عينيه على الدنيا بلا أب لم يحظ بحرارة حبه ولا بعطفه وكان بيديه الصغيرتين يودّ لو يمسك بيد أبيه ولكنها لم تكن موجودة وفي تلك اللحظة، شعر بفقد أبيه مرةً أخرى لكنه في الوقت نفسه لم يحتمل رؤية أمه في هذا الحزن فبكيا معاً وكانت أمه بجانبه وذلك كان يمنحه بعض السلوى لكنّ وقت آمنة في الدنيا كان يوشك على الانتهاء فقد آن أوان لحاقها بزوجها وكان اجتماعها بولدها قصيراً وفي طريق عودتهما إلى مكة، مرضت آمنة وكان رسول الله ﷺ في السادسة من عمره فلما وصلا إلى موضعٍ يُقال له الأبواء، اشتد عليها المرض وكانت تتألّم ألماً شديداً غير أن أشد ما آلمها أمران: فراق ولدها، وأدراكها أنه في ذلك العمر الصغير سيعيش بلا أبٍ ولا أم وفي لحظاتها الأخيرة، نظرت إلى ولدها وكان في نظرتها ما يغني عن الكلام وقبل وفاتها بقليل، قالت لولدها: "كل حي ميت" "وكل جديد بال" "وكل كبير يفنى" "اي ان الحياة كلها مؤقتة و زائلة" " ثم أكملت وأنا ميتة" "وذكري باق" "وقد تركت خيراً وولدت طهراً" "يذكرني بخيرٍ دائماً" وبعدها خفت صوتها وسكن جسدها ولم يبق إلا صوت دموع النبي ﷺ وكان قلبه الرقيق يشتعل بألم لا يوصف فرحلةٌ خرج فيها لزيارة قبر أبيه خُتمت بدفن أمه أن يفقد أمه بعد أنه بالفعل قد فقد أباه كم من الأعوام سيظل صدى تلك اللحظات في سمعه!
فكلما نادى الصبيان "يا أمي"، طأطأ بصره نحو الأرض وبعينٍ دامعة يتذكر آخر لحظات أحب الناس إليه وفي تلك اللحظات، كانت حاضنته أم أيمن إلى جانبه تهدئ فؤاده الصغير وتمسح دموعه ومنذ ذلك اليوم، لم تزل تفيض عليه حباً ورعاية وتسعى لتعويض الفراغ الذي خلّفته أمه وظلت بقربه تخدمه حتى بلغ الخامسة والعشرين وتزوج وبعد نزول الوحي لم تتردد أن تبذل في سبيل الإسلام أعظم التضحيات وكان لها في قلب النبي ﷺ مكانٌ عظيم وقد غمرته من العطف والحنان ما جعله يقول عنها لاحقاً: "هي أمي بعد أمي" ولما عادوا إلى مكة أخذه جدّه عبد المطلب إلى كفالته وكان لا يفارقه حتى إنه لم يكن يجلس إلى الطعام إلا وحفيده معه وكان عبد المطلب سيد قومه فوُضعت وسادته أمام الكعبة وكان حتى أبناؤه لا يجلسون عليها ولكن حفيده محمد ﷺ ذو الست سنوات كان يجلس عليها لم يسمح لأحدٍ بان يجلس سواه وإن حاول أحد منعه قال له: "دعوا ابني" "فوالله إن له لشأناً" وفي سنٍ صغيرة، شهد كيف كان جدّه يدير مكة وكان كل ما يراه يهيئه ليكون قائداً في المستقبل وكان عبد المطلب يُكلّفه أحياناً ببعض المهام والأعمال وكان الحفيد يكنّ لجده احتراماً عظيماً وكان الجدّ يغمر حفيده عطفاً ورحمة وكانت العلاقة بينهما وثيقة غير أن هذه الصلة لم تدم طويلاً أيضاً فبعد عامين فقط، سيفقد ﷺ جدَّه ايضاً كلّ ما تعلّق به، أخذه الله منه واحداً تلو الآخر وكأن الله يقول له: "أنا وحدي سندك" وخلال حياته كلها سيفقد كثيراً من رفقائه أيضاً بل وسيفقد ستةً من أولاده السبعة وهو حي وكما سترون في كل حلقة من هذه السلسلة كان سيجتاز آلاماً ومحناً لا نهاية لها وبسبب أنه ذاق كل أنواع الألم والابتلاء صار يفهم كل شدةٍ تمرّ بها أمته وهكذا صار خير قائدٍ وقدوة لنا فلو انه عاش حياة سهلة بلا امتحان ولا مشقة فكيف يكون قدوةً للعالمين؟ وكان كل ما تلقاه من رحمةٍ وعطفٍ من الناس في سنواته الأولى كان كأنه انعكاسٌ لأشعة الشمس في عدة مرايا لكن صاحب الرحمة الحقيقي، الله تعالى، كان يزيل تلك المرايا بمعنى أنه كان يأخذ أحبّته واحداً تلو الآخر وبذلك كان الله يريه مصدر الرحمة الحقيقي ويعلّمه أن كل نعمةٍ منه وحده وأنه وحده الباقي، وأنه إن شاء أبقى من يشاء من عباده وإن شاء، جمع كل من تفرّقوا في دارٍ لا تنقضي، في الجنة وبهذا، كان الله يرسي قواعد الإيمان بالآخرة الذي سيوحيه له لاحقاً فإذا تأملت ما مرّ به النبي ﷺ في هذا العمر الصغير لم تستطع إلا أن تتأمل بعمق فكل تفصيلٍ في حياته كان بتقديرٍ دقيقٍ من الله وكل محنة وابتلاءٍ كان يزيده نضجاً وثباتاً لأنه في المستقبل سيُحمّل أمانةً ثقيلة جداً ومنذ أن كان رضيعاً، لم يُربَّ في المدينة بل في البوادي والسهول ولهذا كان ذا روحٍ حرّة وكان قوي البنية وكان ذو لسان فصيح وبينما ننتقل إلى المنزل الذي سيعيش فيه بعد الآن فإنه حتي الآن قد عاش في خمسة بيوت مختلفة وبهذه التجارب، تعلّم كيف يعيش مع طبائع مختلفة وفي كنف جدّه شهد كيف تُدار المدينة ولم يكن له والدان، لكن ربّته ثلاث شخصيات أمومية وثلاث أبوية لكل واحدةٍ منها طبعها وشخصيتها فإلى جانب أمه، كانت مرضعته حليمة وفي مقام الأب زوجها حارث وكانت حاضنته أم أيمن تعطيه حناناً أمومياً بطريقتها بينما كان جدّه عبد المطلب أباً له بطريقته الخاصة وأخيراً، ضمّه عمه أبو طالب تحت جناحه وكانت زوجته فاطمة بنت أسد تعامله بعنايةٍ وحنانٍ كتعاملهما مع أبنائها فلا تفرّق بينهم أبداً وقد لقي من الحب والرعاية ما جعله لاحقاً يصف هؤلاء النسوة الثلاث : "أمي بعد أمي" في "نحو الخلود" نعمل بجد لنقدم لكم هذه السلسلة بالذكاء الاصطناعي والآن نريد اعداد سلسلة جديدة عن الأنبياء والخلفاء الراشدين وبما أننا منظمة غير ربحية لا يمكن إنتاج هذه الأعمال إلا بدعمكم كما لاحظتم، لا توجد إعلانات في هذه السلسلة فمن أراد المشاركة في هذا الخير فليتبرع لـ "نحو الخلود" ولا يفوّت هذه الفرصة لم يكن شيءٌ في حياته صدفة بل كل مرحلةٍ ، حتى بلوغه الأربعين كان تهيئةً له لهذه النبوة الثقيلة لانه ما كان ينتظره بعد ذلك لم يكن سهلاً من ثِقل الوحي إلى سنوات الحصار، حين تُرك ليجوع حتي يتراجع عن رسالته وعذاب قريش في مكة "لئن رأيتُه يفعل ذلك" "لأطأنّ على رقبته، أو لأعفرنَّ وجهه في التراب" والمنافقون في المدينة وأراذل الطائف الذين قست قلوبهم ويوم الخندق، حين اجتمعت عليه العرب قاطبةً والحروب التي سيخوضها ومحاولات الاغتيال التي لا تُحصى ليتحمل كل ذلك، كان يحتاج إلى أصلٍ شديد وإرادةٍ لا تهتز ولهذا كل تفاصيل حياته قبل النبوة كانت منسوجةً بحكمة لقد بلغ الآن الثامنة من عمره ودخل البيت الذي وجد فيه أكبر قدرٍ من الحب والرعاية في حياته كلها بيت عمه أبي طالب ورغم انه بيت عمه فليس الأمر كما لو انك في بيت أبويك فلا يستطيع الابن أن يطلب من عمه أو عمته كما يطلب من أمه أو أبيه وقد يخشى أن يحسده أبناء عمه وهذا وحده يكفي ليردّه عن كثيرٍ مما يريد وفوق ذلك، لم يكن بيتاً غنياً فمرات كثيرةٍ كانوا يقومون عن الطعام ولم يشبعوا فمنذ صغره، عرف طعم الفقر ومع كل ذلك، جعل عمه وعمته يشعرانه بالانتماء ويعاملانه كأحد أبنائهما وأحياناً كانا يؤثرانه علىهم ولم يكن أبو طالب يذهب مكاناً إلا أخذه معه لا يفارقه ولا يغيب عن ناظره وكان يحدثه أحياناً كصديق وإذا لم يجده على مائدة الطعام، قال: "أين محمدي ﷺ؟ اذهبوا فادعوه" وكان النبي ﷺ ليس كغيره من الأطفال فلم يكن يبدأ الطعام قبل كبار السن وكان شكوراً حسن النظر فلما رأى مشقة عمه في الإنفاق على أهل البيت لم يقف دون أن يفعل شيء بدلاً من أن يقضي أيامه كالصغار أراد أن يعمل ويساعد في البيت فجاء إلى عمه وطلب أن يكون راعياً لغنمه وبذلك لا يحتاج أبو طالب أن يستأجر راعياً وكان ذلك طلباً مبكراً في سنه على غير عادة الأطفال ولم يكن عمه وعمته يريان فيه عبئاً بل كانا يكرهان أن يخرج ويقضي الساعات تحت شمس الصحراء الملتهبة ولكنه ﷺ أقنعهما بطريقةٍ ما وبدأ يرعى الغنم والرعي يحتاج صبراً عظيماً فمن خلاله تعلّم الصبر وتحمل المسؤولية وتعلم كيف يحفظ ما جُعل وديعةً لديه ورآها فرصةً ليبتعد عن صخب المدينة ويمضي الليالي وحيداً يتأمل النجوم في السماء، وعجائب الخلق في الأرض ولما بلغ الثانية عشرة، اضطر أبو طالب أن يخرج في قافلةٍ تجارية بسبب ضيق الحال وكانت الوجهة دمشق فلما سمع النبي ﷺ بذلك، حزن بشدة فلم يرد فراقاً جديداً فعمه الذي كان دائماً يلازمَه قد يغيب لأشهر وسيُحرم من محبته وحمايته وأُنسه وكان يتمنى أن يرافقه ولكن الذهاب في رحلة طويلة في هذا السن خطر ماذا لو حدث له شيء ﷺ؟ وماذا لو عجز أبو طالب عن حفظ أمانة أخيه؟ واتفق الجميع أنه لن يذهب لكن مهما قيل فمحبته لعمه كانت أقوى من كل خوف وبعد أيامٍ من الحزن، لم يحتمل أكثر وجاء إلى أبي طالب وقال بصوتٍ رقيقٍ مفعمٍ بالعاطفة: "يا عمّ، إلى من تكلني؟ وإلى من تتركني؟" "فإني لا أب لي ولا أم" وكانت هذه الكلمات تختصر كل ما يشعر به وكل ألم كان يحمله فلم يحتمل قلب أبي طالب ذلك لذا غيّر رأيه وحين اكتملت الاستعدادات، حان وقت رحيل القافلة فودّع عمته وأبناءها وكانت هذه بداية دخوله عالم التجارة وما تعلمه في تلك الرحلة كان زاداً وخبرةً أعانته كثيراً في السنين المقبلة وبدأ يدخل مرحلة الشباب شيئاً فشيئاً وللأسف، كان في مكة من الأخلاق والعادات ما هو سيء وقبيح وفي الجزء التالي من هذه الحلقة سنتحدث عن مدى فساد وقبح العادات الموجودة في تلك الفترة الفترة التي تُسمّى "عصر الجاهلية" وكل هذا يُثير سؤالاً مهماً: كيف حُفظ ﷺ في هذه الفترة؟ بمعني أخر : هل وقع في معصية قبل النبوة؟ وقد رُوي في ذلك حوادث عدة وسأذكر حادثتين مرةً كان هناك مجلس في مكة يجتمع فيه الشباب للهو، فدُعي النبي إليه وأراد أن يذهب ولو ذهب، ربما وقع في شيءٍ من المعصية وكان يعمل حينها راعياً فطلب من صاحبه أن يحفظ غنمه، ودخل مكة فجلس ينظر حوله وبعدها استيقظ على ضوء شمس الصباح إذ غلبه النعاس وبعد مدة، وقع ذلك مرةً أخرى ذهب، وجلس، وأراد أن ينظر ما حوله فغلبه النعاس مرةً ثانية لو أنه شارك في ذلك المجلس لربما شاهد أو انجرف إلى أمورٍ تتنافى لاحقاً مع مقام النبوة لكنّ الله حفظه وكذلك، على خلاف أكثر أهل مجتمعه لم يعبد صنماً قط، ولا أظهر له احتراماً ولا تعظيماً وكان الآن يقترب من سن الخامسة والعشرين وفي ذلك الحين، كان قد اشتهر بصدقه وأمانته في التجارة وكان أهل مكة يثنون على حسن خُلُقه حتي انهم أعطوه لقب "محمد الأمين" وكان كثير من الناس يودِعون عنده أموالهم "يا محمد" "هل تحفظ لي مالي وناقَتي؟" وحتى بعد نزول الرسالة لم يستردّ الذين عادَوه ما كانوا يودعوه عنده لأنهم ظلّوا يثقون به لكن ما لم يوافق مصلحتهم هو ما يدعوهم إليه وفي تلك الفترة، كانت قافلة تجارية كبيرة تستعد لرحلة طويلة وكانت تلك القافلة لخديجة بنت خويلد وكانت خديجة معروفة في مكة لا لنجاحها العظيم في التجارة فحسب بل لعفّتها وشرف أخلاقها أيضاً وكانت قد تزوّجت من قبل مرتين، وتوفي زوجاها ولما كان النبي ﷺ ممدوحاً بين التجار طلبته أن يدير قافلتها فلم يكن في مكة كلها مثله والنبي ﷺ قبل عرضها وأرسلت خديجة غلامها ميسرة ليُعينه، وليتأمل في سلوكه وأخلاقه عن قرب ثم يرجع ليخبرها بما يرى ومنذ أن خرجا في السفر، أخذ ميسرة يؤدي مهمته بعناية وكل ما رآه في هذا الشاب زاده إعجاباً وخلال الرحلة كلها كان النبي ﷺ شديد الحرص ألا يَظلِم أحداً وكان على خُلُق عظيم صادقاً أميناً، وقوراً في سَمتِه وكان يعتني بالنظافة عناية خاصة في طريق السفر أمرٌ محمود لكنه نادر في ذلك الزمن ثم حان الوقت ليرجع ميسرة ويخبر خديجة بكل ما شاهده "ما رأيت رجلاً أعظم منه" "كلما نزلنا منزلاً، وثق الناس به بلا تردد" فلما حدّث ميسرة خديجة بكل ما رأى من جميل خصال النبي ﷺ، تحرّك قلبها نحوه ولم يكن قد خطر ببالها أن تتزوج مرة أخرى ولكنها الآن غيّرت رأيها وكان المعتاد أن يأتي عرض الزواج من الرجل لكن إعجابها بالنبي ﷺ كان عميقاً ما جعلها أن تفكر أن تبعث بخِطبته لكن هناك فرقاً في السن فالنبي ﷺ في الخامسة والعشرين، وخديجة في الأربعين هل سيقبل؟ وماذا عساها أن تفعل؟ وكانت لها صديقة مخلصة مقرّبة تُدعى نفيسة بنت مُنيّة فأطلعتها على ما في قلبها وكان ما ينبغي على نفيسة فعله واضحاً أن تذهب إلى النبي ﷺ وتري إن كان يميل إلى خديجة أيضاً وكانت خديجة تُعرف بلقب "الطاهرة" وكانت من أشرف نساء قريش وأغناهن وقد خطبها كثير من رجال قومها فردّتهم جميعاً وكان من أسباب حقد أبي جهل الشديد على النبي ﷺ فيما بعد، أنه هو أيضاً رُدّت خِطبته وطبيعيّ أن امرأة تُعرف بالطاهرة لا ترضى بصاحب قلب فاسد متكبر وقد وجدت الآن خير مَن تُوافِقه فذهبت نفيسة إلى النبي ﷺ وقالت له: "يا محمد، ما يمنعك من التزوُّج؟" قال: "ما بيدي ما أتزوج به" قالت: "فإن كُفيتَ ذلك ودُعيتَ إلى الجمال والمال" "والشرف والكفاءة" "أفتقبل؟" قال النبي ﷺ: "فمَن هي؟" قالت: "خديجة بنت خويلد" قال: "وكيف لي بذلك؟" قالت: "عليّ ذلك" فقال ﷺ: "إذن أقبل" فرجعت نفيسة إلى خديجة، تخبرها بما جرى فامتلأ قلبها فرحاً يا لها من نعمة أن تُختار زوجاً لنبيٍّ من أنبياء الله!
وبعد وقتٍ غير طويل، التقيا وتحدّثا في الأمر فقالت له خديجة: "اذهب إلى عمي عمرو بن أسد واطلب منه أن يزوّجك إياي" أبو طالب، الذي كان دائماً كالأب للنبي ﷺ تقدم ليدعم قراره وليُتم له أمر الزواج وفي ذلك اليوم السعيد المبارك تمّ عقد النكاح، وكان مهرها عشرين ناقة وكان بيتٌ جميل محمودٌ في مكة يُشيَّد قلبان تعلّقا ببعض بشدة كانت أواصر المحبة بينهما لا تزيد إلا قوة ولم يكن في مكة بيتٌ أسعد ولا أروع قدوةً من بيتهما وبمرور الوقت، بارك الله البيت بالأولاد فجاء القاسم أولاً، ثم زينب ثم رقية، وأم كلثوم، وفاطمة وبعد البعثة، وُلد عبد الله لكن القاسم تُوفي وهو في الثانية وعبد الله وهو ابن ثلاثة أشهر كلاهما مات بسبب المرض يا لِهذا الألم الذي يعجز الوصف عنه لكل أبٍ وأمّ!
وأن يمرّا به مرتين لقد كانا يعيشان كل المشاعر معاً من أجمل لحظات السرور إلى أشد لحظات الحزن لكن في كل محنة، كانا يؤازران بعضهما وبهذا التماسك، وجدا القوة والسكينة والصبر فهي التي قال عنها رسول الله "ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها" "قد آمنت بي إذا كفر بي الناس" "وصدقتني إذ كذبني الناس" "وواستني بمالها إذ حرمني الناس" "ورزقني الله عز وجل ولدها" حتى إن جبريل عليه السلام، تأثّر بما قدّمته من إخلاصٍ وتضحية فقال للنبي ﷺ: "يا محمد، هذه خديجة قد أتتك، فأقرئها السلام من ربها" "ومني" هذه هي خديجة رضي الله عنها لنَعُد إلى قصتنا حتى الآن تشكلت حياة النبي ﷺ في ثلاث بيئات مختلفة قضى طفولته الأولى في أرض بني سعد، حيث رضع هناك وفيها ذاق حياة الصحراء ثم خرج مع أمه إلى المدينة، يزوران أقاربهما وأقام عند أخواله مدةً من الزمن وهناك، ذاق لأول مرة حقيقة الحياة في مدينة وأما الآن، فقد عاش في مكة سنين طويلة في قلب الفوضى التي تُسمّى الجاهلية في أظلم صورها وعلى مرّ السنين، رأى ظلماً وقسوةً لا تُحصى وعندما بلغ الخامسة والثلاثين، بدأ يمرّ بتغيّرات كبيرة في حياته، وفي حال قلبه وكانت هذه علاماتٍ على بدايةٍ جديدة فمع مجيء النبوة سيُزلزَل كل شيء في مكة من أساسه ولن يعود شيء كما كان ذات يوم، كانت طفلة صغيرة في وسط الصحراء مع أبيها بعيدةً عن الجميع وكان أبوها شارد الذهن يحفر حفرةً في الأرض وهي تحاول أن تفهم سبب ذلك لم تتلقَّ منه حناناً قط ولكنها كانت سعيدة في ذلك اليوم فلأول مرة، يفعلان شيئاً معاً هما الاثنان فقط وفي لحظةٍ ما، حاولت أن تساعد أباها في حفر الحفرة وكلما ازدادت الحفرة عمقاً،كلما ازدادت حيرتها أيضاً هل سيلعبان لعبة؟ كيف ستكون؟ وبينما هي تتساءل عمّا سيحدث شعرت فجأة بدفعةٍ، فإذا بها تهوي في الحفرة وكان أباها هو الذي دفعها ثم بدأ مسرعاً يهيل عليها التراب والطفلة التي لا تعرف لماذا هي هنا تعيش كابوساً حقيقياً كانت تُدفَن حيّةً على يد الشخص الذي تنتظر منه أعظم حبٍّ وحنان صرخاتها المستغيثة و هي تصارع للخروج بيدها الصغيرتين لم تُحرّك ضمير أبيها الفاسد ستموت هناك هكذا، بكل بساطة وتغدو صورةً من صور القسوة والوحشية التي طغت على تلك الأرض هذا المشهد المروّع، الذي يكاد يستحيل علينا حتى تصوّره وقع في شبه الجزيرة العربية في زمن الجاهلية، قبل الإسلام في ذلك الوقت، كانت البنت تُعدّ عاراً ونذير شؤم وكان بعض الآباء يقولون: "يوماً ما ستتزوج، وتأخذ ميراثنا لغرباء" وكانت هذه المعتقدات المنحرفة تكلّف بعض الفتيات حياتهن أو في أحسن الأحوال يعشن عمراً كاملاً دون أن يذقن حبّ الآباء ولم يقف الأمر عند هذا الحد حتى إذا كبرت الفتاة وتزوجت، عُدّت لا قيمة لها فلو مات زوجها وتركها مع أيتامها جاز لأي رجل أن يأتي ويدّعي ملكية بيتهم ولم يكن ذلك بدافع الإحسان بل كان الرجل يأخذ كل ما في البيت المال، والمتاع، بل وحتى الأسرة نفسها وفوق حرمانهم من نصيبهم الشرعي من الميراث كانوا يعاملونهم كالخدم سُرقت حياتهم وأحلامهم ومستقبلهم ولم تكن لهم أي قيمة بين الناس لكن المؤلم حقاً أنّه لم يكن هناك من ينهض للدفاع عن هؤلاء اليتامى أو عن أمهم الأرملة كيف يقوم أبٌ بقتل طفله المولود للتوّ؟ ولم تكن البنات فقط فبعض الناس كانوا يقتلون أولادهم يقتلون أولادهم خشية الفقر تخيّل نفسك أمّاً حينها انتظرتِ طفلك بكل صبر حلمت بذلك وبعد ذلك يُنتزع هذا الطفل من ذراعيك ليُقتل بيد أبيه كانت قلوبهن تشتعل ألماً لكنهن كنّ عاجزات تماماً فلا يستطعن فعل شيء ففي النهاية، هل كان أحد يُبالي بما يشعرن؟ لم تكن لهن قيمة في عيون الناس ولم يقف الأمر عند هذا أيضاً فكانت الثارات بين القبائل لا تنقطع فإذا قُتل رجل من قبيلةٍ معيّنة لم يكن هناك قانونٌ أو عدلٌ يُحتكم إليه وصار كل من ينتسب إلى القبيلة الأخرى في خطرٍ عظيم ففي أي وقتٍ، وفي أي مكان، يمكن أن يُقتل غيلةً وطفل بريء لا علاقة له بما يجري حوله قد يستيقظ يوماً وقد فَقَد أباه فيكبر يتيماً، تغلي في صدره مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام من القبيلة الأخرى وهكذا تستمر دائرة القتل بلا نهاية ولا أحد يملك إيقافها لم يكن هناك عدل وقد تحجّرت القلوب وصار الناس عبيداً لشهواتهم لا همّ لهم إلا نيل ما يشتهون شرب الخمر، والميسر، والكذب، والسرقة، والزنا، والظلم كل ألوان الفساد كانت سائدةً في الأرض ومع أن الشمس كانت تشرق في السماء ساطعةً فإن الجو الروحي كان يغرق في ظلماتٍ حالكة وكلما اشتدّت الظلمة، ازداد إدراكنا لِما في النور من بهاء سيشرق نور القرآن أولاً على هؤلاء القوم ويُخرجهم من ظلمات الجهل وستظهر الحلقة الأخيرة في سلسلة النبوة في هذه الأرض نفسها وتخاطب العالم كله وكانت لمكة ميزةٌ رئيسيةٌ أيضاً فقد كانت تتوسط شبه الجزيرة العربية في موقعٍ استراتيجي مما جعلها متميزة عن سائر الأقاليم وكانت تُقام فيها أسواقٌ تجارية كبرى تجتذب القوافل والقبائل من كل أطراف الجزيرة فأي رسالةٍ تبدأ من هنا يمكن أن تنتشر سريعاً إلى القبائل من حولها وفي غضون خمسة أو ستة أشهر فقط يمكن أن تبلغ حتى الإمبراطوريات القريبة ولم يكن في المنطقة موضع يملك هذا القدر من التأثير وعلى ما في الأمر من غرابة بقيت شبه الجزيرة العربية في مأمنٍ من غزو الممالك والإمبراطوريات المجاورة فكانت المسرح الأمثل لبعثة النبي فاصطفى الله مكة المدينة الذي تلتقي فيه الطرق كلها لتكون الموضع الذي يخرج فيه رسوله إلى الناس وبجانب كل هذه الأسباب، كان هناك عاملٌ آخر وراء مكانة مكة فقد كان للأسلاف مكانة عظيمة عندهم وهذه المدينة مثلت الرجل الذي أعتبروه أباهم الأول إبراهيم عليه السلام وهو من الأنبياء الذين رفعوا قواعد الكعبة وكانوا يوقّرون هذا البيت العتيق الذي بناه جدّهم ولكن لو سألتهم: ما الذي بقي حقاً من دعوة إبراهيم عليه السلام؟ لكان الجواب: لا شيء لم يبق إلا الشعيرة المعروفة بالحج وحتى هذه، تحوّلت إلى عادةٍ موروثة وقد أُفرغت معانيها شيئاً فشيئاً على أيدي أهل الجاهلية حتى إن منهم من كان يطوف بالكعبة عرياناً بلا ثياب ومنهم من كان يطوف مصفّقاً راقصاً وانقطعت صلتهم تماماً بروح هذا المكان المقدّس ومعناه و إبراهيم عليه السلام حارب الشرك ووقف بثباتٍ في وجه عبادة الأصنام أما اليوم، فالكعبة التي بناها بيديه قد أُحيطت بثلاثمئةٍ وستين صنماً وكان من أشهرها: اللات، ومناة، والعزّى، وهُبَل ومع أنهم أمنوا بالله إلا أن ما بقي لهم منه مجرد اسمه وأما سائر أسمائه وصفاته وأفعاله وسلطانه على الكون كلّه، فقد نسبوها إلى الأصنام لكن، هل كان كل أهل البلدة يعبدون الأصنام؟ وهل كان رسول الله ﷺ واحداً منهم؟ حاشاه فبعد قرونٍ من إبراهيم عليه السلام ظل هناك أفرادٌ قلائل متمسّكون بالحنيفية هم نفرٌ نادر لا يؤمنون إلا بالله وينبذون كل صور الشرك وكان هذا الإيمان بمثابة درعٍ روحي يحفظهم من الضلال في زمن ما قبل نزول الوحي وكان رسول الله ﷺ واحداً منهم لم يكن يطيق عبادة الأصنام ومع ذلك لم يتعرّض لعقائد الناس، ولم يحاول منعهم من ذلك وكان لهذا الموقف في سيرته حكمةٌ عظيمة لأنه لو فعل ذلك ، لقالوا حين جاء الإسلام: "، نحن نعرفك منذ صباك" "كنت دائماً تحاول أن تصدّنا" لم يمكنهم قول ذلك لأنه لم يدخل معهم في صراعٍ قط غير أنه منذ أن جاءه الوحي وبدأت رسالته أخذ ينذرهم إنذاراً واضحاً صريحاً فيَهْدي الله نفساً واحدةً تستنير فتكون سبباً في إيقاظ غيرها من القلوب النائمة والآن، لنرجع إلى بداية تلك اليقظة إلى رسول الله ﷺ وهو ابن خمسٍ وثلاثين سنة في يومٍ من الأيام، ارتفعت الأصوات حول الكعبة "نحن الأحقّ بوضع الحجر الأسود في الكعبة!" وكانت قبائل كَبني عدي، وبني تميم، وبني أمية كلٌّ يحاول أن يُثبت أنه الأفضل واشتد الجدال حتى أقسمت بعض البيوت أن تقاتل وأن تقتل من خالفها وتطايرت التهديدات من كل صوب فما السبب وراء كل هذه الفوضى ؟ المسألة كانت: من له شرف وضع الحجر الأسود في موضعه؟ لِنعد بضعَة أيام إلى الوراء فقد تقادمت الكعبة مع السنين ووهَن بنيانها "يجب أن نخجل" "بيتٌ مقدّس ورثناه عن أبينا إبراهيم" "أفيكون هذا مآله؟" فاجتمع وجهاء مكة واتفقوا أنه لا بد من إصلاح الأمر وفي تلك الأثناء، بلغهم خبر سفينةٍ وصلت إلى ميناء الشعيبة بالقرب من جدة وكانت تحمل من مواد البناء ما يناسب ما يحتاجون إليه فقرّروا شراء تلك المواد، وهدم الكعبة وبناءها من جديد ولإنجاز العمل سريعاً، جمعوا مالاً مشتركاً فتصدّق كل واحد بما يستطيع لأجل الكعبة ومع أن الزمان كان زمان جاهلية لم يُدخِلوا في هذا المال درهماً واحداً من الربا خشيةَ أن ينالهم عذاب الله فلم يشاؤوا أن يختلط بهذا العمل الشريف مالٌ يحمل في أصله دموع المظلومين وآلامهم وحين اكتمل ما يحتاجون من المال شرعوا جميعاً في إعادة بناء الكعبة وبقي أمرٌ واحد هو الذي سيُشعل نار التوتّر كلّه إعادة الحجر الأسود إلى موضعه وكان قد وُضع في مكانه قبل قرونٍ بيد النبي إبراهيم عليه السلام وبقي في مكانه منذ حينها واليوم، لم تكن قبيلةٌ لتتنازل عن هذا الشرف لغيرها كلُّ واحدةٍ تزعم أنها الأحقّ وتحاول إثبات فضلها على سائر القبائل " هذا الشرف لنا نحن!" "لا بل لنا نحن هذا الشرف!" حتى إن بعضهم حلف أن يقاتل غيره دونه "لن تنالوا هذا الشرف إلا على جثتي!" ومضت أربعة أو خمسة أيام دون أي حل وكان من المؤسف أن يتحوّل عملٌ بدأ بنيةٍ صالحة إلى نزاعٍ خطيرٍ بهذا الشكل ثم قام أكبرهم سناً وقال: "يا معشر قريش، ما دمتم لا تتفقون في هذا الأمر" "لْيَكُن أوّلَ من يدخل من هذا الباب حَكَماً بينكم" "ولْيَفصِل في هذه المسألة لكم" فوافق الجميع على هذا الرأي، وبدؤوا ينتظرون في صمت من سيكون أوّل من يمرّ من هذا الباب؟ ومضى بعض الوقت حتى ظهر رجل عند المدخل أخيراً وما إن رأوه حتى شعروا براحةٍ عظيمة "إنه الأمين" " محمد" "أيّاً ما يقرّره، فسنرضى به جميعاً" وكان الذي خرج رسول الله ﷺ وكانوا جميعاً يثقون به، وموقنين أنه سيختار حلاً يرضي الجميع ثم قصّوا عليه ما حدث "لقد فرّق بيننا خلافٌ شديد، وضاقت بنا السبل" "فاهدينا إلى حلٍّ قبل أن يستفحل النزاع بيننا" وبوجوهٍ يملؤها الشوق والفضول انتظروا قراره فكيف سيحل المشكلة؟ قال: "هلمّوا إليّ ثوباً" ولم يكونوا يدرون ما الذي ينوي أن يفعله أولاً، وضع الحجر الأسود في وسط الثوب ثم من كل قبيلةٍ طلب أن يتقدّم رجلٌ واحد يمسك بطرفٍ من أطرافه فحملوه جميعاً حتى بلغ موضع الكعبة ثم أخذ النبي ﷺ الحجر الأسود بيديه الشريفتين، ووضعه في مكانه وبذلك النزاع الذي استمر لأيام قد انتهي وسفكَ الدماء و الصراع قد تم تفاديه وقد زاد هذا الحدث من تقدير وإجلال الناس لرسول الله ﷺ ومجدداً رأى الجميع مبلغ أمانته وكنا قد ذكرنا هذه الصفة في المراحل الأولى من حياته فمتى ذُكر "الأمين" علم الناس من المقصود لا يمكن أن يكون إلا محمداً وقد تجلّت هذه الصفة في كل جوانب حياته مأموناً في تجارته، وفي بيته مأموناً إذا عاهد ووعد وموثوقاً عند الصغير والكبير وكانت هذه الصفة تترك أثراً لا يُنسى في قلوب الناس والحقيقة أن منْحه هذه الصفة كان تدبيرٍاً إلهياً عظيماً لإنه حين يحين وقت النبوّة لن يستطيع أحد أن يتّهمه بالكذب وحتى لو حاولوا ،سيكون كلامهم بدون أي أساس من الصحة فبينما كانت ثقة الناس برسول الله ﷺ تزداد في مكة كان شيءٌ في داخله يتغيّر يوماً بعد يوم، بدأ في أن يحب الخلوة فصار يبتعد عن الناس شيئاً فشيئاً فالكعبة التي قامت على توحيد إبراهيم الخالص عليه السلام أصبحت الآن محاطةً بالأصنام وأنواع الفجور والظلم والقسوة والسلوك غير الإنساني كان يملأ المدينة وكان عالمه الداخلي يصطدم أكثر فأكثر بما يراه من حوله في مكة ولم يعد يطيق ذلك فاتخذ قراراً غيّر مجرى حياته سينسحب من المجتمع ويبدأ في زيارة جبل النور بانتظام ولكن، ماذا كان يفعل هناك؟ كان يبحث عن السكون فقد ضاقت روحه وجُعلت الخلوة أحبّ الأشياء إليه كان يريد أن يخلو بنفسه مع الكون، ومع أفكاره يعبد ربّه، ويدعوه، ويتأمل في خلقه بصمت ومن أصلح الأماكن لذلك كلّه كان غار حراء وكان الله يهيّئه للوحي الذي سيأتي للنور الذي سينزل أخيراً وكان الطريق إلى قمة جبل النور 621 متراً وكان صعباً وشديد الانحدار وكان يمتحن قوته لكن حتى هذا لم يمنعه من الصعود وكان الشيء الذي سهّل عليه هذا الطريق كثيراً هو محبة ودعم زوجته خديجة رضي الله عنها فلم تكن تلومه بل كانت دائماً إلى جواره واستمرت هذه الرحلة الهادئة حتى بلغ الأربعين وغدا ذلك الغار أقرب رفيقٍ له وفي تلك الأثناء، كان الكون ينتظر ينتظر منذ سنين طويلة ينتظر نوراً يشقّ كل هذه الظلمات ففي الأرض، وفي السماء، وفي كل ذرةٍ صغيرة معانٍ خفيّة ولكن الناس لا يشعرون كل مخلوق كأنه حرفٌ من رسالةٍ كتبها الله لكن القليل من عرف كيف يقرأها وطال أمد الانقطاع عن الوحي الذي يشرح تلك الرسالة وكانت هذه الكائنات تناجي ربّها أن يُرسل إليها روحاً تقرأ رسالتها حتي جاءت تلك الليلة الفريدة العام 610 ميلادية يوم الاثنين من شهر رمضان وأما الليلة فكانت ليلة القدر الليلة التي ستختفي فيها الظلمات أخيراً كان النبي في الأربعين من عمره وكان في غار حراء، يقضي وقته في التأمل العميق والدعاء والعبادة وكانت سكينة عميقة تملأ المكان وكان الليل حالك الظلام إلا من ضوء القمر المنير كالمصباح ولم يكن يدري ما الذي ينتظره ثم جاء موعد ذلك اللقاء العظيم فجأةً، امتلأ الغار بالنور نورٍ ساطعٍ يخطف الأبصار ومن وسط ذلك النور، ظهرت هيئة وكان هذا مَلَك الوحي، جبريل عليه السلام قد تجسّد في صورة رجل، وجاء بأمرٍ من الله لمن سيكون خاتم الأنبياء وكان النبي ﷺ، وقد غمره الذهول يحاول أن يستوعب ما يجري ثم جاءه أول أمر وأول بشارة قال جبريل: "اقرأ" فقال النبي: "ما أنا بقارئ" فعانقه المَلَك وضمّه ضمّاً شديداً ثم أرسله وقال مرة أخرى: "اقرأ" لكن النبي ﷺ أعاد الجواب نفسه فعاوده جبريل بالضمّ مرة ثانية، وقال: "اقرأ" ولم يكن في يده كتابٌ يقرؤه فأعاد النبي ﷺ أنه لا يُحسن القراءة ثم احتضنه جبريل للمرة الثالثة حتى بلغ منه الجهد، وشعر النبي ﷺ أنه لا طاقة له وعندها، في غاية العجز، قال: "ما أقرأ؟" فبدأ جبريل عليه السلام يتلو: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ" "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ" "الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ" "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" ولم يكن يُسمَع في الغار كله إلا صوت الوحي "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ" "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ" "الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" تلك كانت أوائل آيات الوحي التي نزلت على نبينا ﷺ وكان لا يقرأ ولا يكتب ولكنه من تلك اللحظة فصاعداً سيُعلِّم العالم كله معنى القراءة حقاً فمع القرآن في قلبه سيكون هو مُفسِّر "كتاب الكون" ومن كل لوحةٍ من لوحات الخلق سيكشف توقيع الصانع، الله سبحانه فسيُفهم أن جمال الزهرة إنما هو انعكاسٌ لاسمٍ من أسماء الله، "الجميل" وأن حنان الأم انعكاسٌ لاسم الله، "الرحمن" وأن تحوّل الطعام الذي تأكله الأم إلى لبنٍ طاهرٍ مغذٍّ لرضيعها هو مظهرٌ لاسم "الرزّاق" وأن تلك النحلة التي لا علم لها بطبيعة أجساد البشر تطير من زهرةٍ إلى زهرة وتنتج عسلاً يكون شفاءً لأبدانهم هو تجلٍّ لاسم الله سبحانه "الشافي" صحيح؟ وكان الناس يظنون أن الكون بلا غاية وأنه يموج بالمصادفات والعبث ويرون الدنيا دار حزنٍ وخسارة ويظنون أن مَن مات فيها لا يعود أبداً أما الآن، فستبدأ ظلمات الجهل تلك في التراجع وتُفهم أسرار الكون شيئاً فشيئاً وتُفتح أبوابه المغلقة واحداً بعد الآخر لقد أصبح الآن رسول الله محمداً، صلى الله عليه وسلم تخيّل تلك اللحظة كان خائفاً لم يدر ماذا يفعل كل ما أراده هو أن يعود إلى بيته بأسرع ما يمكن خرج من غار حراء وقلبه يخفق خوفاً وأسرع في النزول من الجبل متجهاً إلى المكان الوحيد الذي يجد فيه الأمان إلى خديجة فهي الوحيدة التي يمكن أن تفهمه حقاً لقد كان بحاجةٍ إلى كلماتها التي تطمئنه حتى وصل إلى بيته وكان متعباً يعلوه العرق، لا يكاد ينطق ولم تخرج من فمه إلا جملة واحدة "زمّلوني، زمّلوني" اذن ماذا فعلت أمُّنا خديجة؟ فعلت ما طلبه على الفور ولم تأتِ بشيءٍ يكدّر خاطر رسول الله ساعدته أن يضطجع ، وغطّته، وبقيت بجانبه ثم بدأ النبي يحدّثها عمّا جرى "لقد خشيت على نفسي يا خديجة" "أخاف أن يكون قد أصابني شيء" ولم تجبه أمُّنا بالهلع ولم تزِد خوفه بل كانت كلماتها هي ما يحتاجه قلبه تماماً: "كلا، والله لا يخزيك الله أبداً" وكان هذا كافياً ليهدأ كل شيء ثم تابعت تقول: "إنك لتصل الرحم" "وتحمل الكلَّ وتكسب المعدوم" "وتُقري الضيف" "وتُعين على نوائب الحق" وكل كلمةٍ تقولها كانت تزيده سكينةً وطمأنينة ولذلك كان أأمن ملجأٍ له هو خديجة رضي الله عنها فماذا سيكون بعد ذلك؟ كان على خديجة أن تبحث وتسأل عن الأجابة فأخذت نبينا ﷺ إلى ابن عمّها ورقة فمن هو ورقة؟ كان ورقة بن نوفل عالماً من علماء أهل الكتاب له علمٌ بالوحي الذي سبق يعرف النصرانية واليهودية ومعنى النبوّة وكان نصرانياً جاوز الثمانين من عمره فربما استطاع أن يعينهما وأخيراً، وصلا إلى بيت ورقة وبدآ يحدّثانه بما وقع وكان ورقة يزداد انفعالاً وكلما سمع أكثر، زاد عجبُه أكثر و أكثر حتى كأنما الشباب يعود إلى وجهه وجعل يرفع صوته قائلاً: "قدوس، قدوس!" يكرّر اسماً من أسماء الله فلما فرغوا من الحديث، بدأ يعلّق على ما سمع "هذا روح القدس" "هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى" "إنه الناموس الأكبر" "وإنك لنبيّ هذه الأمّة" ثم تابع، ولكن كلماته هذه المرة ستُزلزل قلب رسول الله ﷺ: "يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً" "إذ يخرجك قومك" فصُدم النبي ﷺ وقال: "أوَ مُخرِجيَّ هم؟" لقد أدهشه ما سمع فإلى أن بلغ الأربعين لم يكن له عدوٌّ واحدٌ ولا خصومة وكان الجميع يعرفه ويثق به فقال ورقة: "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به" "إلا عُودي من قومه" "وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً" وانقضت تلك الليلة على هذا الحال وبعد ما جرى من حديث، عادا إلى بيتهما وبعدها بفترة ، ظهر جبريل عليه السلام إلى رسول الله مرة أخرى وأخذه إلى وادٍ خارج مكة يُعرف بأبي دُبّ وهناك ضرب الأرض بعقبه، فجرى ماءٌ صافٍ ثم علّمه كيفية الوضوء وبعد ذلك علّمه كيفية الصلاة وفي ذلك الوادي صلّى رسول الله ﷺ أول ركعتين في حياته ففي اليوم الأول، تعلّم أعظم حقيقة في هذا الكون: الإيمان وفي اليوم التالي، تعلّم ثاني أعظم حقيقة: الصلاة نعم، ستكون الصلاة بعد ذلك عمودَ سندٍ لرسول الله ﷺ ودرعاً روحياً أمام ما سيواجهه من الابتلاءات فلما صارت الصلاة جزءاً من حياته صار يحمل أمانة النبوة بقوةٍ أعظم فلما عاد إلى بيته، كان أول مَن أخبره بأمر الصلاة أمُّنا خديجة فصلّى النبي إماماً وخديجة رضي الله عنها خلفه مأمومة ولم تكن لترضى أن يسبقها أحد إلى هذا الشرف ثم انضمّ إليهما أولادهما فوقفوا جميعاً بين يدي ربهم الواحد راكعين ساجدين يغذّون أرواحهم، ويحيون قلوبهم ويشكرون الله تعالى علي نعمه التي لا تُحصى ومجدداً نري كيف أن هذا البيت هو أكثر البيوت سكينةً في مكة كلّها وفي أثناء تلك الصلوات كان طفلٌ يراقبهم من الخلفٍ في صمت وكان عمره عشر سنوات وكان اسمه علي وهو ابن أبي طالب، عمّ رسول الله ﷺ وما رآه كان غريباً ، لكنه هزّ قلبه فلما انتهت الصلاة، ذهب لرسول الله ﷺ وسأله: "ما هذا؟" فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام ولم يقبل عليٌّ الرسالة فوراً فقد أراد أن يستأذن أباه أولاً ثم بعد أن فكّر في الأمر قال: "إن الله خلقني ولم يستأذن أبا طالب" "فَلِمَ أستأذنه أنا في عبادة الله؟" ثم عاد إلى النبي ﷺ فأسلم فصار علي أول طفلٍ يدخل الإسلام وفي الأيام الأولى، لم يكن رسول الله ﷺ يُعلن نبوّته جهراً لم يكن يدعو الجميع بل أفراداً معدودين وكان يكتم الأمر ولكن الخبر انتشر بطريقةٍ ما حتى بلغ سادة قريش وحان الوقت ليميز الله أعلى علّيّين عن هؤلاء من هم في أسفل سافلين بمعنى أخر: ليميز الله الخبيث من الطيب معدنُ قلب أبي بكر وحقيقة قلب أبي لهب سيظهر قريباً وكان أبو بكر حينها قد عاد من رحلةٍ تجاريةٍ في اليمن وكان من أعظم رجال قريش قدراً تاجراً ناجحاً ومن الحنفاء الموحدين وكان صديقاً مقرباً لرسول الله ﷺ منذ سنين طويلة وكان أصغر منه بسنتين فجاءه أبو جهل وبعض سادة قريش يزورونه فسأل أبو بكر: "ما الذي وقع في مكة في غيابي؟" "هل من خبر؟" "هناك أمرٌ عظيم" "إن يتيم أبي طالب، محمداً ﷺ، قد ادّعى النبوة" "ورأينا أن ننتظر عودتك من اليمن" "فالآن، اذهب إلى صاحبك وافعل ما ينبغي فعله" كانوا يظنون أنه سيقنع النبي ﷺ بترك ما هو عليه ولكن أبا بكر كان يحمل في قلبه شيئاً مختلفاً تماماً فقد دخل في حالٍ من التأمل العميق مؤخراً وما سمعه اليوم وافق ما كان يجول في خاطره وقد فهم الآن ما قاله المعبّرون عن تفسير رؤياه فقد رأى في المنام أن نبياً سيظهر في مكة وأنه سيتبعه والآن اتضح كل شيء ففكّر في كلام سادة قريش وكان يعرف رسول الله ﷺ منذ سنين صديقه المقرب وكان يثق به تماماً ويعلم أنه لا يكذب أبداً فلم تخرج من فمه كذبة واحدة طوال حياته وفوق هذا، كان يعلم يقيناً أنه لا يمكن أن يكذب على الله أبداً وانه يخشى الله تعالى وان له عقلٍ راجح لن يأتي بشيء بلا حكمة او به عبثٌ أو ضرر ولم يُظهر أبو بكر مشاعره لأولئك الزائرين لكنه كان فرِحاً فلما غادروا، أسرع إلى بيت رسول الله ﷺ وكان متشوقاً أن يعرف حقيقة الأمر فقال له: "يا أبا القاسم، أحقٌّ أنك تدّعي النبوّة؟" "وأنك قد فارقت قومك" "وأنك أنكرت دين آبائك؟" وكان النبي ﷺ يعلم أن هذا الصديق لن يعرض عن الحق ولهذا دعاه إلى الإسلام وبعد سنين، وصف النبي ﷺ ذلك اليوم وقال: "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر" "إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته، ولا تردد فيه" فآمن أبو بكر من اللحظة الأولى وكان من أول أهل الإسلام ولم يفارق النبي ﷺ بعد ذلك أبداً ولا تخلى عن هذا الدين وكان لإسلام أبي بكر تأثيرٌ بالغٌ جداً فقد بدأ عدد المسلمين يزداد يوماً بعد يوم لأنه لم يقف بلا عمل فمن الغد مباشرةً، بدأ يُعرّف أصحابه الموثوقين بالإسلام بعض الأسماء التي كُتبت بأحرفٍ من ذهب في تاريخ الإسلام دخلته من خلال أبي بكر عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون وكثير من أصحاب النبي ﷺ المشهورين دخلوا الإسلام من خلاله وفي الوقت نفسه، بدأت النساء جهودهنّ لنشر الإسلام فزوج النبي ﷺ خديجة وبناته زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وزوجة عمّه العباس، أم الفضل وأخت عمر، فاطمة وبنت أبي بكر، أسماء بذلت كل واحدةٍ منهنّ نفسها للحق الذي أيقظ قلوبهن فكانت النساء تفكرن كيف يوصِلن دواء الإيمان إلى نساءٍ أخريات، والرجال إلى رجال فقد وجدوا شفاء كل جراح أرواحهم: الإيمان فكيف يسكنون؟ لم يستطيعوا أن يكونوا أنانيين فحولهم أناسٌ لا يُحصون بحاجةٍ إليه ولا يشعرون بذلك وكان لا بد أن يصل هذا النور إلى كل واحدٍ منهم ولكن ما دخلوا فيه لم يكن بهذه البساطة فالأمر يعني الوقوف في مواجهة مكة كلها وكان الثمن باهظاً جداً فدخول هذا الدين يحتاج لقلباً شجاع فبسائر عادات الجاهلية القبيحة لم يكن سادة مكة ليُعجبهم هذا التغيير بل سيُعارضونه بشدة وكانت أيامٌ شديدة وقاسية تنتظر المسلمين وحان الوقت ليظهر من كان قلبه كالماس ومن كان قلبه كالفحم " أريدك أن تكفر بمحمد وأن تعبد هذا الصنم" "هذا جزاء مَن يطيع محمداً" "فاتخذوا هذا تحذيراً!" في الحلقة القادمة، سترون ما هي الابتلاءات الصعبة التي مرّ بها المسلمون وكيف أن الإسلام وصل إلينا بعد معاناة عظيمة إن سيرة نبينا ﷺ كانت نقطة التحول في تاريخ البشر ولا تزال، إلى يومنا هذا، تبعث بداياتٍ جديدة لكل من يستمع لها بقلبٍ منفتح ويتفكر فيها إن شاء الله، حين تُتمّون هذه السلسلة ذات الخمسة عشر جزءاً سترون فرقاً واضحاً بين ما كنتم عليه قبلها وما صرتم عليه بعدها وستعيدون اكتشاف أنفسكم ولا تنسوا أن تشاركوا المقطع مع أصدقائكم فكلما شاهدوه، إن شاء الله كان لكم الأجر أيضاً نراكم في الحلقة القادمة
فكلما نادى الصبيان "يا أمي"، طأطأ بصره نحو الأرض وبعينٍ دامعة يتذكر آخر لحظات أحب الناس إليه وفي تلك اللحظات، كانت حاضنته أم أيمن إلى جانبه تهدئ فؤاده الصغير وتمسح دموعه ومنذ ذلك اليوم، لم تزل تفيض عليه حباً ورعاية وتسعى لتعويض الفراغ الذي خلّفته أمه وظلت بقربه تخدمه حتى بلغ الخامسة والعشرين وتزوج وبعد نزول الوحي لم تتردد أن تبذل في سبيل الإسلام أعظم التضحيات وكان لها في قلب النبي ﷺ مكانٌ عظيم وقد غمرته من العطف والحنان ما جعله يقول عنها لاحقاً: "هي أمي بعد أمي" ولما عادوا إلى مكة أخذه جدّه عبد المطلب إلى كفالته وكان لا يفارقه حتى إنه لم يكن يجلس إلى الطعام إلا وحفيده معه وكان عبد المطلب سيد قومه فوُضعت وسادته أمام الكعبة وكان حتى أبناؤه لا يجلسون عليها ولكن حفيده محمد ﷺ ذو الست سنوات كان يجلس عليها لم يسمح لأحدٍ بان يجلس سواه وإن حاول أحد منعه قال له: "دعوا ابني" "فوالله إن له لشأناً" وفي سنٍ صغيرة، شهد كيف كان جدّه يدير مكة وكان كل ما يراه يهيئه ليكون قائداً في المستقبل وكان عبد المطلب يُكلّفه أحياناً ببعض المهام والأعمال وكان الحفيد يكنّ لجده احتراماً عظيماً وكان الجدّ يغمر حفيده عطفاً ورحمة وكانت العلاقة بينهما وثيقة غير أن هذه الصلة لم تدم طويلاً أيضاً فبعد عامين فقط، سيفقد ﷺ جدَّه ايضاً كلّ ما تعلّق به، أخذه الله منه واحداً تلو الآخر وكأن الله يقول له: "أنا وحدي سندك" وخلال حياته كلها سيفقد كثيراً من رفقائه أيضاً بل وسيفقد ستةً من أولاده السبعة وهو حي وكما سترون في كل حلقة من هذه السلسلة كان سيجتاز آلاماً ومحناً لا نهاية لها وبسبب أنه ذاق كل أنواع الألم والابتلاء صار يفهم كل شدةٍ تمرّ بها أمته وهكذا صار خير قائدٍ وقدوة لنا فلو انه عاش حياة سهلة بلا امتحان ولا مشقة فكيف يكون قدوةً للعالمين؟ وكان كل ما تلقاه من رحمةٍ وعطفٍ من الناس في سنواته الأولى كان كأنه انعكاسٌ لأشعة الشمس في عدة مرايا لكن صاحب الرحمة الحقيقي، الله تعالى، كان يزيل تلك المرايا بمعنى أنه كان يأخذ أحبّته واحداً تلو الآخر وبذلك كان الله يريه مصدر الرحمة الحقيقي ويعلّمه أن كل نعمةٍ منه وحده وأنه وحده الباقي، وأنه إن شاء أبقى من يشاء من عباده وإن شاء، جمع كل من تفرّقوا في دارٍ لا تنقضي، في الجنة وبهذا، كان الله يرسي قواعد الإيمان بالآخرة الذي سيوحيه له لاحقاً فإذا تأملت ما مرّ به النبي ﷺ في هذا العمر الصغير لم تستطع إلا أن تتأمل بعمق فكل تفصيلٍ في حياته كان بتقديرٍ دقيقٍ من الله وكل محنة وابتلاءٍ كان يزيده نضجاً وثباتاً لأنه في المستقبل سيُحمّل أمانةً ثقيلة جداً ومنذ أن كان رضيعاً، لم يُربَّ في المدينة بل في البوادي والسهول ولهذا كان ذا روحٍ حرّة وكان قوي البنية وكان ذو لسان فصيح وبينما ننتقل إلى المنزل الذي سيعيش فيه بعد الآن فإنه حتي الآن قد عاش في خمسة بيوت مختلفة وبهذه التجارب، تعلّم كيف يعيش مع طبائع مختلفة وفي كنف جدّه شهد كيف تُدار المدينة ولم يكن له والدان، لكن ربّته ثلاث شخصيات أمومية وثلاث أبوية لكل واحدةٍ منها طبعها وشخصيتها فإلى جانب أمه، كانت مرضعته حليمة وفي مقام الأب زوجها حارث وكانت حاضنته أم أيمن تعطيه حناناً أمومياً بطريقتها بينما كان جدّه عبد المطلب أباً له بطريقته الخاصة وأخيراً، ضمّه عمه أبو طالب تحت جناحه وكانت زوجته فاطمة بنت أسد تعامله بعنايةٍ وحنانٍ كتعاملهما مع أبنائها فلا تفرّق بينهم أبداً وقد لقي من الحب والرعاية ما جعله لاحقاً يصف هؤلاء النسوة الثلاث : "أمي بعد أمي" في "نحو الخلود" نعمل بجد لنقدم لكم هذه السلسلة بالذكاء الاصطناعي والآن نريد اعداد سلسلة جديدة عن الأنبياء والخلفاء الراشدين وبما أننا منظمة غير ربحية لا يمكن إنتاج هذه الأعمال إلا بدعمكم كما لاحظتم، لا توجد إعلانات في هذه السلسلة فمن أراد المشاركة في هذا الخير فليتبرع لـ "نحو الخلود" ولا يفوّت هذه الفرصة لم يكن شيءٌ في حياته صدفة بل كل مرحلةٍ ، حتى بلوغه الأربعين كان تهيئةً له لهذه النبوة الثقيلة لانه ما كان ينتظره بعد ذلك لم يكن سهلاً من ثِقل الوحي إلى سنوات الحصار، حين تُرك ليجوع حتي يتراجع عن رسالته وعذاب قريش في مكة "لئن رأيتُه يفعل ذلك" "لأطأنّ على رقبته، أو لأعفرنَّ وجهه في التراب" والمنافقون في المدينة وأراذل الطائف الذين قست قلوبهم ويوم الخندق، حين اجتمعت عليه العرب قاطبةً والحروب التي سيخوضها ومحاولات الاغتيال التي لا تُحصى ليتحمل كل ذلك، كان يحتاج إلى أصلٍ شديد وإرادةٍ لا تهتز ولهذا كل تفاصيل حياته قبل النبوة كانت منسوجةً بحكمة لقد بلغ الآن الثامنة من عمره ودخل البيت الذي وجد فيه أكبر قدرٍ من الحب والرعاية في حياته كلها بيت عمه أبي طالب ورغم انه بيت عمه فليس الأمر كما لو انك في بيت أبويك فلا يستطيع الابن أن يطلب من عمه أو عمته كما يطلب من أمه أو أبيه وقد يخشى أن يحسده أبناء عمه وهذا وحده يكفي ليردّه عن كثيرٍ مما يريد وفوق ذلك، لم يكن بيتاً غنياً فمرات كثيرةٍ كانوا يقومون عن الطعام ولم يشبعوا فمنذ صغره، عرف طعم الفقر ومع كل ذلك، جعل عمه وعمته يشعرانه بالانتماء ويعاملانه كأحد أبنائهما وأحياناً كانا يؤثرانه علىهم ولم يكن أبو طالب يذهب مكاناً إلا أخذه معه لا يفارقه ولا يغيب عن ناظره وكان يحدثه أحياناً كصديق وإذا لم يجده على مائدة الطعام، قال: "أين محمدي ﷺ؟ اذهبوا فادعوه" وكان النبي ﷺ ليس كغيره من الأطفال فلم يكن يبدأ الطعام قبل كبار السن وكان شكوراً حسن النظر فلما رأى مشقة عمه في الإنفاق على أهل البيت لم يقف دون أن يفعل شيء بدلاً من أن يقضي أيامه كالصغار أراد أن يعمل ويساعد في البيت فجاء إلى عمه وطلب أن يكون راعياً لغنمه وبذلك لا يحتاج أبو طالب أن يستأجر راعياً وكان ذلك طلباً مبكراً في سنه على غير عادة الأطفال ولم يكن عمه وعمته يريان فيه عبئاً بل كانا يكرهان أن يخرج ويقضي الساعات تحت شمس الصحراء الملتهبة ولكنه ﷺ أقنعهما بطريقةٍ ما وبدأ يرعى الغنم والرعي يحتاج صبراً عظيماً فمن خلاله تعلّم الصبر وتحمل المسؤولية وتعلم كيف يحفظ ما جُعل وديعةً لديه ورآها فرصةً ليبتعد عن صخب المدينة ويمضي الليالي وحيداً يتأمل النجوم في السماء، وعجائب الخلق في الأرض ولما بلغ الثانية عشرة، اضطر أبو طالب أن يخرج في قافلةٍ تجارية بسبب ضيق الحال وكانت الوجهة دمشق فلما سمع النبي ﷺ بذلك، حزن بشدة فلم يرد فراقاً جديداً فعمه الذي كان دائماً يلازمَه قد يغيب لأشهر وسيُحرم من محبته وحمايته وأُنسه وكان يتمنى أن يرافقه ولكن الذهاب في رحلة طويلة في هذا السن خطر ماذا لو حدث له شيء ﷺ؟ وماذا لو عجز أبو طالب عن حفظ أمانة أخيه؟ واتفق الجميع أنه لن يذهب لكن مهما قيل فمحبته لعمه كانت أقوى من كل خوف وبعد أيامٍ من الحزن، لم يحتمل أكثر وجاء إلى أبي طالب وقال بصوتٍ رقيقٍ مفعمٍ بالعاطفة: "يا عمّ، إلى من تكلني؟ وإلى من تتركني؟" "فإني لا أب لي ولا أم" وكانت هذه الكلمات تختصر كل ما يشعر به وكل ألم كان يحمله فلم يحتمل قلب أبي طالب ذلك لذا غيّر رأيه وحين اكتملت الاستعدادات، حان وقت رحيل القافلة فودّع عمته وأبناءها وكانت هذه بداية دخوله عالم التجارة وما تعلمه في تلك الرحلة كان زاداً وخبرةً أعانته كثيراً في السنين المقبلة وبدأ يدخل مرحلة الشباب شيئاً فشيئاً وللأسف، كان في مكة من الأخلاق والعادات ما هو سيء وقبيح وفي الجزء التالي من هذه الحلقة سنتحدث عن مدى فساد وقبح العادات الموجودة في تلك الفترة الفترة التي تُسمّى "عصر الجاهلية" وكل هذا يُثير سؤالاً مهماً: كيف حُفظ ﷺ في هذه الفترة؟ بمعني أخر : هل وقع في معصية قبل النبوة؟ وقد رُوي في ذلك حوادث عدة وسأذكر حادثتين مرةً كان هناك مجلس في مكة يجتمع فيه الشباب للهو، فدُعي النبي إليه وأراد أن يذهب ولو ذهب، ربما وقع في شيءٍ من المعصية وكان يعمل حينها راعياً فطلب من صاحبه أن يحفظ غنمه، ودخل مكة فجلس ينظر حوله وبعدها استيقظ على ضوء شمس الصباح إذ غلبه النعاس وبعد مدة، وقع ذلك مرةً أخرى ذهب، وجلس، وأراد أن ينظر ما حوله فغلبه النعاس مرةً ثانية لو أنه شارك في ذلك المجلس لربما شاهد أو انجرف إلى أمورٍ تتنافى لاحقاً مع مقام النبوة لكنّ الله حفظه وكذلك، على خلاف أكثر أهل مجتمعه لم يعبد صنماً قط، ولا أظهر له احتراماً ولا تعظيماً وكان الآن يقترب من سن الخامسة والعشرين وفي ذلك الحين، كان قد اشتهر بصدقه وأمانته في التجارة وكان أهل مكة يثنون على حسن خُلُقه حتي انهم أعطوه لقب "محمد الأمين" وكان كثير من الناس يودِعون عنده أموالهم "يا محمد" "هل تحفظ لي مالي وناقَتي؟" وحتى بعد نزول الرسالة لم يستردّ الذين عادَوه ما كانوا يودعوه عنده لأنهم ظلّوا يثقون به لكن ما لم يوافق مصلحتهم هو ما يدعوهم إليه وفي تلك الفترة، كانت قافلة تجارية كبيرة تستعد لرحلة طويلة وكانت تلك القافلة لخديجة بنت خويلد وكانت خديجة معروفة في مكة لا لنجاحها العظيم في التجارة فحسب بل لعفّتها وشرف أخلاقها أيضاً وكانت قد تزوّجت من قبل مرتين، وتوفي زوجاها ولما كان النبي ﷺ ممدوحاً بين التجار طلبته أن يدير قافلتها فلم يكن في مكة كلها مثله والنبي ﷺ قبل عرضها وأرسلت خديجة غلامها ميسرة ليُعينه، وليتأمل في سلوكه وأخلاقه عن قرب ثم يرجع ليخبرها بما يرى ومنذ أن خرجا في السفر، أخذ ميسرة يؤدي مهمته بعناية وكل ما رآه في هذا الشاب زاده إعجاباً وخلال الرحلة كلها كان النبي ﷺ شديد الحرص ألا يَظلِم أحداً وكان على خُلُق عظيم صادقاً أميناً، وقوراً في سَمتِه وكان يعتني بالنظافة عناية خاصة في طريق السفر أمرٌ محمود لكنه نادر في ذلك الزمن ثم حان الوقت ليرجع ميسرة ويخبر خديجة بكل ما شاهده "ما رأيت رجلاً أعظم منه" "كلما نزلنا منزلاً، وثق الناس به بلا تردد" فلما حدّث ميسرة خديجة بكل ما رأى من جميل خصال النبي ﷺ، تحرّك قلبها نحوه ولم يكن قد خطر ببالها أن تتزوج مرة أخرى ولكنها الآن غيّرت رأيها وكان المعتاد أن يأتي عرض الزواج من الرجل لكن إعجابها بالنبي ﷺ كان عميقاً ما جعلها أن تفكر أن تبعث بخِطبته لكن هناك فرقاً في السن فالنبي ﷺ في الخامسة والعشرين، وخديجة في الأربعين هل سيقبل؟ وماذا عساها أن تفعل؟ وكانت لها صديقة مخلصة مقرّبة تُدعى نفيسة بنت مُنيّة فأطلعتها على ما في قلبها وكان ما ينبغي على نفيسة فعله واضحاً أن تذهب إلى النبي ﷺ وتري إن كان يميل إلى خديجة أيضاً وكانت خديجة تُعرف بلقب "الطاهرة" وكانت من أشرف نساء قريش وأغناهن وقد خطبها كثير من رجال قومها فردّتهم جميعاً وكان من أسباب حقد أبي جهل الشديد على النبي ﷺ فيما بعد، أنه هو أيضاً رُدّت خِطبته وطبيعيّ أن امرأة تُعرف بالطاهرة لا ترضى بصاحب قلب فاسد متكبر وقد وجدت الآن خير مَن تُوافِقه فذهبت نفيسة إلى النبي ﷺ وقالت له: "يا محمد، ما يمنعك من التزوُّج؟" قال: "ما بيدي ما أتزوج به" قالت: "فإن كُفيتَ ذلك ودُعيتَ إلى الجمال والمال" "والشرف والكفاءة" "أفتقبل؟" قال النبي ﷺ: "فمَن هي؟" قالت: "خديجة بنت خويلد" قال: "وكيف لي بذلك؟" قالت: "عليّ ذلك" فقال ﷺ: "إذن أقبل" فرجعت نفيسة إلى خديجة، تخبرها بما جرى فامتلأ قلبها فرحاً يا لها من نعمة أن تُختار زوجاً لنبيٍّ من أنبياء الله!
وبعد وقتٍ غير طويل، التقيا وتحدّثا في الأمر فقالت له خديجة: "اذهب إلى عمي عمرو بن أسد واطلب منه أن يزوّجك إياي" أبو طالب، الذي كان دائماً كالأب للنبي ﷺ تقدم ليدعم قراره وليُتم له أمر الزواج وفي ذلك اليوم السعيد المبارك تمّ عقد النكاح، وكان مهرها عشرين ناقة وكان بيتٌ جميل محمودٌ في مكة يُشيَّد قلبان تعلّقا ببعض بشدة كانت أواصر المحبة بينهما لا تزيد إلا قوة ولم يكن في مكة بيتٌ أسعد ولا أروع قدوةً من بيتهما وبمرور الوقت، بارك الله البيت بالأولاد فجاء القاسم أولاً، ثم زينب ثم رقية، وأم كلثوم، وفاطمة وبعد البعثة، وُلد عبد الله لكن القاسم تُوفي وهو في الثانية وعبد الله وهو ابن ثلاثة أشهر كلاهما مات بسبب المرض يا لِهذا الألم الذي يعجز الوصف عنه لكل أبٍ وأمّ!
وأن يمرّا به مرتين لقد كانا يعيشان كل المشاعر معاً من أجمل لحظات السرور إلى أشد لحظات الحزن لكن في كل محنة، كانا يؤازران بعضهما وبهذا التماسك، وجدا القوة والسكينة والصبر فهي التي قال عنها رسول الله "ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها" "قد آمنت بي إذا كفر بي الناس" "وصدقتني إذ كذبني الناس" "وواستني بمالها إذ حرمني الناس" "ورزقني الله عز وجل ولدها" حتى إن جبريل عليه السلام، تأثّر بما قدّمته من إخلاصٍ وتضحية فقال للنبي ﷺ: "يا محمد، هذه خديجة قد أتتك، فأقرئها السلام من ربها" "ومني" هذه هي خديجة رضي الله عنها لنَعُد إلى قصتنا حتى الآن تشكلت حياة النبي ﷺ في ثلاث بيئات مختلفة قضى طفولته الأولى في أرض بني سعد، حيث رضع هناك وفيها ذاق حياة الصحراء ثم خرج مع أمه إلى المدينة، يزوران أقاربهما وأقام عند أخواله مدةً من الزمن وهناك، ذاق لأول مرة حقيقة الحياة في مدينة وأما الآن، فقد عاش في مكة سنين طويلة في قلب الفوضى التي تُسمّى الجاهلية في أظلم صورها وعلى مرّ السنين، رأى ظلماً وقسوةً لا تُحصى وعندما بلغ الخامسة والثلاثين، بدأ يمرّ بتغيّرات كبيرة في حياته، وفي حال قلبه وكانت هذه علاماتٍ على بدايةٍ جديدة فمع مجيء النبوة سيُزلزَل كل شيء في مكة من أساسه ولن يعود شيء كما كان ذات يوم، كانت طفلة صغيرة في وسط الصحراء مع أبيها بعيدةً عن الجميع وكان أبوها شارد الذهن يحفر حفرةً في الأرض وهي تحاول أن تفهم سبب ذلك لم تتلقَّ منه حناناً قط ولكنها كانت سعيدة في ذلك اليوم فلأول مرة، يفعلان شيئاً معاً هما الاثنان فقط وفي لحظةٍ ما، حاولت أن تساعد أباها في حفر الحفرة وكلما ازدادت الحفرة عمقاً،كلما ازدادت حيرتها أيضاً هل سيلعبان لعبة؟ كيف ستكون؟ وبينما هي تتساءل عمّا سيحدث شعرت فجأة بدفعةٍ، فإذا بها تهوي في الحفرة وكان أباها هو الذي دفعها ثم بدأ مسرعاً يهيل عليها التراب والطفلة التي لا تعرف لماذا هي هنا تعيش كابوساً حقيقياً كانت تُدفَن حيّةً على يد الشخص الذي تنتظر منه أعظم حبٍّ وحنان صرخاتها المستغيثة و هي تصارع للخروج بيدها الصغيرتين لم تُحرّك ضمير أبيها الفاسد ستموت هناك هكذا، بكل بساطة وتغدو صورةً من صور القسوة والوحشية التي طغت على تلك الأرض هذا المشهد المروّع، الذي يكاد يستحيل علينا حتى تصوّره وقع في شبه الجزيرة العربية في زمن الجاهلية، قبل الإسلام في ذلك الوقت، كانت البنت تُعدّ عاراً ونذير شؤم وكان بعض الآباء يقولون: "يوماً ما ستتزوج، وتأخذ ميراثنا لغرباء" وكانت هذه المعتقدات المنحرفة تكلّف بعض الفتيات حياتهن أو في أحسن الأحوال يعشن عمراً كاملاً دون أن يذقن حبّ الآباء ولم يقف الأمر عند هذا الحد حتى إذا كبرت الفتاة وتزوجت، عُدّت لا قيمة لها فلو مات زوجها وتركها مع أيتامها جاز لأي رجل أن يأتي ويدّعي ملكية بيتهم ولم يكن ذلك بدافع الإحسان بل كان الرجل يأخذ كل ما في البيت المال، والمتاع، بل وحتى الأسرة نفسها وفوق حرمانهم من نصيبهم الشرعي من الميراث كانوا يعاملونهم كالخدم سُرقت حياتهم وأحلامهم ومستقبلهم ولم تكن لهم أي قيمة بين الناس لكن المؤلم حقاً أنّه لم يكن هناك من ينهض للدفاع عن هؤلاء اليتامى أو عن أمهم الأرملة كيف يقوم أبٌ بقتل طفله المولود للتوّ؟ ولم تكن البنات فقط فبعض الناس كانوا يقتلون أولادهم يقتلون أولادهم خشية الفقر تخيّل نفسك أمّاً حينها انتظرتِ طفلك بكل صبر حلمت بذلك وبعد ذلك يُنتزع هذا الطفل من ذراعيك ليُقتل بيد أبيه كانت قلوبهن تشتعل ألماً لكنهن كنّ عاجزات تماماً فلا يستطعن فعل شيء ففي النهاية، هل كان أحد يُبالي بما يشعرن؟ لم تكن لهن قيمة في عيون الناس ولم يقف الأمر عند هذا أيضاً فكانت الثارات بين القبائل لا تنقطع فإذا قُتل رجل من قبيلةٍ معيّنة لم يكن هناك قانونٌ أو عدلٌ يُحتكم إليه وصار كل من ينتسب إلى القبيلة الأخرى في خطرٍ عظيم ففي أي وقتٍ، وفي أي مكان، يمكن أن يُقتل غيلةً وطفل بريء لا علاقة له بما يجري حوله قد يستيقظ يوماً وقد فَقَد أباه فيكبر يتيماً، تغلي في صدره مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام من القبيلة الأخرى وهكذا تستمر دائرة القتل بلا نهاية ولا أحد يملك إيقافها لم يكن هناك عدل وقد تحجّرت القلوب وصار الناس عبيداً لشهواتهم لا همّ لهم إلا نيل ما يشتهون شرب الخمر، والميسر، والكذب، والسرقة، والزنا، والظلم كل ألوان الفساد كانت سائدةً في الأرض ومع أن الشمس كانت تشرق في السماء ساطعةً فإن الجو الروحي كان يغرق في ظلماتٍ حالكة وكلما اشتدّت الظلمة، ازداد إدراكنا لِما في النور من بهاء سيشرق نور القرآن أولاً على هؤلاء القوم ويُخرجهم من ظلمات الجهل وستظهر الحلقة الأخيرة في سلسلة النبوة في هذه الأرض نفسها وتخاطب العالم كله وكانت لمكة ميزةٌ رئيسيةٌ أيضاً فقد كانت تتوسط شبه الجزيرة العربية في موقعٍ استراتيجي مما جعلها متميزة عن سائر الأقاليم وكانت تُقام فيها أسواقٌ تجارية كبرى تجتذب القوافل والقبائل من كل أطراف الجزيرة فأي رسالةٍ تبدأ من هنا يمكن أن تنتشر سريعاً إلى القبائل من حولها وفي غضون خمسة أو ستة أشهر فقط يمكن أن تبلغ حتى الإمبراطوريات القريبة ولم يكن في المنطقة موضع يملك هذا القدر من التأثير وعلى ما في الأمر من غرابة بقيت شبه الجزيرة العربية في مأمنٍ من غزو الممالك والإمبراطوريات المجاورة فكانت المسرح الأمثل لبعثة النبي فاصطفى الله مكة المدينة الذي تلتقي فيه الطرق كلها لتكون الموضع الذي يخرج فيه رسوله إلى الناس وبجانب كل هذه الأسباب، كان هناك عاملٌ آخر وراء مكانة مكة فقد كان للأسلاف مكانة عظيمة عندهم وهذه المدينة مثلت الرجل الذي أعتبروه أباهم الأول إبراهيم عليه السلام وهو من الأنبياء الذين رفعوا قواعد الكعبة وكانوا يوقّرون هذا البيت العتيق الذي بناه جدّهم ولكن لو سألتهم: ما الذي بقي حقاً من دعوة إبراهيم عليه السلام؟ لكان الجواب: لا شيء لم يبق إلا الشعيرة المعروفة بالحج وحتى هذه، تحوّلت إلى عادةٍ موروثة وقد أُفرغت معانيها شيئاً فشيئاً على أيدي أهل الجاهلية حتى إن منهم من كان يطوف بالكعبة عرياناً بلا ثياب ومنهم من كان يطوف مصفّقاً راقصاً وانقطعت صلتهم تماماً بروح هذا المكان المقدّس ومعناه و إبراهيم عليه السلام حارب الشرك ووقف بثباتٍ في وجه عبادة الأصنام أما اليوم، فالكعبة التي بناها بيديه قد أُحيطت بثلاثمئةٍ وستين صنماً وكان من أشهرها: اللات، ومناة، والعزّى، وهُبَل ومع أنهم أمنوا بالله إلا أن ما بقي لهم منه مجرد اسمه وأما سائر أسمائه وصفاته وأفعاله وسلطانه على الكون كلّه، فقد نسبوها إلى الأصنام لكن، هل كان كل أهل البلدة يعبدون الأصنام؟ وهل كان رسول الله ﷺ واحداً منهم؟ حاشاه فبعد قرونٍ من إبراهيم عليه السلام ظل هناك أفرادٌ قلائل متمسّكون بالحنيفية هم نفرٌ نادر لا يؤمنون إلا بالله وينبذون كل صور الشرك وكان هذا الإيمان بمثابة درعٍ روحي يحفظهم من الضلال في زمن ما قبل نزول الوحي وكان رسول الله ﷺ واحداً منهم لم يكن يطيق عبادة الأصنام ومع ذلك لم يتعرّض لعقائد الناس، ولم يحاول منعهم من ذلك وكان لهذا الموقف في سيرته حكمةٌ عظيمة لأنه لو فعل ذلك ، لقالوا حين جاء الإسلام: "، نحن نعرفك منذ صباك" "كنت دائماً تحاول أن تصدّنا" لم يمكنهم قول ذلك لأنه لم يدخل معهم في صراعٍ قط غير أنه منذ أن جاءه الوحي وبدأت رسالته أخذ ينذرهم إنذاراً واضحاً صريحاً فيَهْدي الله نفساً واحدةً تستنير فتكون سبباً في إيقاظ غيرها من القلوب النائمة والآن، لنرجع إلى بداية تلك اليقظة إلى رسول الله ﷺ وهو ابن خمسٍ وثلاثين سنة في يومٍ من الأيام، ارتفعت الأصوات حول الكعبة "نحن الأحقّ بوضع الحجر الأسود في الكعبة!" وكانت قبائل كَبني عدي، وبني تميم، وبني أمية كلٌّ يحاول أن يُثبت أنه الأفضل واشتد الجدال حتى أقسمت بعض البيوت أن تقاتل وأن تقتل من خالفها وتطايرت التهديدات من كل صوب فما السبب وراء كل هذه الفوضى ؟ المسألة كانت: من له شرف وضع الحجر الأسود في موضعه؟ لِنعد بضعَة أيام إلى الوراء فقد تقادمت الكعبة مع السنين ووهَن بنيانها "يجب أن نخجل" "بيتٌ مقدّس ورثناه عن أبينا إبراهيم" "أفيكون هذا مآله؟" فاجتمع وجهاء مكة واتفقوا أنه لا بد من إصلاح الأمر وفي تلك الأثناء، بلغهم خبر سفينةٍ وصلت إلى ميناء الشعيبة بالقرب من جدة وكانت تحمل من مواد البناء ما يناسب ما يحتاجون إليه فقرّروا شراء تلك المواد، وهدم الكعبة وبناءها من جديد ولإنجاز العمل سريعاً، جمعوا مالاً مشتركاً فتصدّق كل واحد بما يستطيع لأجل الكعبة ومع أن الزمان كان زمان جاهلية لم يُدخِلوا في هذا المال درهماً واحداً من الربا خشيةَ أن ينالهم عذاب الله فلم يشاؤوا أن يختلط بهذا العمل الشريف مالٌ يحمل في أصله دموع المظلومين وآلامهم وحين اكتمل ما يحتاجون من المال شرعوا جميعاً في إعادة بناء الكعبة وبقي أمرٌ واحد هو الذي سيُشعل نار التوتّر كلّه إعادة الحجر الأسود إلى موضعه وكان قد وُضع في مكانه قبل قرونٍ بيد النبي إبراهيم عليه السلام وبقي في مكانه منذ حينها واليوم، لم تكن قبيلةٌ لتتنازل عن هذا الشرف لغيرها كلُّ واحدةٍ تزعم أنها الأحقّ وتحاول إثبات فضلها على سائر القبائل " هذا الشرف لنا نحن!" "لا بل لنا نحن هذا الشرف!" حتى إن بعضهم حلف أن يقاتل غيره دونه "لن تنالوا هذا الشرف إلا على جثتي!" ومضت أربعة أو خمسة أيام دون أي حل وكان من المؤسف أن يتحوّل عملٌ بدأ بنيةٍ صالحة إلى نزاعٍ خطيرٍ بهذا الشكل ثم قام أكبرهم سناً وقال: "يا معشر قريش، ما دمتم لا تتفقون في هذا الأمر" "لْيَكُن أوّلَ من يدخل من هذا الباب حَكَماً بينكم" "ولْيَفصِل في هذه المسألة لكم" فوافق الجميع على هذا الرأي، وبدؤوا ينتظرون في صمت من سيكون أوّل من يمرّ من هذا الباب؟ ومضى بعض الوقت حتى ظهر رجل عند المدخل أخيراً وما إن رأوه حتى شعروا براحةٍ عظيمة "إنه الأمين" " محمد" "أيّاً ما يقرّره، فسنرضى به جميعاً" وكان الذي خرج رسول الله ﷺ وكانوا جميعاً يثقون به، وموقنين أنه سيختار حلاً يرضي الجميع ثم قصّوا عليه ما حدث "لقد فرّق بيننا خلافٌ شديد، وضاقت بنا السبل" "فاهدينا إلى حلٍّ قبل أن يستفحل النزاع بيننا" وبوجوهٍ يملؤها الشوق والفضول انتظروا قراره فكيف سيحل المشكلة؟ قال: "هلمّوا إليّ ثوباً" ولم يكونوا يدرون ما الذي ينوي أن يفعله أولاً، وضع الحجر الأسود في وسط الثوب ثم من كل قبيلةٍ طلب أن يتقدّم رجلٌ واحد يمسك بطرفٍ من أطرافه فحملوه جميعاً حتى بلغ موضع الكعبة ثم أخذ النبي ﷺ الحجر الأسود بيديه الشريفتين، ووضعه في مكانه وبذلك النزاع الذي استمر لأيام قد انتهي وسفكَ الدماء و الصراع قد تم تفاديه وقد زاد هذا الحدث من تقدير وإجلال الناس لرسول الله ﷺ ومجدداً رأى الجميع مبلغ أمانته وكنا قد ذكرنا هذه الصفة في المراحل الأولى من حياته فمتى ذُكر "الأمين" علم الناس من المقصود لا يمكن أن يكون إلا محمداً وقد تجلّت هذه الصفة في كل جوانب حياته مأموناً في تجارته، وفي بيته مأموناً إذا عاهد ووعد وموثوقاً عند الصغير والكبير وكانت هذه الصفة تترك أثراً لا يُنسى في قلوب الناس والحقيقة أن منْحه هذه الصفة كان تدبيرٍاً إلهياً عظيماً لإنه حين يحين وقت النبوّة لن يستطيع أحد أن يتّهمه بالكذب وحتى لو حاولوا ،سيكون كلامهم بدون أي أساس من الصحة فبينما كانت ثقة الناس برسول الله ﷺ تزداد في مكة كان شيءٌ في داخله يتغيّر يوماً بعد يوم، بدأ في أن يحب الخلوة فصار يبتعد عن الناس شيئاً فشيئاً فالكعبة التي قامت على توحيد إبراهيم الخالص عليه السلام أصبحت الآن محاطةً بالأصنام وأنواع الفجور والظلم والقسوة والسلوك غير الإنساني كان يملأ المدينة وكان عالمه الداخلي يصطدم أكثر فأكثر بما يراه من حوله في مكة ولم يعد يطيق ذلك فاتخذ قراراً غيّر مجرى حياته سينسحب من المجتمع ويبدأ في زيارة جبل النور بانتظام ولكن، ماذا كان يفعل هناك؟ كان يبحث عن السكون فقد ضاقت روحه وجُعلت الخلوة أحبّ الأشياء إليه كان يريد أن يخلو بنفسه مع الكون، ومع أفكاره يعبد ربّه، ويدعوه، ويتأمل في خلقه بصمت ومن أصلح الأماكن لذلك كلّه كان غار حراء وكان الله يهيّئه للوحي الذي سيأتي للنور الذي سينزل أخيراً وكان الطريق إلى قمة جبل النور 621 متراً وكان صعباً وشديد الانحدار وكان يمتحن قوته لكن حتى هذا لم يمنعه من الصعود وكان الشيء الذي سهّل عليه هذا الطريق كثيراً هو محبة ودعم زوجته خديجة رضي الله عنها فلم تكن تلومه بل كانت دائماً إلى جواره واستمرت هذه الرحلة الهادئة حتى بلغ الأربعين وغدا ذلك الغار أقرب رفيقٍ له وفي تلك الأثناء، كان الكون ينتظر ينتظر منذ سنين طويلة ينتظر نوراً يشقّ كل هذه الظلمات ففي الأرض، وفي السماء، وفي كل ذرةٍ صغيرة معانٍ خفيّة ولكن الناس لا يشعرون كل مخلوق كأنه حرفٌ من رسالةٍ كتبها الله لكن القليل من عرف كيف يقرأها وطال أمد الانقطاع عن الوحي الذي يشرح تلك الرسالة وكانت هذه الكائنات تناجي ربّها أن يُرسل إليها روحاً تقرأ رسالتها حتي جاءت تلك الليلة الفريدة العام 610 ميلادية يوم الاثنين من شهر رمضان وأما الليلة فكانت ليلة القدر الليلة التي ستختفي فيها الظلمات أخيراً كان النبي في الأربعين من عمره وكان في غار حراء، يقضي وقته في التأمل العميق والدعاء والعبادة وكانت سكينة عميقة تملأ المكان وكان الليل حالك الظلام إلا من ضوء القمر المنير كالمصباح ولم يكن يدري ما الذي ينتظره ثم جاء موعد ذلك اللقاء العظيم فجأةً، امتلأ الغار بالنور نورٍ ساطعٍ يخطف الأبصار ومن وسط ذلك النور، ظهرت هيئة وكان هذا مَلَك الوحي، جبريل عليه السلام قد تجسّد في صورة رجل، وجاء بأمرٍ من الله لمن سيكون خاتم الأنبياء وكان النبي ﷺ، وقد غمره الذهول يحاول أن يستوعب ما يجري ثم جاءه أول أمر وأول بشارة قال جبريل: "اقرأ" فقال النبي: "ما أنا بقارئ" فعانقه المَلَك وضمّه ضمّاً شديداً ثم أرسله وقال مرة أخرى: "اقرأ" لكن النبي ﷺ أعاد الجواب نفسه فعاوده جبريل بالضمّ مرة ثانية، وقال: "اقرأ" ولم يكن في يده كتابٌ يقرؤه فأعاد النبي ﷺ أنه لا يُحسن القراءة ثم احتضنه جبريل للمرة الثالثة حتى بلغ منه الجهد، وشعر النبي ﷺ أنه لا طاقة له وعندها، في غاية العجز، قال: "ما أقرأ؟" فبدأ جبريل عليه السلام يتلو: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ" "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ" "الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ" "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" ولم يكن يُسمَع في الغار كله إلا صوت الوحي "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ" "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ" "الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" تلك كانت أوائل آيات الوحي التي نزلت على نبينا ﷺ وكان لا يقرأ ولا يكتب ولكنه من تلك اللحظة فصاعداً سيُعلِّم العالم كله معنى القراءة حقاً فمع القرآن في قلبه سيكون هو مُفسِّر "كتاب الكون" ومن كل لوحةٍ من لوحات الخلق سيكشف توقيع الصانع، الله سبحانه فسيُفهم أن جمال الزهرة إنما هو انعكاسٌ لاسمٍ من أسماء الله، "الجميل" وأن حنان الأم انعكاسٌ لاسم الله، "الرحمن" وأن تحوّل الطعام الذي تأكله الأم إلى لبنٍ طاهرٍ مغذٍّ لرضيعها هو مظهرٌ لاسم "الرزّاق" وأن تلك النحلة التي لا علم لها بطبيعة أجساد البشر تطير من زهرةٍ إلى زهرة وتنتج عسلاً يكون شفاءً لأبدانهم هو تجلٍّ لاسم الله سبحانه "الشافي" صحيح؟ وكان الناس يظنون أن الكون بلا غاية وأنه يموج بالمصادفات والعبث ويرون الدنيا دار حزنٍ وخسارة ويظنون أن مَن مات فيها لا يعود أبداً أما الآن، فستبدأ ظلمات الجهل تلك في التراجع وتُفهم أسرار الكون شيئاً فشيئاً وتُفتح أبوابه المغلقة واحداً بعد الآخر لقد أصبح الآن رسول الله محمداً، صلى الله عليه وسلم تخيّل تلك اللحظة كان خائفاً لم يدر ماذا يفعل كل ما أراده هو أن يعود إلى بيته بأسرع ما يمكن خرج من غار حراء وقلبه يخفق خوفاً وأسرع في النزول من الجبل متجهاً إلى المكان الوحيد الذي يجد فيه الأمان إلى خديجة فهي الوحيدة التي يمكن أن تفهمه حقاً لقد كان بحاجةٍ إلى كلماتها التي تطمئنه حتى وصل إلى بيته وكان متعباً يعلوه العرق، لا يكاد ينطق ولم تخرج من فمه إلا جملة واحدة "زمّلوني، زمّلوني" اذن ماذا فعلت أمُّنا خديجة؟ فعلت ما طلبه على الفور ولم تأتِ بشيءٍ يكدّر خاطر رسول الله ساعدته أن يضطجع ، وغطّته، وبقيت بجانبه ثم بدأ النبي يحدّثها عمّا جرى "لقد خشيت على نفسي يا خديجة" "أخاف أن يكون قد أصابني شيء" ولم تجبه أمُّنا بالهلع ولم تزِد خوفه بل كانت كلماتها هي ما يحتاجه قلبه تماماً: "كلا، والله لا يخزيك الله أبداً" وكان هذا كافياً ليهدأ كل شيء ثم تابعت تقول: "إنك لتصل الرحم" "وتحمل الكلَّ وتكسب المعدوم" "وتُقري الضيف" "وتُعين على نوائب الحق" وكل كلمةٍ تقولها كانت تزيده سكينةً وطمأنينة ولذلك كان أأمن ملجأٍ له هو خديجة رضي الله عنها فماذا سيكون بعد ذلك؟ كان على خديجة أن تبحث وتسأل عن الأجابة فأخذت نبينا ﷺ إلى ابن عمّها ورقة فمن هو ورقة؟ كان ورقة بن نوفل عالماً من علماء أهل الكتاب له علمٌ بالوحي الذي سبق يعرف النصرانية واليهودية ومعنى النبوّة وكان نصرانياً جاوز الثمانين من عمره فربما استطاع أن يعينهما وأخيراً، وصلا إلى بيت ورقة وبدآ يحدّثانه بما وقع وكان ورقة يزداد انفعالاً وكلما سمع أكثر، زاد عجبُه أكثر و أكثر حتى كأنما الشباب يعود إلى وجهه وجعل يرفع صوته قائلاً: "قدوس، قدوس!" يكرّر اسماً من أسماء الله فلما فرغوا من الحديث، بدأ يعلّق على ما سمع "هذا روح القدس" "هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى" "إنه الناموس الأكبر" "وإنك لنبيّ هذه الأمّة" ثم تابع، ولكن كلماته هذه المرة ستُزلزل قلب رسول الله ﷺ: "يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً" "إذ يخرجك قومك" فصُدم النبي ﷺ وقال: "أوَ مُخرِجيَّ هم؟" لقد أدهشه ما سمع فإلى أن بلغ الأربعين لم يكن له عدوٌّ واحدٌ ولا خصومة وكان الجميع يعرفه ويثق به فقال ورقة: "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به" "إلا عُودي من قومه" "وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً" وانقضت تلك الليلة على هذا الحال وبعد ما جرى من حديث، عادا إلى بيتهما وبعدها بفترة ، ظهر جبريل عليه السلام إلى رسول الله مرة أخرى وأخذه إلى وادٍ خارج مكة يُعرف بأبي دُبّ وهناك ضرب الأرض بعقبه، فجرى ماءٌ صافٍ ثم علّمه كيفية الوضوء وبعد ذلك علّمه كيفية الصلاة وفي ذلك الوادي صلّى رسول الله ﷺ أول ركعتين في حياته ففي اليوم الأول، تعلّم أعظم حقيقة في هذا الكون: الإيمان وفي اليوم التالي، تعلّم ثاني أعظم حقيقة: الصلاة نعم، ستكون الصلاة بعد ذلك عمودَ سندٍ لرسول الله ﷺ ودرعاً روحياً أمام ما سيواجهه من الابتلاءات فلما صارت الصلاة جزءاً من حياته صار يحمل أمانة النبوة بقوةٍ أعظم فلما عاد إلى بيته، كان أول مَن أخبره بأمر الصلاة أمُّنا خديجة فصلّى النبي إماماً وخديجة رضي الله عنها خلفه مأمومة ولم تكن لترضى أن يسبقها أحد إلى هذا الشرف ثم انضمّ إليهما أولادهما فوقفوا جميعاً بين يدي ربهم الواحد راكعين ساجدين يغذّون أرواحهم، ويحيون قلوبهم ويشكرون الله تعالى علي نعمه التي لا تُحصى ومجدداً نري كيف أن هذا البيت هو أكثر البيوت سكينةً في مكة كلّها وفي أثناء تلك الصلوات كان طفلٌ يراقبهم من الخلفٍ في صمت وكان عمره عشر سنوات وكان اسمه علي وهو ابن أبي طالب، عمّ رسول الله ﷺ وما رآه كان غريباً ، لكنه هزّ قلبه فلما انتهت الصلاة، ذهب لرسول الله ﷺ وسأله: "ما هذا؟" فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام ولم يقبل عليٌّ الرسالة فوراً فقد أراد أن يستأذن أباه أولاً ثم بعد أن فكّر في الأمر قال: "إن الله خلقني ولم يستأذن أبا طالب" "فَلِمَ أستأذنه أنا في عبادة الله؟" ثم عاد إلى النبي ﷺ فأسلم فصار علي أول طفلٍ يدخل الإسلام وفي الأيام الأولى، لم يكن رسول الله ﷺ يُعلن نبوّته جهراً لم يكن يدعو الجميع بل أفراداً معدودين وكان يكتم الأمر ولكن الخبر انتشر بطريقةٍ ما حتى بلغ سادة قريش وحان الوقت ليميز الله أعلى علّيّين عن هؤلاء من هم في أسفل سافلين بمعنى أخر: ليميز الله الخبيث من الطيب معدنُ قلب أبي بكر وحقيقة قلب أبي لهب سيظهر قريباً وكان أبو بكر حينها قد عاد من رحلةٍ تجاريةٍ في اليمن وكان من أعظم رجال قريش قدراً تاجراً ناجحاً ومن الحنفاء الموحدين وكان صديقاً مقرباً لرسول الله ﷺ منذ سنين طويلة وكان أصغر منه بسنتين فجاءه أبو جهل وبعض سادة قريش يزورونه فسأل أبو بكر: "ما الذي وقع في مكة في غيابي؟" "هل من خبر؟" "هناك أمرٌ عظيم" "إن يتيم أبي طالب، محمداً ﷺ، قد ادّعى النبوة" "ورأينا أن ننتظر عودتك من اليمن" "فالآن، اذهب إلى صاحبك وافعل ما ينبغي فعله" كانوا يظنون أنه سيقنع النبي ﷺ بترك ما هو عليه ولكن أبا بكر كان يحمل في قلبه شيئاً مختلفاً تماماً فقد دخل في حالٍ من التأمل العميق مؤخراً وما سمعه اليوم وافق ما كان يجول في خاطره وقد فهم الآن ما قاله المعبّرون عن تفسير رؤياه فقد رأى في المنام أن نبياً سيظهر في مكة وأنه سيتبعه والآن اتضح كل شيء ففكّر في كلام سادة قريش وكان يعرف رسول الله ﷺ منذ سنين صديقه المقرب وكان يثق به تماماً ويعلم أنه لا يكذب أبداً فلم تخرج من فمه كذبة واحدة طوال حياته وفوق هذا، كان يعلم يقيناً أنه لا يمكن أن يكذب على الله أبداً وانه يخشى الله تعالى وان له عقلٍ راجح لن يأتي بشيء بلا حكمة او به عبثٌ أو ضرر ولم يُظهر أبو بكر مشاعره لأولئك الزائرين لكنه كان فرِحاً فلما غادروا، أسرع إلى بيت رسول الله ﷺ وكان متشوقاً أن يعرف حقيقة الأمر فقال له: "يا أبا القاسم، أحقٌّ أنك تدّعي النبوّة؟" "وأنك قد فارقت قومك" "وأنك أنكرت دين آبائك؟" وكان النبي ﷺ يعلم أن هذا الصديق لن يعرض عن الحق ولهذا دعاه إلى الإسلام وبعد سنين، وصف النبي ﷺ ذلك اليوم وقال: "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر" "إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته، ولا تردد فيه" فآمن أبو بكر من اللحظة الأولى وكان من أول أهل الإسلام ولم يفارق النبي ﷺ بعد ذلك أبداً ولا تخلى عن هذا الدين وكان لإسلام أبي بكر تأثيرٌ بالغٌ جداً فقد بدأ عدد المسلمين يزداد يوماً بعد يوم لأنه لم يقف بلا عمل فمن الغد مباشرةً، بدأ يُعرّف أصحابه الموثوقين بالإسلام بعض الأسماء التي كُتبت بأحرفٍ من ذهب في تاريخ الإسلام دخلته من خلال أبي بكر عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون وكثير من أصحاب النبي ﷺ المشهورين دخلوا الإسلام من خلاله وفي الوقت نفسه، بدأت النساء جهودهنّ لنشر الإسلام فزوج النبي ﷺ خديجة وبناته زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وزوجة عمّه العباس، أم الفضل وأخت عمر، فاطمة وبنت أبي بكر، أسماء بذلت كل واحدةٍ منهنّ نفسها للحق الذي أيقظ قلوبهن فكانت النساء تفكرن كيف يوصِلن دواء الإيمان إلى نساءٍ أخريات، والرجال إلى رجال فقد وجدوا شفاء كل جراح أرواحهم: الإيمان فكيف يسكنون؟ لم يستطيعوا أن يكونوا أنانيين فحولهم أناسٌ لا يُحصون بحاجةٍ إليه ولا يشعرون بذلك وكان لا بد أن يصل هذا النور إلى كل واحدٍ منهم ولكن ما دخلوا فيه لم يكن بهذه البساطة فالأمر يعني الوقوف في مواجهة مكة كلها وكان الثمن باهظاً جداً فدخول هذا الدين يحتاج لقلباً شجاع فبسائر عادات الجاهلية القبيحة لم يكن سادة مكة ليُعجبهم هذا التغيير بل سيُعارضونه بشدة وكانت أيامٌ شديدة وقاسية تنتظر المسلمين وحان الوقت ليظهر من كان قلبه كالماس ومن كان قلبه كالفحم " أريدك أن تكفر بمحمد وأن تعبد هذا الصنم" "هذا جزاء مَن يطيع محمداً" "فاتخذوا هذا تحذيراً!" في الحلقة القادمة، سترون ما هي الابتلاءات الصعبة التي مرّ بها المسلمون وكيف أن الإسلام وصل إلينا بعد معاناة عظيمة إن سيرة نبينا ﷺ كانت نقطة التحول في تاريخ البشر ولا تزال، إلى يومنا هذا، تبعث بداياتٍ جديدة لكل من يستمع لها بقلبٍ منفتح ويتفكر فيها إن شاء الله، حين تُتمّون هذه السلسلة ذات الخمسة عشر جزءاً سترون فرقاً واضحاً بين ما كنتم عليه قبلها وما صرتم عليه بعدها وستعيدون اكتشاف أنفسكم ولا تنسوا أن تشاركوا المقطع مع أصدقائكم فكلما شاهدوه، إن شاء الله كان لكم الأجر أيضاً نراكم في الحلقة القادمة