نردد هذا الدعاء في كل صلاة (لكن هل نعرف معناه؟) | حسّن صلاتك - الحلقة 3
نُشر في
نقول "سبحان الله" مراراً كثيرة أثناء صلواتنا اليومية قياماً، وفي الركوع، وفي السجود وفي التسبيح بعد الصلاة نظل نكررها مرة بعد مرة ولكن ما المعنى الحقيقي لهذه الكلمة؟ لنقم بالحساب بعد كل صلاة من الصلوات الخمس نقول "سبحان الله" ثلاثاً وثلاثين مرة ولو أنّ شخصاً حافظ على هذا العمل مدة أربعين سنة لَقالها أكثر من مليونين وأربعمئة ألف مرة وفوق ذلك، فهذا فقط ما نقوله في التسبيح ولو أضفنا أيضاً عبارات مثل: "سبحانك اللهم" في دعاء الاستفتاح داخل الصلاة "سبحان ربي العظيم" في الركوع "سبحان ربي الأعلى" في السجود لبلغ العدد سبعة ملايين وهذا العدد وحده كافٍ لأن يجعلك تقول: سبحان الله!
ولكن أن يكرر الإنسان كلمة ملايين المرات دون أن يعرف معناها الحقيقي أليس هذا أمراً غريباً؟ بل هو أمر صادم عندما تتأمل فيه لذلك سنتناول اليوم دعاء الاستفتاح المعروف بـ: "سبحانك اللهم" جملةً جملة حين نبدأ الصلاة بقول "الله أكبر" ونقف بين يدي الله نترك الدنيا كلها خلف ظهورنا وندفع كل شيء جانباً بكفّ اليد إذًا ماذا نقول أولاً؟ "سبحانك اللهم" ما الذي يخبرنا به هذا الدعاء؟ وأي حقائق يذكّرنا بها؟ ولِمَ نبدأ بهذه الكلمات؟ حتى قبل قول "بسم الله" نحن نقول: "سبحانك اللهم" لنتأمل هذا الدعاء معاً، ولنمضِ فيه جملةً جملة وبنهاية هذا المقطع، ستكتسب نظرة مختلفة تماماً إن شاء الله وستصبح ممّن لا يقتصرون على تكرار الكلمات بل يعيشون معانيها أول عباراتنا هي: "سبحانك اللهم" وهي في الأصل تعني: تنزيهاً لك يا الله فما معناها؟ تعني: يا الله، أنت منزَّه يالله عن كل نقص وعيب لا يلحقك نقص أنت الكمال كلّه هذا هو المعنى الأول الذي يتبادر إلى الذهن والمعنى الثاني هو التعجب وسنأتي إليه لاحقاً إن شاء الله وإذا ركزنا على المعنى الأول فماذا يخطر في البال حين نسمع هذه العبارة؟ خصوصاً تلك الكلمات القبيحة المتجاوزة التي يقولها غير المسلمين عن الله الله منزَّهٌ عن هذا ولكن مجرد قولك "أنا أؤمن بالله" لا يكفي فأيّ إله تؤمن به؟ لا بد أن يوافق إيمانك وصف القرآن لله عز وجل فمجرد القول "أنا أؤمن بالله" لا يكفي فمثلاً، هل، بحسب اعتقادك، ينام الله؟ لا هل يشعر بالتعب؟ أبداً هل يعلم ما يدور في خاطر الإنسان؟ نعم، كل شيء هل قدرته تكفي لكل شيء؟ قطعاً علينا أن نرسم وصفاً صحيحاً لله حتى يتحقق الإيمان الحق وهذا من أهم خطوات الإيمان سمعتُ مرةً أحدهم يقول: أنا أؤمن بالله، عندي إيمان لكن الإله الذي أؤمن به لا يُعذّب خلقه الآن ،هل هذا مؤمن بالله حقاً؟ هو يؤمن بإله صوّره في خياله لا الإله الذي وصفه القرآن وتعلمون أنّ هناك من يقول إنّ لله ولداً من الذي يقول هذا؟ النصارى، صحيح؟ فهم يصفون عيسى بأنه ابن الله فماذا نقول نحن حين نقول: "سبحانك اللهم"؟ نقول إنّ الله منزَّهٌ عن ذلك ونقول: كلامكم هذا غير صحيح فالله لا يحتاج إلى ولد ولا إلى أي شيء وفي العهد القديم، وهو الكتاب الذي يتبعه النصارى وتحديداً في سفر التكوين جاء فيه إنّ الله استراح ومعناه أنّ الله تَعِب واحتاج إلى راحة معاذ الله!
فالله منزَّهٌ عن كل ذلك كل منظومة اعتقادية خارج الإسلام تملك تصوراً باطلاً عن الله في الهندوسية، توجد آلهة يعاقب بعضها بعضاً ويتقاتلون فيما بينهم وفي الزرادشتية، يوجد إلهٌ ثانٍ يخلق الشر وفي العهد القديم، يوجد إلهٌ يصارع النبي يعقوب، وهكذا ألا يبدو مجرد سماع هذا الأمر غريباً؟ كل ذلك نوع من الافتراء وأنت حين تقرأ دعاء الاستفتاح "سبحانك اللهم" فأنت تتحدّى هذه المعتقدات الباطلة أنت تدافع عن حقيقة لا يراها ملايين الناس فعندما نقولها، ينبغي للمعنى الذي يتبادر إلى الذهن أن يترسخ "يا الله، أنت منزَّه عن كل نقص وعيب" "لا يلحقك نقص، بل أنت الكمال كله" الخلق نفسه يدل على مدى كمال الله عز وجل لقد خلق الله الكون بنظام محكم ومتوازن تأملْ حبة الثلج كل واحدة منها مخلوقة بنمطٍ فريد مليارات من حبات الثلج تختلف كل واحدةٍ منها عن الأخرى سواء نظرت إلى البنية البلورية لحبة الثلج تحت المجهر أو نظرت إلى ذلك الامتداد الهائل لحلزونيات المجرّات عبر التلسكوب تسمع الرسالة نفسها: الله منزَّه عندما تقول "سبحانك اللهم" فأنت تقول الكلمات نفسها التي ينطق بها الكون كله فلننتقل إلى المعنى الثاني لـ "سبحانك اللهم" عندما نُعجَب بشيء ما نقول "سبحان الله" وفي آيةٍ يقول الله تعالى: "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ" النباتات، الأزهار، الحيوانات، كل شيء يسبّح الله وعندما نقول "سبحان الله" فإننا ننظر إلى تسبيحها بإجلالٍ ونشاركها الثناء نفسه دعونا ننظر إلى السماء، إلى النجوم ولننظر أيضاً إلى ذرّات الرمل على الشاطئ وفي الصحراء برأيك، أيهما أكثر عدداً؟ حبّات الرمل أم النجوم؟ قد يفاجئك الجواب، لكن النجوم أكثر بكثير سبحان الله العالَم الكبير والعالَم الصغير مختلفان تماماً وفي كليهما نشهد كمال خلق الله هناك عبارة تقول: "سُبْحانَ مَن تَحَيَّرَ في صُنْعِهِ العُقُول" ومعناها: سبحان الله الذي أبهر العقول بروائع صنعه فهو منزَّه عن كل نقص تأمّلْ الآن الطفلَ الصغير يبدأ قطعة لحمٍ لا حياة فيها في رحم الأم ثم بعد مدة يتشكّل وتُنفَخ فيه الحياة وتأملْ الديناميكا الهوائية لطيران الطائر في الجو ولاحظْ في أي فيلم وثائقي أنّ الأوراق في أعلى الشجرة تتغذى بالماء الجاذبية تسحب الماء إلى الأسفل لكن بقانونٍ أوجده الله يرتفع الماء إلى الأعلى الله هو الذي خلق هذه القوانين، ونحن نتفكّر فيها والآن، تخيّل البطيخة منعشة ولذيذة في حرّ الصيف لقد وضع الله بداخلها نظام حفظٍ طبيعيّاً يحميها من الفساد فكأنّ حولها غلافاً يصونها من التلف ومن دون هذا النظام كانت البطيخة ستفسد خلال زمنٍ قصير وقد خلق الله أيضًأ البذور بداخلها لاستمرار نوعها فلو لم توجد تلك البذور بداخلها لأكِلَت بطيخة واحدة في زمن آدم وبعد ذلك انقرضت لكن الله وضع بداخلها مئات البذور تزرعها، فينتج لك بطيخ جديد فتأكله مرة بعد مرة الكون كله معرضٌ للفنّ وعند زاوية كل لوحةٍ بديعة التوقيع نفسه مكتوب: "سبحان الله" كلها تقول معاً: "نحن مخلوقاتُ قدرةٍ لا عيب فيها" دعونا نجعل من "سبحان الله" عادةً كلما أبهرنا شيء من صنيع الله وبعد هذا كلّه، ينبغي أن يترسخ في أذهاننا أننا حين نقول "سبحانك اللهم" نتذكر معنيين: الأول: أنّ الله منزَّهٌ عن كل تلك العيوب والمعتقدات الباطلة والثاني: "سبحان الله" التي نقولها عند الدهشة والروعة فنحن نقول: "يا الله، لقد خلقتَ خلقاً بديعاً" "وأنت منزَّهٌ عن كل نقص" والآن نصل إلى العبارة التالية: "وبحمدك" أي: الحمد لك، أُثني عليك حمداً فما هو الحمد؟ هو اجتماعُ الإعجاب والشكر هل أثنيتَ على أحد اليوم؟ قد تكون قلت شكراً لصديقٍ مثلاً ولكن هل فكرتَ من هو المصدر الحقيقي لتلك النعمة؟ نعم، ينبغي أن نشكر بعضنا بعضاً ولكن المستحق الحقيقي للحمد هو الله المالكُ الحقيقي للنعَم تصوّر أنك تلقيت هديةً مما كنت تتمنّاه شكرتَ عامل التوصيل، ولم تسأل حتى عن صاحب الهدية ما مدى عدالة ذلك؟ يبدو أمراً غير منطقي، صحيح؟ حسنًا ، هذا بالضبط ما يفعله الكثير من الناس مع نعم الله عندما نقول "وبحمدك"، يجب أن نتفكّر في هذا: "يا الله، ملايين الناس شكر بعضهم بعضاً اليوم" "لكنني أعلم أن الشكر الحقيقي إنما هو لك" "لقد شكروك دون أن يشعروا" "هم لا يعلمون ذلك، لكنهم في الحقيقة أثنَوا عليك" عندما تشاهد غروب الشمس ترى الطبيعة مصبوغةً بالورديّ والأصفر والأحمر والمستحق للحمد هناك هو الله حين تحمل طفلاً بين يديك وحين تأخذ نفَساً عميقاً بعد خروجك من مكانٍ لا هواء فيه وتقول: "آه!
الله هو خالق ذلك" تستمع إلى صوت المطر فينعش روحك أو ربما تجلس كتفاً إلى كتفٍ مع صديقٍ تشاركه همومك تُفرِغ قلبك، فتشعر بالخفة تحتضن زوجتك أو ولدك، فيسكن قلبك أخي، أختي، ربما لا تنتبهان لكنكم تميلون دائماً إلى شكر الأسباب والثناء عليها ولكن حين تقول "وبحمدك" تجد المالك الحقيقي لكل ما تشعر به من سعادة ومن يستحق الحمد حقًا و هو الله وتفهم انه بكل ذلك يريك الله محبتَه لك لقد علّمنا نبينا صلى الله عليه وسلم دعاء الاستفتاح هذا لأننا في أمسّ الحاجة إليه فالدنيا تُجبِرك على التركيز في الأسباب ومن أعظم العوائق أمام الإنسان الحجابُ الذي أمام عينيه فهل سترفع ذلك الحجاب لكي تبصر الحقيقة؟ هذا الإدراك سيقرّبك من الله والآن نصل إلى العبارة التالية: "وتبارك اسمك" ومعناها: اسمُك يا الله مليء بالبركة وفي ذكر اسمك بركة فلنشرح كلمة "بركة" أكثر هذه البركة هي خيرٌ خاص يأتي من عند الله وحده إنها الصفة التي تجعل القليل أكثرَ مما تتوقع نحن نحتاج إلى البركة في حياتنا احتياجاً عظيماً فعندما تكون البركة موجودة تتحول خطوةٌ إلى ألف خطوةٍ لكن عندما تفقد البركة، قد تخطو ألف خطوة ولا تتقدم إلا خطوة واحدة وقد تشعر أيضاً بالبركة عند كسب المال تجد البركة فيه، أو تلاحظ فقدانها حين يذهب المال سريعاً لكن البركة ليست في المال فقط فكّر فيها مع الوقت أيضاً فعندما تكون البركة في وقتك تشعر أنّ ساعةً واحدة كأنك أنجزت فيها عمل خمس ساعات وإن لم تكن البركة في صحتك فقد تمرض كثيراً ومن دون البركة في علاقاتك تكثر مشاكلك مع مَن تحب وتشعر بالتعاسة فما الطريق للحصول على هذه البركة؟ نحن بحاجة إليها كثيراً، صحيح؟ وبحسب الدعاء الذي نتحدث عنه الآن فالطريقة للوصول للبركة هو أن نعيش باسم الله أي أن نقول "بسم الله" قبل أن نبدأ أعمالنا ليس قولها فقط، بل استحضار معناها في قلبك هناك بركة في قول "بسم الله" كل شيء، الحيوانات، النباتات، يسير باسم الله، قائلاً "بسم الله" تأمّل البقرة لا تأكل إلا العشب، ومع ذلك تعطي لتراتٍ من اللبن المغذي كيف يحدث ذلك؟ عشبٌ ولبن!
ونحلةٌ عمرها يومٌ واحد يمكن أن تطير مسافاتٍ طويلة ثم تعود دون أن تضل طريقها لو أرسلتَ طفلاً عمره ثلاث سنوات إلى السوق لن يستطيع الرجوع وحده لكن النحلة تفعل ذلك، فكيف ذلك؟ كل هذا يُشير إلى حقيقةٍ عظيمة انه بأفعالها، تقول كل هذه المخلوقات: بسم الله "باسم الله" كل الحيوانات والنباتات وكل شيء يتحرك باسم الله، فيجد البركة فبينما تفعل الحيوانات هذا، نحن البشر أولى أن نبدأ أعمالنا بقول "بسم الله" فتصبح جزءاً من تلك السلسلة العظيمة فتمتلئ حياتك بالبركة تجلس إلى المائدة فتقول "بسم الله" قبل أن تتناول الطعام فيُبارَك الله فيه قبل أن تشرب الماء تقول بسم الله فيصبح هذا الماء شفاءً لك تركب سيارتك وتقول "بسم الله" فتكون رحلتك آمنة تفتح كتابك قائلاً "بسم الله" فتنشرح بصيرتك، وهكذا في كل شأن والآن نصل إلى "وتعالى جدّك" ومعناها: عظمتك وجلالك فوق كل شيء هناك أشياء نعدّها أعظم الأشياء وأمور نخافها كثيراً، لكن الله أعلى من ذلك كله فكر في هذا: الأرض تدور حول نفسها بسرعة 1670 كيلومتراً في الساعة وفي الوقت نفسه تدور حول الشمس بسرعة 108 آلاف كيلومتر في الساعة ومع كل هذه السرعة الهائلة يمكنك الجلوس على طاولتك وتشرب قهوتك دون أن تَهرُق قطرة أي قوةٍ هذه؟ أي توازن؟ أي عظمة؟ إخوتي و أخواتي ، في الشمس، كل ثانية يتحوّل 600 مليون طن من الهيدروجين إلى هيليوم وفي الوقت ذاته تجري عملية هائلة للطاقة لا تتوقف ولا تنسوا أن الشمس واحدة من أصغر النجوم هناك نجوم أعظم منها بأضعاف والله، وهو يدبر هذه المجرات الهائلة يعلم في اللحظة نفسها حتى أخفى الخواطر في عقولنا "يا الله، أنت الذي تُدخل الدهشة في قلوبنا" "وأنت الذي علمتنا الكلمات التي نعبّر بها عن ذلك بقول سبحان الله" "وتعالى جدّك" أي عظمتك يالله فوق كل شيء ولكن ماذا يحدث حين ننسى القوة الحقيقية لله؟ نفقد شعور الأمان الطمأنينة التي تقول "أن الله سيحميني" تبدأ بالاختفاء وفجأة تصبح المشكلات الصغيرة كبيرة ويمتلئ القلب خوفاً وقلقاً وتتساءل: "ماذا لو حدث كذا وكذا؟" ماذا أفعل إن وقع ذاك؟ ماذا لو مرضت؟ هذه الخواطر ترد على أذهاننا لكن ربنا هو الذي لا يترك عباده أبداً بكلمة "كن"، فيكون فإن التمسك بمعرفة قوة الله أمر بالغ الأهمية هذه المعرفة تغيّرك، وتمنحك إدراكاً عميقاً فتقول: "أنا لا أخوض معاركي وحدي" "إنني مستندٌ إلى قوة الله " بأمرٍ واحد منه، كن، يمكن أن ينقلب الوضع كله الأمور التي كنت تراها مستحيلة تصبح ممكنة أحياناً عندما أتأمل هذا الدعاء وهو دعاء الاستفتاح أشعر بدهشة من عظمة الحكمة التي أُهديَتْ إلينا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلّمنا كلمات فحسب بل أعطانا المفتاح الأمثل لبدء مخاطبة الله وهناك جملة أخرى تُقال ي صلاة الجنازة فقط: "وجلّ ثناؤك" ومعناها: عَظُم حمدُك، وارتفع ثناؤك فعند الجنازة، حين نكون وجهاً لوجه أمام الموت نتذكر أنّ الوحيد المستحق للحمد حقاً هو الله حتى إن كان للإنسان ملايين من الأموال فهي لا تكفي ثمناً للجنة المستحق الحقيقي لكل الثناء هو الله ذهبنا مؤخراً إلى المقبرة، وألقينا كلمة عند القبور فقلت للإخوة: في هذه القبور خلفنا يوجد أناس كانوا يملكون الملايين وهناك يرقد نجمٌ مشهور، لكنهم اليوم جميعاً صامتون جميعهم تحت الأرض وفي صلاة الجنازة نقول "وجلّ ثناؤك" أي الذي ارتفع حمدُه هو الله المنصب، والجاه، والذكاء، والقوة، والعضلات، كلها تزول النجاح، والمتابعون على مواقع التواصل، لا يبقى منها شيء كلها تتلاشى وفي تلك اللحظة، حين نواجه الموت، تظهر الحقيقة أن المستحق الوحيد للحمد هو الله سبحانه تخيل أنه في يومٍ من الأيام في جنازتك أنت أيضاً، سيُقال "وجلّ ثناؤك" فالموت سيصل إليك كذلك ففي ذلك اليوم، أي رتبة، وأي مال، وأي جمال سينفعك؟ لذلك ينبغي أن نعرف الله حق المعرفة من الآن ومن زاوية أخرى فهذا هو الذي يمنح الإنسان أعظم درجات الحرية فحتى لو ذهب كل شيء يبقى قلبك متصلاً بالقوة التي لا تنفد أبداً والآن نصل إلى آخر جملة: "ولا إله غيرك" أي: لا معبود بحقٍّ إلا أنت وهذه العبارة قريبة من "لا إله إلا الله" وفي الحقيقة، "لا إله إلا الله" عميقة للغاية حتى إنّ عمراً كاملاً ا يكفي لإدراكها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث إن خير ما قاله هو والنبيون الذين جائوا قبله "لا إله إلا الله" فعلى سبيل المثال، في عبارة "لا إله إلا الله" يمكننا أن نستبدل كلمة "إله" بأسماء أخرى من أسماء الله فنقول مثلاً: "لا رازق إلا الله" ما معناها؟ أنه لا أحد يرزق إلا الله "لا شافي إلا الله"، لا طبيبَ حقيقياً إلا الله "لا قادر إلا الله" لا قوة إلا قوته سبحانه "لا مُحيي إلا الله"، لا يهب الحياة إلا الله وبذلك تصل عبارة "لا إله إلا الله" إلى عشرات الطبقات من المعاني القلب يبحث عن ملجأ واحد وجملة "ولا إله غيرك" تحقق هذا الملجأ والآن، دعونا نلخّص سريعاً ما تحدثنا عنه منذ البداية: "سبحانك اللهم" يا الله، أنت منزّه عن كل نقص وعيب تُبدع من العجائب ما تحار فيه العقول "وبحمدك" أنت المستحق الحقيقي للحمد ومن يَحمد غيرك فهو في الحقيقة يحمدك أنت "وتبارك اسمك" في اسمك البركة كل عمل يبدأ باسمك يجد البركة "وتعالى جدّك" عظمتك، وقوتك، ووجودك، وجلالك مرتفع فوق كل مقارنة "ولا إله غيرك" لا معبود غيرك أخوتي أخواتي، كل ما تحدثنا عنه يعود إلى نقطة واحدة: ليس مجرد أداء الصلاة، بل عيش الصلاة والشعور بها حين نقف بين يدي الله ونعيش في قلوبنا ما نقوله بألسنتنا ونعقله بعقولنا تتوقف الصلاة عن كونها مجرد واجب وتصبح إلى لقاءٍ حقيقي وبالطبع، حتى إن لم نفكر في هذه المعاني العميقة نحن ما زلنا نؤدي فريضة الصلاة ولا شك في ذلك لكن بعد هذه السلسلة، إن استطعتَ أن تفهمها وتطبّقها في صلاتك فسيكون الأمر شيئاً مختلفاً تماماً، إن شاء الله في هذا الجزء ركّزنا على أحد أهم الأدعية الأساسية وفي أجزاء أخرى تناولنا تفسير سورة الفاتحة وفي فيديو آخر تناولنا معاني سورتي الفلق والناس عندما نتأمل هذه المعاني، تتحول الصلاة إلى علاجٍ للقلب لأن في كل منها دلائل عظيمة على صفات الإله الذي نؤمن به طَوال حياتك ستكرّر هذا الدعاء آلاف المرات لكن القضية ليست في التكرار القضية هي أن تتقدم إلى الله خطوةً مع كل تكرار إخوتي ، أخواتي، سيأتي يومٌ تسكت فيه ألسنتنا وستدخل الحقائق التي استقرّت في قلوبنا قبورَنا معنا ولكي نكون من الفائزين في ذلك اليوم يجب أن نفهم هذه الكلمات حق الفهم وبالمناسبة، للذين يجدون صعوبة في المحافظة على أداء الصلوات الخمس بانتظام فقد طوّر فريقنا تطبيقاً شائعاً جداً مجاني وخالٍ من الإعلانات وأشجعكم بشدة على تجربته إن شاء الله
ولكن أن يكرر الإنسان كلمة ملايين المرات دون أن يعرف معناها الحقيقي أليس هذا أمراً غريباً؟ بل هو أمر صادم عندما تتأمل فيه لذلك سنتناول اليوم دعاء الاستفتاح المعروف بـ: "سبحانك اللهم" جملةً جملة حين نبدأ الصلاة بقول "الله أكبر" ونقف بين يدي الله نترك الدنيا كلها خلف ظهورنا وندفع كل شيء جانباً بكفّ اليد إذًا ماذا نقول أولاً؟ "سبحانك اللهم" ما الذي يخبرنا به هذا الدعاء؟ وأي حقائق يذكّرنا بها؟ ولِمَ نبدأ بهذه الكلمات؟ حتى قبل قول "بسم الله" نحن نقول: "سبحانك اللهم" لنتأمل هذا الدعاء معاً، ولنمضِ فيه جملةً جملة وبنهاية هذا المقطع، ستكتسب نظرة مختلفة تماماً إن شاء الله وستصبح ممّن لا يقتصرون على تكرار الكلمات بل يعيشون معانيها أول عباراتنا هي: "سبحانك اللهم" وهي في الأصل تعني: تنزيهاً لك يا الله فما معناها؟ تعني: يا الله، أنت منزَّه يالله عن كل نقص وعيب لا يلحقك نقص أنت الكمال كلّه هذا هو المعنى الأول الذي يتبادر إلى الذهن والمعنى الثاني هو التعجب وسنأتي إليه لاحقاً إن شاء الله وإذا ركزنا على المعنى الأول فماذا يخطر في البال حين نسمع هذه العبارة؟ خصوصاً تلك الكلمات القبيحة المتجاوزة التي يقولها غير المسلمين عن الله الله منزَّهٌ عن هذا ولكن مجرد قولك "أنا أؤمن بالله" لا يكفي فأيّ إله تؤمن به؟ لا بد أن يوافق إيمانك وصف القرآن لله عز وجل فمجرد القول "أنا أؤمن بالله" لا يكفي فمثلاً، هل، بحسب اعتقادك، ينام الله؟ لا هل يشعر بالتعب؟ أبداً هل يعلم ما يدور في خاطر الإنسان؟ نعم، كل شيء هل قدرته تكفي لكل شيء؟ قطعاً علينا أن نرسم وصفاً صحيحاً لله حتى يتحقق الإيمان الحق وهذا من أهم خطوات الإيمان سمعتُ مرةً أحدهم يقول: أنا أؤمن بالله، عندي إيمان لكن الإله الذي أؤمن به لا يُعذّب خلقه الآن ،هل هذا مؤمن بالله حقاً؟ هو يؤمن بإله صوّره في خياله لا الإله الذي وصفه القرآن وتعلمون أنّ هناك من يقول إنّ لله ولداً من الذي يقول هذا؟ النصارى، صحيح؟ فهم يصفون عيسى بأنه ابن الله فماذا نقول نحن حين نقول: "سبحانك اللهم"؟ نقول إنّ الله منزَّهٌ عن ذلك ونقول: كلامكم هذا غير صحيح فالله لا يحتاج إلى ولد ولا إلى أي شيء وفي العهد القديم، وهو الكتاب الذي يتبعه النصارى وتحديداً في سفر التكوين جاء فيه إنّ الله استراح ومعناه أنّ الله تَعِب واحتاج إلى راحة معاذ الله!
فالله منزَّهٌ عن كل ذلك كل منظومة اعتقادية خارج الإسلام تملك تصوراً باطلاً عن الله في الهندوسية، توجد آلهة يعاقب بعضها بعضاً ويتقاتلون فيما بينهم وفي الزرادشتية، يوجد إلهٌ ثانٍ يخلق الشر وفي العهد القديم، يوجد إلهٌ يصارع النبي يعقوب، وهكذا ألا يبدو مجرد سماع هذا الأمر غريباً؟ كل ذلك نوع من الافتراء وأنت حين تقرأ دعاء الاستفتاح "سبحانك اللهم" فأنت تتحدّى هذه المعتقدات الباطلة أنت تدافع عن حقيقة لا يراها ملايين الناس فعندما نقولها، ينبغي للمعنى الذي يتبادر إلى الذهن أن يترسخ "يا الله، أنت منزَّه عن كل نقص وعيب" "لا يلحقك نقص، بل أنت الكمال كله" الخلق نفسه يدل على مدى كمال الله عز وجل لقد خلق الله الكون بنظام محكم ومتوازن تأملْ حبة الثلج كل واحدة منها مخلوقة بنمطٍ فريد مليارات من حبات الثلج تختلف كل واحدةٍ منها عن الأخرى سواء نظرت إلى البنية البلورية لحبة الثلج تحت المجهر أو نظرت إلى ذلك الامتداد الهائل لحلزونيات المجرّات عبر التلسكوب تسمع الرسالة نفسها: الله منزَّه عندما تقول "سبحانك اللهم" فأنت تقول الكلمات نفسها التي ينطق بها الكون كله فلننتقل إلى المعنى الثاني لـ "سبحانك اللهم" عندما نُعجَب بشيء ما نقول "سبحان الله" وفي آيةٍ يقول الله تعالى: "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ" النباتات، الأزهار، الحيوانات، كل شيء يسبّح الله وعندما نقول "سبحان الله" فإننا ننظر إلى تسبيحها بإجلالٍ ونشاركها الثناء نفسه دعونا ننظر إلى السماء، إلى النجوم ولننظر أيضاً إلى ذرّات الرمل على الشاطئ وفي الصحراء برأيك، أيهما أكثر عدداً؟ حبّات الرمل أم النجوم؟ قد يفاجئك الجواب، لكن النجوم أكثر بكثير سبحان الله العالَم الكبير والعالَم الصغير مختلفان تماماً وفي كليهما نشهد كمال خلق الله هناك عبارة تقول: "سُبْحانَ مَن تَحَيَّرَ في صُنْعِهِ العُقُول" ومعناها: سبحان الله الذي أبهر العقول بروائع صنعه فهو منزَّه عن كل نقص تأمّلْ الآن الطفلَ الصغير يبدأ قطعة لحمٍ لا حياة فيها في رحم الأم ثم بعد مدة يتشكّل وتُنفَخ فيه الحياة وتأملْ الديناميكا الهوائية لطيران الطائر في الجو ولاحظْ في أي فيلم وثائقي أنّ الأوراق في أعلى الشجرة تتغذى بالماء الجاذبية تسحب الماء إلى الأسفل لكن بقانونٍ أوجده الله يرتفع الماء إلى الأعلى الله هو الذي خلق هذه القوانين، ونحن نتفكّر فيها والآن، تخيّل البطيخة منعشة ولذيذة في حرّ الصيف لقد وضع الله بداخلها نظام حفظٍ طبيعيّاً يحميها من الفساد فكأنّ حولها غلافاً يصونها من التلف ومن دون هذا النظام كانت البطيخة ستفسد خلال زمنٍ قصير وقد خلق الله أيضًأ البذور بداخلها لاستمرار نوعها فلو لم توجد تلك البذور بداخلها لأكِلَت بطيخة واحدة في زمن آدم وبعد ذلك انقرضت لكن الله وضع بداخلها مئات البذور تزرعها، فينتج لك بطيخ جديد فتأكله مرة بعد مرة الكون كله معرضٌ للفنّ وعند زاوية كل لوحةٍ بديعة التوقيع نفسه مكتوب: "سبحان الله" كلها تقول معاً: "نحن مخلوقاتُ قدرةٍ لا عيب فيها" دعونا نجعل من "سبحان الله" عادةً كلما أبهرنا شيء من صنيع الله وبعد هذا كلّه، ينبغي أن يترسخ في أذهاننا أننا حين نقول "سبحانك اللهم" نتذكر معنيين: الأول: أنّ الله منزَّهٌ عن كل تلك العيوب والمعتقدات الباطلة والثاني: "سبحان الله" التي نقولها عند الدهشة والروعة فنحن نقول: "يا الله، لقد خلقتَ خلقاً بديعاً" "وأنت منزَّهٌ عن كل نقص" والآن نصل إلى العبارة التالية: "وبحمدك" أي: الحمد لك، أُثني عليك حمداً فما هو الحمد؟ هو اجتماعُ الإعجاب والشكر هل أثنيتَ على أحد اليوم؟ قد تكون قلت شكراً لصديقٍ مثلاً ولكن هل فكرتَ من هو المصدر الحقيقي لتلك النعمة؟ نعم، ينبغي أن نشكر بعضنا بعضاً ولكن المستحق الحقيقي للحمد هو الله المالكُ الحقيقي للنعَم تصوّر أنك تلقيت هديةً مما كنت تتمنّاه شكرتَ عامل التوصيل، ولم تسأل حتى عن صاحب الهدية ما مدى عدالة ذلك؟ يبدو أمراً غير منطقي، صحيح؟ حسنًا ، هذا بالضبط ما يفعله الكثير من الناس مع نعم الله عندما نقول "وبحمدك"، يجب أن نتفكّر في هذا: "يا الله، ملايين الناس شكر بعضهم بعضاً اليوم" "لكنني أعلم أن الشكر الحقيقي إنما هو لك" "لقد شكروك دون أن يشعروا" "هم لا يعلمون ذلك، لكنهم في الحقيقة أثنَوا عليك" عندما تشاهد غروب الشمس ترى الطبيعة مصبوغةً بالورديّ والأصفر والأحمر والمستحق للحمد هناك هو الله حين تحمل طفلاً بين يديك وحين تأخذ نفَساً عميقاً بعد خروجك من مكانٍ لا هواء فيه وتقول: "آه!
الله هو خالق ذلك" تستمع إلى صوت المطر فينعش روحك أو ربما تجلس كتفاً إلى كتفٍ مع صديقٍ تشاركه همومك تُفرِغ قلبك، فتشعر بالخفة تحتضن زوجتك أو ولدك، فيسكن قلبك أخي، أختي، ربما لا تنتبهان لكنكم تميلون دائماً إلى شكر الأسباب والثناء عليها ولكن حين تقول "وبحمدك" تجد المالك الحقيقي لكل ما تشعر به من سعادة ومن يستحق الحمد حقًا و هو الله وتفهم انه بكل ذلك يريك الله محبتَه لك لقد علّمنا نبينا صلى الله عليه وسلم دعاء الاستفتاح هذا لأننا في أمسّ الحاجة إليه فالدنيا تُجبِرك على التركيز في الأسباب ومن أعظم العوائق أمام الإنسان الحجابُ الذي أمام عينيه فهل سترفع ذلك الحجاب لكي تبصر الحقيقة؟ هذا الإدراك سيقرّبك من الله والآن نصل إلى العبارة التالية: "وتبارك اسمك" ومعناها: اسمُك يا الله مليء بالبركة وفي ذكر اسمك بركة فلنشرح كلمة "بركة" أكثر هذه البركة هي خيرٌ خاص يأتي من عند الله وحده إنها الصفة التي تجعل القليل أكثرَ مما تتوقع نحن نحتاج إلى البركة في حياتنا احتياجاً عظيماً فعندما تكون البركة موجودة تتحول خطوةٌ إلى ألف خطوةٍ لكن عندما تفقد البركة، قد تخطو ألف خطوة ولا تتقدم إلا خطوة واحدة وقد تشعر أيضاً بالبركة عند كسب المال تجد البركة فيه، أو تلاحظ فقدانها حين يذهب المال سريعاً لكن البركة ليست في المال فقط فكّر فيها مع الوقت أيضاً فعندما تكون البركة في وقتك تشعر أنّ ساعةً واحدة كأنك أنجزت فيها عمل خمس ساعات وإن لم تكن البركة في صحتك فقد تمرض كثيراً ومن دون البركة في علاقاتك تكثر مشاكلك مع مَن تحب وتشعر بالتعاسة فما الطريق للحصول على هذه البركة؟ نحن بحاجة إليها كثيراً، صحيح؟ وبحسب الدعاء الذي نتحدث عنه الآن فالطريقة للوصول للبركة هو أن نعيش باسم الله أي أن نقول "بسم الله" قبل أن نبدأ أعمالنا ليس قولها فقط، بل استحضار معناها في قلبك هناك بركة في قول "بسم الله" كل شيء، الحيوانات، النباتات، يسير باسم الله، قائلاً "بسم الله" تأمّل البقرة لا تأكل إلا العشب، ومع ذلك تعطي لتراتٍ من اللبن المغذي كيف يحدث ذلك؟ عشبٌ ولبن!
ونحلةٌ عمرها يومٌ واحد يمكن أن تطير مسافاتٍ طويلة ثم تعود دون أن تضل طريقها لو أرسلتَ طفلاً عمره ثلاث سنوات إلى السوق لن يستطيع الرجوع وحده لكن النحلة تفعل ذلك، فكيف ذلك؟ كل هذا يُشير إلى حقيقةٍ عظيمة انه بأفعالها، تقول كل هذه المخلوقات: بسم الله "باسم الله" كل الحيوانات والنباتات وكل شيء يتحرك باسم الله، فيجد البركة فبينما تفعل الحيوانات هذا، نحن البشر أولى أن نبدأ أعمالنا بقول "بسم الله" فتصبح جزءاً من تلك السلسلة العظيمة فتمتلئ حياتك بالبركة تجلس إلى المائدة فتقول "بسم الله" قبل أن تتناول الطعام فيُبارَك الله فيه قبل أن تشرب الماء تقول بسم الله فيصبح هذا الماء شفاءً لك تركب سيارتك وتقول "بسم الله" فتكون رحلتك آمنة تفتح كتابك قائلاً "بسم الله" فتنشرح بصيرتك، وهكذا في كل شأن والآن نصل إلى "وتعالى جدّك" ومعناها: عظمتك وجلالك فوق كل شيء هناك أشياء نعدّها أعظم الأشياء وأمور نخافها كثيراً، لكن الله أعلى من ذلك كله فكر في هذا: الأرض تدور حول نفسها بسرعة 1670 كيلومتراً في الساعة وفي الوقت نفسه تدور حول الشمس بسرعة 108 آلاف كيلومتر في الساعة ومع كل هذه السرعة الهائلة يمكنك الجلوس على طاولتك وتشرب قهوتك دون أن تَهرُق قطرة أي قوةٍ هذه؟ أي توازن؟ أي عظمة؟ إخوتي و أخواتي ، في الشمس، كل ثانية يتحوّل 600 مليون طن من الهيدروجين إلى هيليوم وفي الوقت ذاته تجري عملية هائلة للطاقة لا تتوقف ولا تنسوا أن الشمس واحدة من أصغر النجوم هناك نجوم أعظم منها بأضعاف والله، وهو يدبر هذه المجرات الهائلة يعلم في اللحظة نفسها حتى أخفى الخواطر في عقولنا "يا الله، أنت الذي تُدخل الدهشة في قلوبنا" "وأنت الذي علمتنا الكلمات التي نعبّر بها عن ذلك بقول سبحان الله" "وتعالى جدّك" أي عظمتك يالله فوق كل شيء ولكن ماذا يحدث حين ننسى القوة الحقيقية لله؟ نفقد شعور الأمان الطمأنينة التي تقول "أن الله سيحميني" تبدأ بالاختفاء وفجأة تصبح المشكلات الصغيرة كبيرة ويمتلئ القلب خوفاً وقلقاً وتتساءل: "ماذا لو حدث كذا وكذا؟" ماذا أفعل إن وقع ذاك؟ ماذا لو مرضت؟ هذه الخواطر ترد على أذهاننا لكن ربنا هو الذي لا يترك عباده أبداً بكلمة "كن"، فيكون فإن التمسك بمعرفة قوة الله أمر بالغ الأهمية هذه المعرفة تغيّرك، وتمنحك إدراكاً عميقاً فتقول: "أنا لا أخوض معاركي وحدي" "إنني مستندٌ إلى قوة الله " بأمرٍ واحد منه، كن، يمكن أن ينقلب الوضع كله الأمور التي كنت تراها مستحيلة تصبح ممكنة أحياناً عندما أتأمل هذا الدعاء وهو دعاء الاستفتاح أشعر بدهشة من عظمة الحكمة التي أُهديَتْ إلينا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلّمنا كلمات فحسب بل أعطانا المفتاح الأمثل لبدء مخاطبة الله وهناك جملة أخرى تُقال ي صلاة الجنازة فقط: "وجلّ ثناؤك" ومعناها: عَظُم حمدُك، وارتفع ثناؤك فعند الجنازة، حين نكون وجهاً لوجه أمام الموت نتذكر أنّ الوحيد المستحق للحمد حقاً هو الله حتى إن كان للإنسان ملايين من الأموال فهي لا تكفي ثمناً للجنة المستحق الحقيقي لكل الثناء هو الله ذهبنا مؤخراً إلى المقبرة، وألقينا كلمة عند القبور فقلت للإخوة: في هذه القبور خلفنا يوجد أناس كانوا يملكون الملايين وهناك يرقد نجمٌ مشهور، لكنهم اليوم جميعاً صامتون جميعهم تحت الأرض وفي صلاة الجنازة نقول "وجلّ ثناؤك" أي الذي ارتفع حمدُه هو الله المنصب، والجاه، والذكاء، والقوة، والعضلات، كلها تزول النجاح، والمتابعون على مواقع التواصل، لا يبقى منها شيء كلها تتلاشى وفي تلك اللحظة، حين نواجه الموت، تظهر الحقيقة أن المستحق الوحيد للحمد هو الله سبحانه تخيل أنه في يومٍ من الأيام في جنازتك أنت أيضاً، سيُقال "وجلّ ثناؤك" فالموت سيصل إليك كذلك ففي ذلك اليوم، أي رتبة، وأي مال، وأي جمال سينفعك؟ لذلك ينبغي أن نعرف الله حق المعرفة من الآن ومن زاوية أخرى فهذا هو الذي يمنح الإنسان أعظم درجات الحرية فحتى لو ذهب كل شيء يبقى قلبك متصلاً بالقوة التي لا تنفد أبداً والآن نصل إلى آخر جملة: "ولا إله غيرك" أي: لا معبود بحقٍّ إلا أنت وهذه العبارة قريبة من "لا إله إلا الله" وفي الحقيقة، "لا إله إلا الله" عميقة للغاية حتى إنّ عمراً كاملاً ا يكفي لإدراكها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث إن خير ما قاله هو والنبيون الذين جائوا قبله "لا إله إلا الله" فعلى سبيل المثال، في عبارة "لا إله إلا الله" يمكننا أن نستبدل كلمة "إله" بأسماء أخرى من أسماء الله فنقول مثلاً: "لا رازق إلا الله" ما معناها؟ أنه لا أحد يرزق إلا الله "لا شافي إلا الله"، لا طبيبَ حقيقياً إلا الله "لا قادر إلا الله" لا قوة إلا قوته سبحانه "لا مُحيي إلا الله"، لا يهب الحياة إلا الله وبذلك تصل عبارة "لا إله إلا الله" إلى عشرات الطبقات من المعاني القلب يبحث عن ملجأ واحد وجملة "ولا إله غيرك" تحقق هذا الملجأ والآن، دعونا نلخّص سريعاً ما تحدثنا عنه منذ البداية: "سبحانك اللهم" يا الله، أنت منزّه عن كل نقص وعيب تُبدع من العجائب ما تحار فيه العقول "وبحمدك" أنت المستحق الحقيقي للحمد ومن يَحمد غيرك فهو في الحقيقة يحمدك أنت "وتبارك اسمك" في اسمك البركة كل عمل يبدأ باسمك يجد البركة "وتعالى جدّك" عظمتك، وقوتك، ووجودك، وجلالك مرتفع فوق كل مقارنة "ولا إله غيرك" لا معبود غيرك أخوتي أخواتي، كل ما تحدثنا عنه يعود إلى نقطة واحدة: ليس مجرد أداء الصلاة، بل عيش الصلاة والشعور بها حين نقف بين يدي الله ونعيش في قلوبنا ما نقوله بألسنتنا ونعقله بعقولنا تتوقف الصلاة عن كونها مجرد واجب وتصبح إلى لقاءٍ حقيقي وبالطبع، حتى إن لم نفكر في هذه المعاني العميقة نحن ما زلنا نؤدي فريضة الصلاة ولا شك في ذلك لكن بعد هذه السلسلة، إن استطعتَ أن تفهمها وتطبّقها في صلاتك فسيكون الأمر شيئاً مختلفاً تماماً، إن شاء الله في هذا الجزء ركّزنا على أحد أهم الأدعية الأساسية وفي أجزاء أخرى تناولنا تفسير سورة الفاتحة وفي فيديو آخر تناولنا معاني سورتي الفلق والناس عندما نتأمل هذه المعاني، تتحول الصلاة إلى علاجٍ للقلب لأن في كل منها دلائل عظيمة على صفات الإله الذي نؤمن به طَوال حياتك ستكرّر هذا الدعاء آلاف المرات لكن القضية ليست في التكرار القضية هي أن تتقدم إلى الله خطوةً مع كل تكرار إخوتي ، أخواتي، سيأتي يومٌ تسكت فيه ألسنتنا وستدخل الحقائق التي استقرّت في قلوبنا قبورَنا معنا ولكي نكون من الفائزين في ذلك اليوم يجب أن نفهم هذه الكلمات حق الفهم وبالمناسبة، للذين يجدون صعوبة في المحافظة على أداء الصلوات الخمس بانتظام فقد طوّر فريقنا تطبيقاً شائعاً جداً مجاني وخالٍ من الإعلانات وأشجعكم بشدة على تجربته إن شاء الله