Towards Eternity
العودة إلى المدونة

شبكة عنكبوت تنقذ حياة النبي محمد! - يا رسول الله | الحلقة 5

نُشر في

شاهد على يوتيوب

رجالٌ مسلّحون اختيروا من كل قبيلةٍ من قبائل مكة يتحرّكون في هدوءٍ عبر ظلام الليل متّجهين مباشرةً إلى بيت رسول الله ﷺ وكان سبب اجتماعهم أنهم أرادوا قتله لقد وضعوا خطةً محكمة، وكانوا ينتظرون اللحظة الأنسب لكن، هل نجحوا؟ ولفهم كيف وصلت الأمور إلى هذه النقطة لنَعُد خطوةً إلى الوراء كان ذلك في العام الثالث عشر من البعثة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "إني أُريتُ في المنام دارَ هجرتكم" "أرضاً ذاتَ نخلٍ بين لابتين" وبعد عامين من الإعداد الدؤوب كان الإسلام قد ترسّخ في يثرب وأصبحت أبواب المدينة مفتوحةً للمسلمين وتمت بيعة العقبة الثانية واختار الله موضع الهجرة لرسول الله وأصحابه وهكذا بدأت أيام الهجرة أيامٌ ستكون مليئةً بالمشاق لكنها ستكون أيضاً مليئةً بالمعجزات هذه السلسلة المرئية تستند إلى مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثقة جميع الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي أعدت بالتشاور مع علماء مسلمين مؤهّلين وبما يوافق الضوابط الإسلامية بعد هذه الكلمات من النبي ﷺ انطلق الصحابة إلى المدينة جماعاتٍ وكان عامر بن ربيعة وزوجته ليلى من أوائل من هاجروا وكانا قد هاجرا من قبل إلى الحبشة أيضاً وها هما الآن، نصرةً لدينهما يتركان وطنهما للمرة الثانية ولئلا يلفتوا انتباه أهل مكة خرج بقية الصحابة كذلك في جماعاتٍ صغيرة قد يبدو الأمر سهلاً، لكن في الحقيقة كانت تلك الرحلات أشدّ صعوبةً ممّا نَصِف كان على كل قافلةٍ أن تواجه كثيراً من الشدائد قبل أن تصل أخيراً إلى يثرب وكلما لاحظ أهل مكة خروجَ أناسٍ مهاجرين حاولوا منعهم وإن تمكنوا من الإمساك بهم جرّوهم عائدين إلى مكة وعذّبوهم وكان ألمٌ آخر على الصحابة هو تركُ وطنَهم الحبيب وراءهم بيوتٌ عاشوا فيها سنين طويلة، كانت تضحيةً عظيمةً لا يقدر عليها الجميع لقد كانوا يعيشون حياتهم من أجل نصرة الإسلام وحده لم يكونوا متعلّقين بالدنيا مطلقاً أن أراد الله ورسوله ذلك، فهذا يكفي وكانوا سيهاجرون مهما كان الثمن لكن كان بين الصحابة رجلٌ مختلف بينما كان الجميع يهاجرون في السرّ، تقلّد هو سيفه وأخذ قوسه وسهامه ورمحه وانطلق مباشرةً إلى الكعبة وأمام أعين الناس، طاف بالبيت ثم صاح فيهم: "اعلموا أني مهاجرٌ!" "في سبيل الله!" "حفاظاً على ديني!" "فمن أراد أن تثكله أمه و يُؤْتِمَ ولده، او يرمل زوجه" "فليلقني وراء هذا الوادي!" لم يجرؤوا على اتّباعه، ولم يملكوا حتى أن يردّوا وسكت الجمْع كلّه ذلك الرجل لم يكن سوى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم أخذ معه نحو عشرين من المسلمين الفقراء الضعفاء وانطلق إلى يثرب ولقد قال عليٌّ رضي الله عنه بعد ذلك: "ما علمت أحداً" "هاجر إلا مختفياً إلا عمر بن الخطاب" وسُمّي المسلمون الذين هاجروا من مكة: المهاجرين وسُمّي مسلمو المدينة الذين استقبلوهم ونصروهم: الأنصار لقد استقبل الأنصار المهاجرين ببالغ الإحسان وآووهم في بيوتهم وتكفّلوا بهم وأما المهاجرون الذين كانوا عُزّاباً فقد نزلوا في بيت صحابيٍّ أعزب سعد بن خيثمة رضي الله عنه ولم يتبقَ إلا عليٌّ بن ابو طالب وأبو بكر والنبي ﷺ وأهلوهم والصحابة الذين منعهم مشركو مكة وحبسوهم وكذلك كان عددٌ من المسلمين لا يزالون في الحبشة ثم إن بعضهم سيتوجه إلى يثرب بعد هجرة النبي ﷺ لاحقاً بينما سيبقى آخرون في الحبشة لمواصلة نشر الإسلام هناك فماذا كان ينتظر النبي ﷺ ليهاجر؟ كان يستطيع أن يؤمّن نفسه ويغادر فوراً لكنه، كقائدٍ حقيقي، كان يقدّم غيره على نفسه دائماً كان همّه الأول أن يطمئن إلى وصول أصحابه إلى يثرب سالمين والأهم من ذلك أنه لم يكن قد تلقّى إذناً من الله بالهجرة بعدُ، فانتظر لكن أيضاً، كان هناك سببٌ آخر سببٌ كشف مرةً أخرى حقيقةَ أخلاق الناس وبيّن من كان صادقاً ومن كان كاذب كان رسول الله ﷺ لا يزال عنده أماناتٌ قد أودعها عنده المشركون وكان يعلم جيداً عِظَم مسؤولية الأمانة عند الله وحتى في مثل هذا الظرف العصيب كان يخطّط لإرجاعها إلى أصحابها ومن العجيب حقاً عقلية مشركي مكة فمن جهةٍ كانوا يرون النبي ﷺ عدوّاً لهم حاولوا قتله، ورموه بالكذب، واتهموه بالسحر ومع ذلك، من جهةٍ أخرى، ظلّوا يودعون عنده نفائسهم ولا يطالبونه بها وكانوا لا يزالون يثقون بكلمته ويرونه أصدق الناس وأوفاهم وهم يعلمون أنه لم يُعرَف عنه قطّ غشٌّ ولا خيانةٌ ولا احتيال لكن ما كان يدعوهم إليه كان يصطدم بمصالحهم الخاصة وكان أبو بكرٍ وعليٌّ رضي الله عنهما سيتحمّلان أشقّ المهام في هذه الهجرة كان أبو بكرٍ يَفِدُ إلى النبي ﷺ على الدوام ويطلب الإذن بالهجرة لكن رسولَ الله ﷺ لم يأذن له بعدُ بل كان يُلمّح له قائلاً: "لا تَعْجَلْ" "لعل الله أن يجعل لك صاحباً" ومع هجرة المسلمين واحداً بعد واحد، ازداد قلق قريش خشوا أنه إن خرج رسول الله كذلك وصار قائداً لهم فسيغدو المسلمون قوةً لا يستهان بها وزاد الأمر سوءاً عندهم أن طريق التجارة إلى الشام كان يمرّ بيثرب فقد يُقطَع عنهم سبيلُه ولم يكونوا ليسمحوا بحدوث ذلك أبداً فاجتمعوا في دار الندوة ليجدوا حلّاً وأدلى كلّ واحدٍ برأيه في شأن النبي ﷺ فقال بعضهم: "لنحبسْه" بل لننفِهِ بل قالوا حتي "لنقتلْه" لكن هذه الآراء لم تُقبَل، ولا سيما رأي القتل فقد كان ذلك بالغ الخطورة؛ لأنهم إن فعلوا قامت ثأرةٌ دموية مع بني هاشم وكانوا يخافون الانتقام وأخيراً جاء أبو جهل بخطةٍ خبيثة قال: "لا خيار إلا قتله" "أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً، جليداً، نسيباً، وسيطاً فينا" "ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً" "ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه" "فنستريح منه" "فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً" "فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً" "وسيضطرون إلى قبول الدية" فوافقوا جميعاً على خطته غير أن حقيقةً واحدة لم ينتبه لها المشركون إن هدف تلك المكائد كلّها كان رسولَ الله ﷺ وقد ذكر ربّنا هذا الحدث بعينه في سورة الأنفال: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا" "لِيُثْبِتُوكَ" "أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ" "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ" "وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" وبينما كان المشركون منشغلين بتدبير خططهم كان لله تدبيرٌ أعظم فبواسطة جبريل عليه السلام أَعلَمَ النبيَّ ﷺ بمكرهم وأمره بالهجرة الرحلة المباركة التي سيُتحدَّث عنها لقرون على وشك البدأ ثلاثة عشر سنةٍ طويلة جاهد في مكة لنشر الإسلام كان عملاً شاقّاً، حتى خاطبه الله في القرآن قائلاً: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" ومع كل جهوده، لم يترك عبدةُ الأوثان عنادَهم والآن ستستمر رسالةُ النبي ﷺ في يثرب في حرّ الظهيرة ذهب رسول الله ﷺ إلى بيت أبي بكر فلما رأى النبيَّ ﷺ يأتي في وقتٍ غير معتاد تعجّب كثيراً وقال في نفسه: "والله ما كان يأتي في مثل هذه الساعة" "لا بد أن أمراً مهمّاً قد حدث" فأدخل النبيَّ ﷺ ورحّب به وأجلسه على وسادته "بأبي أنت وأمي يا رسول الله" "ما الخبر؟" فبشّره النبي ﷺ: "إن الله عزّ وجل أَذِنَ لي أن أخرج من مكة" "وأهاجر إلى يثرب" وكان أبو بكرٍ رضي الله عنه ينتظر هذه اللحظة بشوقٍ بالغ وكان يتمنّاها من أعماق قلبه ومع ذلك لم يسأل النبيَّ ﷺ عنها صراحةً قطّ غير أن رسول الله ﷺ كان يلمّح له بين الحين والآخر وأخيراً تجرّأ فسأل السؤال الذي كان يشتعل في صدره: "هل أتشرف بصحبتك في هذه الرحلة، يا رسول الله؟" فلما قال رسول اللهﷺ: "نعم"، فرح أبو بكر فرحاً شديداً حتى فاضت دموعه وقد قالت عائشة : "فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح" "حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ" لقد حان أخيراً وقت الهجرة التي كان ينتظرها أبو بكر ومعه خيرُ رفيقٍ إلى جانبه ولكن كيف سيخرجان من مكة رغم كل مكائد المشركين لهما ؟ كان رسول الله ﷺ قد دبّر كل شيءٍ، وكانت خطته جاهزة أولاً، سيعقدان اتفاقاً مع دليلٍ أمن عبد الله بن أُرَيقط ويعطيانه بعيرين مقدّماً ثم يتجهان نحو جبل ثور ويُقيمان في غاره ثلاثة أيامٍ ب لياليهم والسبب أن جبل ثور يقع في الجهة المعاكسة لطريق المدينة وكان ذلك لإضلال العدو فلبثا في غار ثور ثلاثةَ أيامٍ ريثما تهدأ الأوضاع وخلال ذلك، كانت ابنةُ أبي بكر السيدة أسماء رضي الله عنها تحمل الطعام إلى الجبل ولم تكن تضحيةً يسيرة؛ إذ كانت حبلي في شهرها السابع ومع ذلك كانت تصعد وتهبط الجبل الصخري الوعر الذي يبلغ ارتفاعه نحو 750 متراً وكان ابنُ أبي بكر، عبد الله، في العاشرة من عمره وكانت مهمته أن يطوف في السوق ويُصغي جيداً لما يقوله عبدةُ الأوثان ثم يعود إليهما بالأخبار وكان صحابي آخر، عامر بن فهيرة يسوق مواشيه في الطريق نفسه الذي يسلكانه، ليُغطّي آثار أقدامهما لقد خُطِّط لكل خطوةٍ بعنايةٍ بالغة وفي كل هذه الأشياء كان رسول الله ﷺ يُعلِّم أمته التوكّل على الله بأجمل صورة كان يطلب العون من الله أولاً، ثم يضع خطته ويأخذ بالأسباب، ويبذل ما في وسعه ثم يَكِلُ النتيجة إلى الله وعرض أبو بكرٍ البعيرين اللذين أعدّهما من قبل لهذه الرحلة لكن رسول الله ﷺ قال: "لا آخذه إلا بثمنه" ورغم أن أبا بكرٍ قال: "بأبي أنت وأمي" أصرّ النبي ﷺ ولم يجد أبو بكرٍ بُدّاً من الموافقة فأخذ رسول الله ﷺ البعيرَ دَيناً وكان سيسدّده عند أول فرصة كانت تلك الناقةُ "القصواءَ"، ناقةَ رسول الله ﷺ المشهورة وكانت ناقةً مميّزة، وقد ذُكرت مراراً في السيرة وحين يصلان إلى يثرب ستؤدّي دوراً مهمّاً في أمرٍ عظيم ولأن المشركين قد يقدمون على فعلٍ في أي لحظة كان لا بد من الخروج سريعاً ولكن ماذا عن الأمانات التي كانت عنده؟ ذهب رسول الله ﷺ إلى عليٍّ وأخبره أنه مهاجر، وقال له: "نم على فراشي الليلة" "وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، لا تخف" "فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" لو رأى أهل مكة فراشه خالياً لأدركوا أن النبي ﷺ قد خرج ولبادروا فوراً إليه لملاحقته لكن هذا منحهم بعض الوقت اما علي فسيُؤدّي الأمانات ويلحق بهم بعد ذلك أليست هذه مهمةً تحتاج إلى وفاءٍ عظيم، وتضحيةٍ، وشجاعة؟ فإن الاضطجاع في ذلك الفراش كان يعني الاستعداد لمواجهة الموت لكن حين قال له رسولُ الله ﷺ "لا تَخَفْ، لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" كان هذا كافياً لأنه كان قد قطع عهداً وهو في الثالثة عشرة من عمره أتذكرون حين سأل النبي ﷺ مرةً: "مَن يجيب دعوتي ويكون لي وزيراً؟" فرفع يده وقال: "يا رسول الله" "أنا أكون عوناً لك، وإن كنتُ أحدثَهم سنّاً" وها هو الآن يصدق ذلك القول حقّاً وجعل رسولُ الله ﷺ عليّاً ينام في فراشه ثم ودّعه ولكن ما إن همَّ بالخروج حتى حُوصِر البيت جاء من كل قبيلةٍ رجالٌ مهرةٌ بالسيوف، فأحاطوا به فماذا سيحدث الآن؟ هل سيقتحمون البيت فوراً؟ على الرغم من أنهم كانوا أهل جاهلية إلا أن لديهم قدراً من المروءة فكانوا يرون أن قتل الرجل داخل بيته فعلُ جبنٍ مخزٍ ومهانة لذلك كانوا ينتظرون خروج النبي ﷺ وأما رسول الله ﷺ، وهو متوكلٌ على الله تمام التوكّل فلم يشعر بأدنى خوف أخذ قبضةً من تراب، فنثرها على المشركين وتلا أوائل تسع آياتٍ من سورة يس ثم مرّ من بينهم وفي الآية التاسعة يقول الله تعالى: "وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا" "فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ" ولا ترى العيون إلا إذا أذن مالكُ البصر الحق، لها أن ترى في تلك الليلة جعل الله على أبصار المشركين غشاوةً وأخفى رسوله الكريم عنهم وهم لا يدرون ما الذي وقع ظلّوا ينتظرون خروج النبي ﷺ عند الباب وأخيراً مرّ رجلٌ فسألهم: "ما الذي تنتظرونه هنا؟" "ننتظر محمداً" "لقد نثر محمدٌ عليكم التراب وخرج منذ وقت" "انظروا إلى أنفسكم" فلما نظروا إلى ثيابهم رأوا التراب عليها فدهشوا ولم يفهموا ما الذي كان يحدث ثم نظروا إلى الداخل فرأوا أن أحداً لا يزال مضطجعاً على الفراش "ها هو ذا" "محمدٌ نائمٌ هناك" وبقوا ينتظرون خروجه وفي ذلك الوقت كان رسولُ الله ﷺ قد وصل بالفعل إلى بيت أبي بكر وكما اتفقا، سلّما البعيرين أولاً إلى ابن أُرَيقط واتفقا أن يلتقيا عند سفح جبل ثور بعد ثلاثة أيام ثم ينطلقا بعدها وأما المشركون فظلّوا عند الباب ينتظرون رسولَ الله ﷺ حتى انفلاق الفجر فلما طلع الصباح قام عليٌّ رضي الله عنه من الفراش فلما رآه المشركون ذُهلوا لرؤيته وسألوه: "أين محمد؟" "لا أدري، أنتم ألجأتموه إلى ذلك، فخرج" فاشتد غضب المشركين وصاحوا في وجه عليٍّ رضي الله عنه ودفعوه ثم أخذوه إلى الكعبة وأبقوه هناك مدةً ثم أطلقوه ثم أخذوا يفتّشون شوارع مكة عن رسول الله ﷺ ويبحثون في كل مكانٍ يُظن أنه قد قصده وقرر أبو جهل أن يذهب إلى بيت أبي بكر "افتحوا هذا الباب الآن!" ففتحت ابنته أسماء الباب فلما سألها أبو جهل: "أين أبوك؟" قالت أسماء: "لا أدري" ثم، غيرَ مبالٍ بحملها لطمها أبو جهل لطمةً شديدةً حتى سقط قرطُها فتشوا في كل مكان، ولكنهم لم يجدوا النبي ﷺ ولا أبا بكر وأخيراً أدركوا أنهما قد خرجا بالفعل وفي هذه المرة وضعوا جائزة: "مئةُ ناقةٍ لمن يأتي بمحمدٍ أو بأبي بكر، حيّاً أو ميتاً" كانت هذه فرصةً عظيمةً لكل لصٍّ، وقاتلٍ ولكل يائسٍ في مكة فانطلقوا يطلبون الجائزة وبينما كان هذا يحدث في مكة كان رسولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ قد بلغا غارَ ثور ليلةَ الجمعة دخل أبو بكرٍ أولاً، فنظّف الغار وهيّأه ولأن فيه فتحاتٍ خشي أن تزحف حيّةٌ أو دويبةٌ فتؤذي النبي ﷺ فمزّق ثوبه قطعاً وسدّ بها الفتحات ولما لم تكفِ ثيابه، سدّ الفتحة الأخيرة بقدمه ثم دعا النبي ﷺ للدخول دخل رسولُ الله ﷺ، ووضع رأسه في حجر أبي بكرٍ ونام وبعد حينٍ أحس أبو بكرٍ بحرقة و ألمٍ شديد لقد لدغت حيّةٌ القدمَ التي كان يضغط بها على الفتحة ومع ذلك لم يسحب قدمه مخافة أن يستيقظ رسولُ الله ﷺ بل انه لم يتحرك حتى لكن الألم كان شديداً حتى بدأت الدموع تسيل من عينيه ثم سقطت قطراتٌ منها على وجه النبي ﷺ فاستيقظ فسأل رسول الله ﷺ: "ما بك يا أبا بكر؟" فقال: "يا رسولَ الله، لقد لُدِغتُ في قدمي" "ولكنه لا شيء" "بأبي أنت وأمي" وجعل الله ريقَ نبيِّه المبارك سبباً للشفاء فمسح رسولُ الله ﷺ موضعَ اللدغة بريقه، فما هي إلا لحظة حتى زال ألم أبي بكر و كان عمر رضي الله عنه يحكي للصحابة عن هذه الليلة فيقول: "والذي نفسي بيده" "لليلةُ أبي بكرٍ في الغار خيرٌ من آلِ عمرَ كلِّهم" وكان بذلك يعدّ تلك الليلة أثمن من عمره كله وبأمر الله نسجت عنكبوتٌ خيطاً كثيفاً على مدخل الغار فمن رآه لم يَشُكّ أن رسولَ الله ﷺ بالداخل لكن الخطر أيضاً كان قريب فالمشركون كانوا في طريقهم ليصلوا حتى فم الغار وخلال الأيام التي مكث فيها النبي ﷺ وأبو بكر في الغار كانت أسماء تحمل إليهما الطعام وقد أعدّت زاداً في صُرّتين، لكنها لم تجد حبلاً لربطهما ولم يكن معها إلا نطاقُها وفي تلك الثقافة كان خروج المرأة بلا نطاقها يُعد عاراً شديداً وعلامةً على قلة الاحتشام ومع ذلك قبلت هذا الحرج فنزعت نطاقها و شقته إلى نصفين وربطت به الصرتين فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك قال: "أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة " وفي أثناء ذلك كان المشركون القساة يفتّشون عنهما في كل مكان وكان القَفَاةُ الماهرون منهم يتبعون كل أثرٍ بعنايةٍ شديدة وأخيراً عثروا على آثار أقدامٍ، وبدأوا يتتبعونها لكن الآثار كانت تتجه نحو جبل ثور فاستغربوا ذلك لأن الجبل كان في الجهة المعاكسة لطريق المدينة غير أنهم لم يتركوا شيئاً إلا جرّبوه فواصلوا السير حتى بلغوا الجبل وأصاب أبا بكرٍ رضي الله عنه قلقٌ شديد لأنهم صاروا قريبين جداً كان خائفاً، لكن ليس على نفسه ماذا لو قُتل النبي ﷺ الرجل الذي كان يحبه أكثر من نفسه؟ هل تنتهي رسالته هكذا؟ كان المشركون يقتربون من الغار فهمس أبو بكرٍ: "يا رسول الله" "لا يضرّني إن قتلوني" "فأنا رجلٌ واحد" "لكن إن أصابوك، معاذَ الله" "فذلك يهدم الأمة كلّها" فأجابه النبي ﷺ وهو في تمام التوكل على الله: "لا تحزن" "إن الله معنا" وصل المشركون و قالوا: "لنفتّش هذا الغار أيضاً" وتقدّم أحدهم حتى بلغ مدخل الغار كانوا قريبين جداً حتى إن رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ كان يمكن أن يُكشَفا في أي لحظة قال أبو بكرٍ: "يا رسول الله ﷺ لو ان احدهم نظر تحت قدميه" "لأبصرنا فقال رسول الله ﷺ بصوتٍ هادئ: "يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين" "الله ثالثُهما؟" وصاح أحدُ زعماء قريش، أُميّة بن خلف، غاضباً: "إلى متى ستقفون عند هذا الغار؟" "أما ترون نسيج العنكبوت على المدخل؟" "والله إني لأظن أن هذا النسيج كان هنا قبل أن يُولَد محمد" فانصرفوا عن الغار دون أن يجدوا ما كانوا يبحثون عنه وبخيوطٍ رقيقةٍ نسجتها عنكبوتٌ واحدة أبطل الله خططَ من ظنّوا أنفسهم أذكياءَ أقوياء ثم خرج النبي ﷺ وأبو بكرٍ من الغار أخيراً و حان وقت متابعة الرحلة كانا سيلتقيان بعبدَ الله بن أُرَيقط الذي سيأتي بالإبل ثم ينطلقون معاً إلى يثرب ومن التفاصيل اللافتة أن عبد الله بن أُرَيقط كان مشركاً تخيّلوا ذلك ماذا كان سيحدث له لو علم قومه بما يفعل؟ وفوق ذلك، لو خان النبي ﷺ وقام بتسلّيمه، لنال جائزة مئة ناقة لكن بخدمته لرسول الله سينال فقط ناقتين لكن أُرَيقط كان أميناً، صاحبَ عهدٍ وكلمة ومن غير أن يشعر به أحد جاء بالإبل ثم دلّهم على الطريق ومع أنه لم يكن مؤمناً، لم يخلف وعده ومرّوا بمنطقةٍ تُسمّى الحزورة فأوقف النبي ﷺ ناقته والتفت إلى مكة بنظرةً أخيرة وقال بكلمات وداعٍ تفيض بالحزن و الشجن "والله إنكِ أحبُّ بلادِ الله إلى الله، وأحبُّ بلادِ الله إليَّ" "ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجتُ" لكنه سيبُشِّر بأنه سيعود مجدداً فقد أنزل الله عليه هذه الآية تسليةً له: "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ" "لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ"، أي إلى وطنه مكة أتذكرون ما قاله ورقة حين جاء الوحي أول مرة إلى رسول الله ﷺ؟ "سيُخرجك قومك من أرضك" والآن صار معنى تلك الكلمات أوضح من أي وقتٍ مضى ظلّ أهل مكة عُمياناً عن الشمس التي كانت ستشرق أمام أعينهم وها هو هذا الكنز، رحمةٌ للعالمين يفلت من بين أيديهم وبعد أن قطعا مسافةً طويلة، مرّا بخيمةٍ في الطريق كانا بحاجةٍ إلى الراحة كانت الخيمة لأبي مَعْبَد وزوجته أمّ مَعْبَد سلّم عليهم رسول الله ﷺ وأراد أن يشتري طعاماً فسألهم: "هل عندكم تمرٌ أو شيءٌ يؤكل؟" استحيت أمُّ معبد أن تردّ الضيف وقالت ليس عندها ما تُقدّمه ثم رأى رسولُ الله ﷺ شاةً هزيلةً ضعيفة فقال: "هل بها من لبن؟" فقالت أم معبد: "هي أجهدُ من ذلك" "فكيف يكون لها لبن؟" ثم طلب رسولُ الله ﷺ أن يحلبها، فأذنت له أمُّ معبد فوضع النبي ﷺ يده الشريفة على الشاة ومسح ضرعها وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ودعا بدعاء ثم طلب منهم أن يحضروا إناءً وبدأ يحلب الشاه فإذا بتلك الشاة الضعيفة تُدرّ من اللبن ما أدهشهم حتى امتلأ الإناء كله فشرب من حضر حتى ارتوى ثم حلبها النبي ﷺ ثلاث مرات وترك الإناء الثالث لأم معبد ثم مضيا في طريقهما وقالت أم معبد بعد ذلك إن الشاة ظلّت تدرّ اللبن سنين حتى في سنوات المجاعة حين نفد كل شيءٍ غيرها كانوا يحلبونها صباحاً ومساءً ولم تكن رحلةُ المشقّة قد انتهت بعد ففي كل خطوةٍ كانوا يكملون طريقهم تحت تهديدٍ دائمٍ بالموت وفي مكة شاع خبرُ جائزة المئة ناقة فأسرع كثيرون يطلبونها وكان من بينهم سُراقة بلغه أن جماعةً من ثلاثة أشخاصٍ يتجهون في جهةٍ معيّنة ففهم من يكونون، لكن الجائزة كانت عظيمة وأراد أن ينفرد بها لنفسه فأجاب وكأن الأمر لا شأن له به، وقال: "لا، الذين رأيتموهم فلانٌ وفلان" "مرّوا منذ قليل، وقد رأيناهم نحن أيضاً" ثم ركب فرسه وانطلق وكان سُراقة ماهراً في تتبع الأثر بارعاً في اقتفاء الطرق وسرعان ما لحق برسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وعبد الله بن أُرَيقط وبينما كان يقترب عثرت فرسه فجأةً وأسقطته أرضاً حاول أن يعود ليركبها، لكنه سقط مرةً أخرى ثم بعد قليل تكرّر الأمر مرةً ثالثة وفي هذه المرة غاصت قوائم الفرس الأمامية في الرمل غوصاً شديداً ومهما حاول لم يستطع إخراجها عندها بدأ يدرك شيئاً لم يكن ذلك حادثاً عادياً لقد كانوا في حماية الله فنادى: "يا محمدُ، ادعُ الله أن يُنَجِّيَني ممّا أنا فيه" "ولك عليَّ أن أردَّ عنك الطلب" فلما دعا النبي ﷺ انفكّ عنه وتأثر سُراقة بما رأى تأثراً عظيماً ونادى على النبي ﷺ وبدآ يتحدثان في تلك اللحظة لم يُسلِم لكن بذور الإيمان بدأت تنبت في قلبه ولاحقاً سوف يصبح مسلماً أيضاً وبعد أن تحدث مع رسول الله ﷺ قال: "لقد علمت أنك ممنوع ، فمُرني بما شئتَ أفعله" فطلب منه رسولُ الله ﷺ أن يصدّ الناس عن تتبعهم فرجع سُراقة على الفور، ولما لقي القَفَاة الذين بعثتهم قريش قال: "لقد كفيتكم هذا الطريق فتّشتُه فلم أجد فيه أحداً" وبذلك صرفهم وردّهم عن الطريق في مطلع ذلك اليوم كان على صهوة فرسه يجوب الصحراء ليأسر النبيَّ ﷺ، ولكن في آخر اليوم صار حارساً له وسيقول له رسولُ الله ﷺ بعد ذلك: "يا سُراقة، كيف بك إذا لبستَ سِوَارَي كِسْرَى!" في تلك اللحظة لم يفهم سُراقة معنى ذلك لكن بعد سنين، وبعد فتح القادسية جِيءَ بكنوز كسرى على الإبل ثم إن خليفة ذلك الزمن، عمر رضي الله عنه دعا سُراقة وعندما نتأمل قصة الهجرة هذه، تتجلّى حقيقةٌ عظيمة جاء سُراقة، لكنه لم يستطع قتله ووُضِعت جائزةُ مئةِ ناقةٍ لمن يأتي به وتعقّبه عشراتُ الرجال طلباً للجائزة لكنهم لم يقدروا عليه وحاصروا بيته ليقتلوه ومع ذلك لم يستطيعوا حتى أن يروه واقتربوا منه جداً عند الغار، ومع ذلك لم يقتلوه ولن يقدروا على ذلك أبداً لأن الله كان يحفظه من الموت حتى يُتمَّ رسالته فإذا اكتمل نزول القرآن انتقل إلى رحمة الله مطمئنّاً على فراشه وفي الحقيقة، كان هذا قد أُخبر به إعجازاً في القرآن ففي سورة المائدة في مطلع الآية 67، يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ" "وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" تأمّلوا ذلك كانت خطتهم بسيطةً جداً: اقتلوا رجلاً واحداً، وينتهي كل شيء ومع ذلك، مع أنه عاش بينهم في مكة ثلاث عشرة سنة وبدا بلا حمايةٍ ولا سلاح، فقد أخفقوا وطوال حياته كانت محاولات قتله لا تُحصى وهو ساجدٌ في الصلاة حاولوا أن يهشّموا رأسه بحجر وفي مرةٍ أخرى حاولوا خنقه من خلفه وبينما هو مضطجعٌ تحت شجرةٍ، سلّوا سيوفهم ليقتلوه وقدّموا له طعاماً مسموماً بسمٍّ قاتل وبينما كان جالساً إلى جدار حاولوا أن يُسقِطوا عليه صخرةً من أعلى أتذكرون عمر رضي الله عنه؟ لقد خرج يوماً وهو يريد قتل النبي ﷺ وخاض النبيّ معارك، وصار هدفاً رئيسياً ومرّ بلحظاتٍ شديدة القسوة، ومع ذلك نجا منها كلها أفليس عجيباً أن رجلاً بهذه الحياة وهذه الرسالة لا يُقتَل ثلاثاً وعشرين سنة، ثم يموت مطمئنّاً على فراشه؟ والأعجب من ذلك كله أن القرآن قد أخبر بذلك بالفعل لقد وعد ربُّنا أن يعصم رسوله من الناس فحفظه حتى النهاية كان رسولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ قد قطعا الطريق قرابة عشرة أيام وكانت الهجرة، التي ستعلن بدايةَ عهدٍ جديدٍ تشارف على نهايتها لقد كانت هذه الرحلة المباركة مليئةً بمشاهد لا تُنسى: أخوّة، وتضحيات، وتوكّل على الله، وشوق وبذورُ هدايةٍ تُزرَع، ولحظاتُ خطر ونجاةٌ من الموت ومعجزات من الخارج لم تدم إلا نحو عشرة أيام لكنها بدت وكأنها أطول بكثير كل لحظةٍ كانت تحمل شعوراً مختلفاً ودرساً مختلفاً كان على وشك أن يحتضن المدينة المدينة التي ستغدو قريباً مركزَ الإسلام وقبل أن تتحول يثرب إلى المدينة فلننظر أولاً إلى ما كانت عليه يثرب كان يعيش في يثرب إلى جانب اليهود، قبيلتان عربيتان كبيرتان: الأوس والخزرج وكان اليهود قد استقروا في يثرب قبل هاتين القبيلتين العربيتين لأنهم من كتبهم كانوا يعلمون أن النبيَّ الخاتم سيهاجر يوماً إلى يثرب فلهذا اختاروا السكنى فيها وانقسموا لثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير وحين قدم رسولُ الله ﷺ إلى المدينة كان عدد سكانها نحو عشرة آلاف وكان نحو 40% منهم يهوداً ومع أنهم كانوا أقليةً، كانوا أقوى من العرب وخاصةً في التجارة والسياسة، وفي مجالاتٍ كثيرةٍ أخرى وكانت قبيلتا الأوس والخزرج في قتالٍ مستمرٍّ سنواتٍ طويلة وفي آخر وقعةٍ بينهما، مع قلة عدد الأوس، انتصروا على الخزرج ثم بعد ذلك قرروا أن يعقدوا اتفاقاً ويُختار منهم ملكٌ عليهم والرجل الذي اتفقوا عليه، والذي سيتكرر ذكره مراراً هو عبد الله بن أُبيّ بن سلول حتى إنه صنع لنفسه تاجاً لكن بهجرة المسلمين إلى يثرب تحطّمت كل أحلامه قبل أن يبدأ النظام الجديد أصلاً وأشعلت هذه الصدمة نارَ حقدٍ في قلبه على الإسلام ظلت تؤجّج صدره طوال حياته لم يكن ليُظهر ذلك علناً، لكنه لسنين طويلة عمل سرّاً ضد المسلمين، ينسج المكائد الخفية وكان يسعى دائماً لتسميم عقول من حوله ولهذا، عبر التاريخ سيُذكر بوصفه "رأسَ المنافقين" فكيف كانت حال العقائد في يثرب؟ لقد كانت مختلفةً جداً عن وثنية مكة كان عندهم صنمٌ يُسمّى "مناة" ومثلما كان في مكة لم يرفض عبادة الأوثان إلا عددٌ قليلٌ منهم وعاشوا على الحنيفية كوالدي رسول الله ﷺ هذه هي المدينة التي سيُغيّرها رسولُ الله ﷺ من جذورها ويؤسس فيها الدولة الإسلامية بدستورها، ونظام تعليمها ونظامها العسكري، وأمنها، وتجارتها، وغير ذلك كثير فلنعد الآن إلى دخول النبي ﷺ يثرب ونشهد كيف تحولت إلى المدينة وقبل دخول المدينة، مكث رسولُ الله ﷺ آخر ثلاثة أيامٍ في قباء وهي قريةٌ تبعد نحو ساعةٍ عن المدينة وهناك وضع أساساً راسخاً وبنى أول مسجدٍ، مسجد قباء وهناك أيضاً اجتمع بعليٍّ رضي الله عنه من جديد وتذكروا أن عليّاً، كما أمره النبي ﷺ بقي في مكة ليردّ الأمانات إلى أصحابها فلما رآه رسولُ الله ﷺ بدت على وجهه فرحةٌ وحزنٌ معاً كان عليٌّ في الطريق قرابة أسبوع وكان منهكاً وكانت قدماه متشقّقتين تنزفان فلما مسح النبي ﷺ على قدمي عليٍّ بيده المباركة، بَرِئَ عليٌّ كأنه لم يُصب بجرحٍ قط وأخيراً، في ليلةِ جمعةٍ، بدأ المسير إلى المدينة كان المسلمون هناك ينتظرون قدومه بشوقٍ عظيم نساءٌ وأطفالٌ ورجالٌ، كانت العيون شاخصةً إلى الصحراء ساعاتٍ طويلة لقد كانوا ينتظرون منذ صلاة الفجر وحتى حرِّ الظهيرة ظلوا يحدّقون نحو الأفق وكان السؤال الذي يدور في خاطر كل واحد منهم: هل سيصل رسولُ الله ﷺ سالماً من مكة؟ اليوم الأول، اليوم الثاني، اليوم الثالث والانتظار مستمر وفي أحد تلك الأيام، ترقّبوا رسولَ الله ﷺ مرةً أخرى لكن لم يُرَ أحد، ولم يُسمَع صوت ومع اشتداد حرِّ الظهيرة بدأ الناس يعودون إلى بيوتهم واحداً تلو الآخر وفي تلك اللحظة نفسها صاح صوتٌ: "يا معشر العرب!" "لقد جاءكم مَلِكُكم!" وكان الذي نادى بهذه البشرى المنتظرة رجلاً يهودياً ومن أعلى شجرة رأى رسولَ الله ﷺ مع أصحابه وفي لحظةٍ امتلأت الطرقات الصامتة فرحاً واحتفالاً لقد انتهت الآن كل المشاق، وكل أخطار الموت وانتهت الهجرة أخيراً هذه هي المدينة وكان رسولُ الله ﷺ يمضي قدماً داخل يثرب وكانت صيحات الفرح والتكبير تتردد في الشوارع وهنا كانت تُنشَد القصيدة المشهورة: "طلع البدر علينا" وبصوتٍ واحد، رحّب الجميع، أطفالاً وشباباً وشيوخاً بالنور الذي أشرق عليهم بهذه الكلمات فقط تخيّلوا أن تكونوا هناك في تلك اللحظات "طلع البدر علينا، من ثنيّات الوداع" "وجب الشكر علينا، ما دعا لله داع" "أيها المبعوث فينا، جئت بالأمر المطاع" "جئت شرفت المدينة" "مرحباً يا خير داعٍ" إن خاتمَ الأنبياء وأعظمَهم قادمٌ، يحمل الوحيَ، القرآن الذي سيخاطب كل الأزمنة وكل البشر إنه قادمٌ بأعظم البُشريات، بشارةِ الآخرة الخالدة ووعدِ السعادة التي لا تنقطع تخيّل فقط، إنه سيعيش الآن في مدينتك ستراه يؤمّ المسلمين في الصلاة وتجلس معه في مجالسه لعلّه يسألك عن حالك فتقصّ عليه همّاً لم تُحدّث به أحداً من قبل سيضمّك رسولُ الله في هذه الأرض وسيقوم بمواساتك ولعلّ كلمةً يقولها لك تُروى لقرون في حديث وستشهد نزول الآيات كم من أشياءَ قد تحلم بها وتتمنّاها لكن هل تعلم ما ستكون أعظم أمانيك ؟ أظنّها أن ينزل ضيفاً في بيتك كما كان كلُّ صحابيٍّ يتمنى ذلك يومئذ كان الناس يتساءلون: "أين سينزل؟" لأنه لم يكن له بيتٌ في المدينة بعد وكانوا يمسكون بخطام ناقته يدعونه قائلين: "يا رسول الله ﷺ، تفضّل إلى بيتنا" لكن رسولَ الله ﷺ قال: "دَعوا الناقة" "فإنها مأمورة" فأين سيكون ذلك الموضع؟ كان الجميع يترقّب أين ستبرك "القصواء" وكأنها تبحث عن مكانٍ، ظلت تمشي وتُميل رأسها يميناً وشمالاً حتى توقفت أخيراً وبركت على قطعةِ أرضٍ فقال رسولُ الله ﷺ: "هاهنا المنزل" وسأل: "لمن هذه الأرض؟" فكانت ليتيمين فدعا رسولُ الله ﷺ اليتيمين وأراد أن يدفع ثمنها فقال الغلامان اليتيمان: "يا رسول الله ﷺ، إنما نطلب ثوابها من الله" فرح النبي ﷺ بهذا القول لكنه لم يكن ليأخذ حقّ اليتيم بغير ثمن فلم يقبل عرضهما بل اشترى أبو بكرٍ الأرض بثمنها كاملاً: عشرةَ مثاقيلَ من ذهب وعلى هذه الأرض سيُبنى المسجد الذي يُعرف الآن بالمسجد النبوي فقط تخيلوا عِظَم صدقة أبي بكرٍ ملايينُ الناس صلّوا في ذلك المسجد وتلك الأجور كانت تُكتب في صحيفته كذلك وأثناء بناء المسجد أراد رسولُ الله ﷺ أن يقيم في مكانٍ قريب فسأل: "أيُّ بيوتنا أقرب؟" فصاح خالد بن زيد المعروف بأبي أيوب الأنصاري، بفرحٍ شديد: "يا نبيَّ الله!

بيتي أقربُ البيوت!" "هذا بيتي، وهذا بابه!" ثم، بإذن رسول الله ﷺ نقل متاع النبي إلى بيته وهيّأ له مكاناً وأقام رسولُ الله ﷺ في ذلك البيت سبعةَ أشهر وكان أول ما بدأ به أن شرع في بناء المسجد على الأرض التي اشتُريت من اليتيمين وبيديه المباركتين وضع رسولُ الله ﷺ أول حجرٍ في أساسه وشارك كذلك في بناء المسجد فلما رأى المسلمون أنه يعمل معهم، ازدادوا نشاطاً وهمّةً وفي يومٍ كان النبي ﷺ يحمل اللَّبِن قال له أحد الصحابة: "يا رسول الله ﷺ" "ناولْنيه، أنا أحمله" فقال رسولُ الله ﷺ: "اذهب فاحمل غيره" "لستَ بأحوجَ إلى أجر الله مني" وكما صارت المدينة مركزَ الإسلام صار هذا المسجد مركزَ المدينة لم تَعُد المدينة تصلح أن تكون بلدةً تكاد تعيش على هامش الصحراء تمزقها الحروب المستمرة ولم يَعُد يمكن أن تبقى مكاناً يقوده أناس يَسلّون سيوفهم لأدني خصومة كان لا بد أن تنتهي الأيامُ التي يتحالف فيها الرجل مع غيره ليعتدي على جاره كان لا بد أن تتوقف المدينة عن كونها مكاناً لا يأمن فيه الناس على أنفسهم أو اموالهم كان لا بد أن تمثل الإسلام ولتحقيق ذلك، كان على رسول الله ﷺ أن يواجه ثلاثة أعداء: الجهل، والفقر، والفرقة أي الخلافات والانقسامات والاقتتال ولمنع الفرقة، صنع أمراً لم يُعرَف له نظيرٌ في التاريخ من قبل في يومٍ من الأيام أمر رسول الله أنسَ بن مالك أن يدعو المهاجرين مسلمي مكة الذين هاجروا والأنصار، ناصريهم من أهل المدينة فاجتمع نحو خمسةٍ وأربعين من المهاجرين وخمسةٍ وأربعين من الأنصار ولم يكن الصحابة يعلمون لماذا دُعوا فماذا سيحدث؟ مصعب بن عُمير مع أبي أيوب الأنصاري وسلمان الفارسي مع أبي الدرداء جعل رسولُ الله ﷺ لكل رجلٍ من الأنصار أخاً من المهاجرين وكان ذلك حلَّه البديع لمنع النزاع: عُروةُ المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين أي إنه آخى بين كل صحابيٍّ هاجر وصحابيٍّ من أهل المدينة وأعلنهم إخوةً لأنه كان يعلم جيداً أن السبيل الوحيد لمنع الخلاف بينهم هو ترسيخ معنى الأخوّة الحقّة ولم يكن يختارهم عشوائيّاً بل كان يقرن بين من تتوافق طباعهم ومن يسهل عليهم التآلف والتعايش وهكذا آخى بينهم جميعاً، إلا رجلاً واحداً: عليّ رضي الله عنه فلما سُمّيت الأسماء كلها ولم يُذكر اسمه أقبل عليٌّ إلى رسول الله ﷺ مطأطئ الرأس وقال: "يا رسول الله، آخيتَ بين الصحابة كلّهم" "ولم تُؤاخِ بيني وبين أحد" فابتسم رسولُ الله ﷺ وقال: "يا علي، أنت أخي في الدنيا والآخرة" فجعله أخاه هو وبالطبع لم تكن هذه الأخوّة مجرد قول: "أعلنتُكم إخوة"، ثم ينتهي الأمر لقد ترك المهاجرُ وراءه بيته والبلد الذي وُلِد فيها ونشأ وترك مالَه وممتلكاتِه وأقاربَه ولم يقل له أخوه الأنصاري: "تحمّل أمر نفسك وحدك" ولم يقل: "أنا بالكاد أستطيع أن أعول نفسي" بل كان يعطي أخاه نصف ماله ومنذ ذلك الحين صاروا يعيشون معاً في بيتٍ واحد وكان المهاجرون أيضاً يجتهدون ألا يكونوا عبئاً على أحد لأول مرةٍ في التاريخ، كان العالم يشهد أخوّةً كهذه لأنهم كانوا يقدّمون إخوانهم على أنفسهم صدقاً ولقد أثنى الله على هذه الإيثارات في القرآن بآيةٍ: قال تعالى "وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ" "وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ" وعلى مدى قرونٍ، ستُعلَّم هذه الصفة باسم "الإيثار" وبهذا النظام الفريد، استطاع رسولُ الله ﷺ أن يمنع وقوع النزاعات المحتملة ثم جاءت المشكلة الثانية من المشكلات الثلاث التي ذكرناها: الجهل، وقلّة التعليم ولمعالجة ذلك حين قدم النبي ﷺ المدينة أول مرة أمر ببناء مدرسةٍ تُسمّى "الصُّفّة" بجوار المسجد النبوي وكانت في الحقيقة، من وجهٍ ما، امتداداً لدار الأرقم في مكة وكان في الصُّفّة نحو سبعين من الصحابة، وكان أكثرهم لا بيوت لهم وقد تفرّغوا للقرآن وحده، يتدارسون معانيه بعمقٍ أكبر ويتعلّمون مباشرةً من رسول الله ﷺ كان أهل الصُّفّة فقراءَ في المال لكنهم كانوا أغنياءَ بالتقوى والعلم كانوا يقضون لياليهم في العبادة والتعلّم وكان النبي ﷺ يتكفّل بحاجاتهم ثم كانوا يسيرون على نهجه فينشرون ما تعلّموه بين الناس ويقومون بتعليمهم ولم يكن ذلك عن طريق الصُّفّة وحدها بل من خلال خطب الجمعة، والمواعظ بعد الصلوات وإجاباته عن أسئلة الناس، وسلوكه ومواقفه في شتى الأحوال كان يعلّم أصحابه على الدوام وهل تعلمون ما المدهش حقّاً؟ لم يُعرَف في تاريخ البشر شخصٌ علّم الناس في كل جوانب الحياة كما علّمهم رسولُ الله ﷺ فعادةً، إذا برز إنسانٌ في التاريخ إنما يبرز في مجالٍ واحدٍ فقط، أما في المجالات الأخرى فلن يكون له بصرٌ نافذٌ مميّز وقد يبرع شخصٌ في القانون لكن لا يقدر على تغيير المجتمع في سائر الميادين وحتى العبقري عادةً لا يتكلم بمعرفة كاملة إلا في تخصّصين أو ثلاثة أما النبي ﷺ فقد قدّم توجيهاً واضحاً ودقيقاً في كل شؤون الحياة من خلال سنّته واليوم، حين ننظر في القرآن والأحاديث نجد أنها تعطي دروساً في ميادين كثيرة دروساً في التشريع بما يكفي لإقامة دولةٍ وحكمها وفي التجارة والاقتصاد، على مستوى إدارة أمة وفي شؤون الأسرة: تعلمك كيف تُحفَظ المودّة بين الزوجين، ويستقرّ البيت وتُربّى الأبناء وهذان المجالان وحدهما تخصّصان مختلفان تماماً ثم هناك توجيهاتٌ في صلة الأرحام وحسن الجوار وفي الطهارة والنظافة، وفي هذا الباب خاصةً قدّم النبي ﷺ إرشاداتٍ لم تبلغها البشرية إلى اليوم وفي الأخلاق والآداب، وتزكية النفس والانضباط بل حتى الرحمة بالحيوان داخلةٌ في هذه الأبواب بل إن هناك كتاباً كاملاً خُصّ بتعاليمه في الطب يُسمّى "الطب النبوي" يجمع مئات الأحاديث الواردة في شؤون الصحة وإذا رجعتم إلى كتب الحديث ستجدون موضوعاتٍ أكثر من ذلك بكثير ولم تكن هذه أقوالاً عابرة بل مئات الأحاديث التي لا تزال حكمتُها دقيقةً ونافعةً إلى يومنا هذا وعبر التاريخ لم يكن أصحاب التأثير قادرين إلا على تغيير مجتمعاتهم تغييراً جزئياً وكانوا يتخصصون في مجالٍ أو مجالين لكن كان هناك رجلٌ عاش في القرن السابع الميلادي ومع أنه وُلد ونشأ في بيئةٍ بدوية كان لديه علمٌ عميقٌ وغيّر الناس تغييراً شاملاً في كل جوانب حياتهم وكان ذلك معجزةً حقّاً وكان واضحاً أن الذي علمه هو الله الذي أحاط علمُه كل شيء وهكذا استطاع رسول اللهﷺ أن يتغلب على مشكلة الجهل ثم جاءت مشكلة الفقر لكنها لم تكن سهلة كالمشكلتين السابقتين لأن أهل المدينة كانوا لسنواتٍ يعتمدون اقتصادياً على قبائل اليهود وكان سوق المدينة في أيديهم فكانوا يصوغونه وفق مصالحهم وفي اقتصاد المدينة، كان اليهود هم أصحاب النفوذ ومن ثم كانت الكلمة الأخيرة لهم وبمعونة الصحابة من التجار تفقد رسولُ الله ﷺ سوق المدينة أولاً ومن خلال ما رآه، أدرك أنه في سوقٍ يهيمن عليه اليهود لن يستطيع المسلمون المنافسة فما العمل إذن؟ مرةً أخرى، وباستراتيجيةٍ فريدة قرّر النبي ﷺ إنشاء سوقٍ جديد سوقٍ يكون للمسلمين وحدهم فأمر أصحابه على الفور أن ينصبوا خيمةً كبيرة فصارت تلك الخيمة سوقهم ولكن هل كان الأمر مجرد نصب خيمة؟ بالطبع لا الذي صنع الفارق حقّاً كان رباط الأخوّة الذي بناه النبي ﷺ منذ البداية فالمهاجرون لم تكن لهم خبرةٌ كبيرة بالزراعة لكنهم كانوا بارعين في التجارة أما الأنصار فليسوا أهل خبرةٍ بالتجارة لكنهم كانوا خبراء في الزراعة وهذان الفريقان اللذان آخى النبي ﷺ بينهما حين اجتمعا في السوق بدأت نتائجُ مبهرةٌ تظهر سريعاً وسارت الأمور على خيرٍ ما يرام، حتى جاء صباحٌ فدخلوا السوق فرأوا مشهداً لم يخطر لهم ببال كان صادماً مُحزناً المكان الذي باعوا فيه بالأمس قد زال واختفى فمن الذي يفعل ذلك؟ إنهم الذين لم يرضَهم هذا النجاح: اليهود لم يطيقوا أن سوق المسلمين صار يلفت الأنظار ففي ليلةٍ، قام يهوديٌّ يُدعى كعب بن الأشرف وكان شاعراً ورأسَ عصابة جمع رجالَه ودمّر المكان كله فأخبر الصحابةُ على الفور رسولَ الله ﷺ فلما جاء النبي ﷺ إلى السوق كان الصحابةُ جميعاً في حزنٍ شديد فقال رسولُ الله ﷺ: "من اليوم، سننقل سوقنا إلى مكانٍ يُغيظهم أكثر" وبحماسٍ أعظم، شرعوا في نقل السوق وفي الحقيقة كان النبي ﷺ يعلّمنا هنا درساً عميقاً: أن ننظر إلى الأمور بنظرةٍ إيجابية فبتعلّم الإيجابية يعلّمنا كيف نبتسم حتى في اللحظات التي تبدو كأنها نهايةُ كل شيء ولأجل السوق الجديد، اشتُريت قطعةُ أرضٍ تُعرف بـ "بقيع الزبير" ومنذ ذلك الحين صار سوقاً دائماً للمسلمين ولم تُفرَض عليه ضرائب وبإنشاء هذا السوق حقق المسلمون تقدماً كبيراً في التجارة وهكذا، تم التغلب على الفقر ولم يبقَ إلا أمرٌ واحد: بيئةٌ يستطيع الناس أن يعيشوا فيها معاً بسلام ولهذا أعدّ النبي ﷺ صحيفةَ المدينة التاريخية وكان هذا العهد يتكوّن من 47 مادةً رئيسة و5 بنودٍ إضافية ومن خلاله كان رسولُ الله ﷺ يسعى إلى تحقيق المساواة والعدل بين القبائل واللافت أن اليهود، مع أنهم لم يؤمنوا به نبيّاً فقد وافقوا على هذه الصحيفة لأنه بين قبائل اليهود أيضاً كان الضعيف يُظلَم وكان القويّ يُعدّ دائماً صاحب الحق ومع كل ما كان يجري في المدينة فماذا كان اليهود يظنون بالنبي ﷺ؟ كما ذكرنا سابقاً، كانوا يعلمون أن النبي الخاتم سيظهر في هذه الديار ولهذا كانوا يسكنون في هذه المدينة لقد كان لهجرة النبي ﷺ إلى المدينة أثرٌ كبيرٌ في نفوسهم فبدأوا يتساءلون: هل هو حقّاً ذلك النبي أم لا؟ لقد كانت آياتٌ كثيرة في التوراة والإنجيل تدلّ على رسول الله ﷺ وأخبرت عن بعثته من قبل وحتى اليوم، وإن لم تكن بالقدر الذي كان آنذاك فإن بعض الدلائل الواضحة لا تزال موجودة فلماذا كان لا بد لتلك الكتب أن تذكر مجيءَ رسول الله ﷺ؟ لأن تلك الكتب كانت تنذر الناس رحمةً بهم، وتخبرهم بأحداثٍ عظيمة تأمّلوا ذلك يظهر نبيٌّ، وعلى مرّ التاريخ يؤثر في العالم كله بطريقةٍ أو بأخرى وقد مضت 1400 سنة، واليوم ربعُ العالم يؤمن به إنه أمرٌ من أعظم الأمور في تاريخ البشرية فلابد،أن يكون مجيء النبي قد بُشِّر به لكن كيف؟ هل كان سيُذكر بوصفه رجلاً صالحاً؟ أم رجلاً سيئاً؟ أي لا بد أن تقول النصوص: "سيأتي رجلٌ كهذا في المستقبل" فإن كان سيئاً، لكانت تلك الكتب قد حذّرت قائلةً: "احذروا، فإنه سيضرّ دينكم" وإن كان نبيّاً حقّاً، لقالت: "إنه النبي الذي يبيّن الدين الحق الذي جاء به عيسى وموسى" "فاتّبعوه لئلا تقعوا في الضلال" فهل وُجدت في تلك الكتب أي إشارةٍ سلبيةٍ إليه؟ ولا واحدة فهذا يُبيّن بوضوح أنه ذُكر فيها ذكراً حسناً ولهذا السبب أسلم كثيرٌ من علماء اليهود والنصارى في ذلك الزمن ومنهم عبد الله بن سلام وكان عالماً جليلاً محترماً عند اليهود ثم لما سنحت له فرصة لقاء النبي ﷺ سأله ثلاثة أسئلة فدُهش من الأجوبة التي سمعها وقال: إن مثل هذه الأمور لا يعلمها إلا نبيٌّ وأعجبُ من ذلك كله أنه لما نظر إلى وجه النبي ﷺ قال: "ليس هذا بوجهِ كذّاب"، وبعدها دخل في الإسلام وإلى جانب ذلك، أسلم علماء يهودٌ آخرون كثيرون: "ابن يامين، ومُخَيْريق، وكعب الأحبار" ولكل واحدٍ منهم قصته الخاصة وأما علماء النصارى الذين أسلموا فمنهم: بطريرك الروم دَغَاطِر وملك الحبشة النجاشي، وقساوسة الحبشة وأهل نجران أيضاً، وغيرهم كثير وبالطبع كان هناك أيضاً مَن لم يقبل النبي ﷺ كانوا يعلمون أن نبيّاً سيأتي لكنهم لم يحبّوا أن هذا النبي كان من غير بني إسرائيل أي إن العنصرية ظهرت مرةً أخرى في التاريخ ثم نزلت آيةٌ من سورة البقرة تصف حالهم الباطن وصفاً واضحاً: "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ" "يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ" "وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" وخلال حياة النبي ﷺ سترون أمثلةً كثيرة كيف أن يهود المدينة آذَوا رسول الله ﷺ أذًى شديداً وسنشهد كيف رفضوا السلام الذي عرضه عليهم لقد تحولت يثرب إلى المدينة وأُقيم فيها نظامٌ عظيم لكن هذه لم تكن النهاية فبالطبع لن تترك مكةُ المسلمين وشأنهم وعند أول فرصةٍ سانحة سيحاولون القضاء عليهم وكان لا يزال هناك الكثير ممّا سيحدث بين الطرفين وفي الحلقة القادمة سنشهد ذلك معاً سنتحدث عن أخطر حدثٍ في تاريخ الإسلام حدثٌ إمّا أن يصيب للمسلمين بأكبر هزيمةٍ وإمّا أن يمنحهم قوةً لم يعرفوا لها مثيلاً من قبل استعدوا للحلقة القادمة فإننا سنشهد واحدةً من أعظم المنعطفات في التاريخ: غزوة بدر